في أي سياق يمكن أن نقرأ قصة (فرعون) موسى، و(دين) قومه؟

السيد شبل
2016 / 8 / 27

(( وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ۖ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ 26 وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ 27 )) سورة غافر

(( ونادى فرعون في قومه قال ياقوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون 51)) سورة الزخرف

((( إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين 76)) سورة القصص

الملاحظ هنا:

1- أن فرعون، لم يتمكن من التسلط بالرأي العام، إلا عندما قرنه بالاستحواذ على الثروات المادية، ونزع عنها مشاعيتها وعمومية ملكيتها، وأدخلها في حيازته الشخصية (مصادر الإنتاج، الأراضي والأنهار.. وقطعًا سائر الأنشطة الأخرى، هذا ما يكشف عنه تعبير "ملك مصر").. وعليه، فالاستبداد المالي، هو مدخل وشقيق الاستبداد السياسي، ولا تسلط سياسي، إلا عبر هذا الطريق، من تلك الفئة التي تحتكر الثروة، ثم تمد يديها للسلطة السياسية، تصادرها أو توظفها، أما الشعب (عموم الناس) فهم عبيد عمل، لا يملكون شيء، وإن أردت إسقاط ذلك على العصر الحالي أو أي عصر، فإنه لا يعني سوى تلك الفئة من كبار الإقطاعيين ثم التجار التي تحتكر الثروات، وأكمل صورها في زماننا ليست سوى سلطة الشركات متعدية الحدود، التي تسعى لمد نفوذها للعالم كله ومصادرة ثرواته.

المثال الآخر، الدال على ذلك، هي سلطة، "كانزي" الثروات، ممثلة في "قارون"، وهي جزء من منظومة السلطة، تتميز بسلوكها الاستعراضي التفاخري، وتتسبب في فتنة اجتماعية (قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم).. وهي باعتبارها، جزء من "المترفين" فهي خصم لأي دعوة تغييرية ثورية على مدى الزمن، ورد في 36 موضع باآيات المكية، ذم في هذه الفئة، باعتبارها خصمًا على الدوام.

2- "يبدل دينكم"
فرعون ذكر، "دينه ودين قومه"، في مواجهة "دين" موسى، فما المقصود بالدين هنا؟، الدين بحسب اللغة، من الخضوع، وأدان فلان أي أخضعه، ومن هنا، جاء الدين، بمعنى المنهج أو الحكم أو القانون الذي يسير عليه الناس ويخضعون له، بما يشمله هذا المعنى من رؤية عامة للكون وتفصيلاته؛ معنى ذلك أن السلطة الاستغلالية (الممثلة في تحالف الحاكم مع أصحاب المكتنزات المادية) تكون على منهاج أو قانون، تأويلي يضمن لها استغلالها لغيرها، تحاول الدفاع عنه والحيلولة دون تغييره، لدرجة المبادرة لقتل وتصفية كل من يحاول الثورة وتغيير ذلك.. "دينها" هذا أيضًا، له فقهاءه، ومفسريه، ومأوليه.. وهنا تظهر شخصية "بلعام بن باعورا" (عالم من علماء بني إسرائيل، ومن سلالة النبي لوط، وفي زمن موسى، وقيل كان باليمن.. وقضية "يمنيته" يمكن أن تجرنا إلى فرعون وأصوله، ومكان وقوع القصة، ليس هذا محلها، الخلاصة التي ممكن فقط أن نحصل عليها هو تداخل تاريخ وأصول المنطقة شرق وغرب البحر الأحمر منذ القدم، والظاهر في طريق الحمامات بين قفط والقصير، الذي هو معبر القبائل العربية بعد القرن السابع الميلادي، وكان يقدسه ملوك مصر القدماء باعتباره طريق دخول أجدادهم القادمين من القرن الأفريقي، الذي هو على مرمى حجر من اليمن، والاتصال عبر باب المندب قديم، وهذا حديث آخر أيضًا، مليء بالتفاصيل).. المهم، أن بلعام، مارس دور رجل الدين، الذي هو في صف السلطة، ويستفيد من نعيمها، ويحاجج الثوار الطامحين للتغير نيابة عنها.

هذه السلطة، بالختام، جوهر مشكلتها، هو خشيتها على مكتنزاتها، وسلطتها، لذا تقاوم، من يحاول وهب الناس حريتهم، ورد ثرواتهم إليهم، وتحريرهم من الأصنام (مادية ومعنوية) نحو التوجه للمطلق غير المحدود، ودفعهم الخروج من المادة وتحكماتها، والنفوس وحظوظها وشهواتها، نحو براح أوسع، وإنسانية محققة، بما يسمح برؤية الكون كله، على حقيقته، كخيط مرتبط، ترتد جميع تفاصيله إلى حقيقة واحدة، لها تجلي بالضمير الإنساني أو الروح الكلي، للعالم.

السلطة، هنا، محكومة بانانيتها ومصالحها الشخصية، وضد كل من يحاول فرض واقع جديد تشاركي تعاوني تكافلي تآزي اجتماعي تحرري، يكون الناس فيه "سواسية"، هذا المنهج أو "الدين" مرفوض عندهم، ويستمسكون بقانونهم أو منهاجهم "دينهم" الذي هو، بالختام، تأويلات خرج بها رجال الدين القريبين من السلطة عن أصلها وجوهرها الأخلاقي والروحاني الأول (كما سيفعل الفقهاء بدين -منهج- موسى، فيما بعد.. وهكذا).. انحياز هذه السلطة لأنانيتها، يقابله موسى بتخويف من يوم "حساب"، لا بد أن ياتي حتى ينتصر المستضعف، وينجز مطالب ثورته، لكن "الأنانية" تطغى على أصحابها، فتنكر أن "حسابًا" قادما في الطريق، ارتكانًا لغرورها، واحتقارها للناس وللسنن الكونية!.

--—

لو صح ما قاله جمال حمدان، بخصوص أن فرعون موسى، هو رمسيس الثاني بالقرن الثالث عشر قبل الميلاد، فيكفي أن نشير إلى أن رمسيس الثاني، كان مفتونًا بذاته، أكثر من غيره من الملوك، ومن هنا كانت مبادرته لتكثيف تماثيله، ومحوه آثار من سبقوه من الملوك، من على جدران معبد الكرنك -كمثال-، وأنه عندما خرج لقتال الحيثيين، تورط في حرب ليس ندًا لها، وكانت التخريجة هي اتفاقية "سلام" شبيهة بكامب ديفيد، لكنه عاد إلى مصر، وصوّر نفسه على أنه قاهر الحيثيين في قادش، وحرض فناني عصره على رسم جداريات ملفقة -لا تزال موجودة بمعبد الأقصر- ليوحي من خلالها أنه انتصر وقهر أعداءه، بينما الحقيقة ليست هكذا تمامًا، وأنه ليس بوزن أسلافه سواء أحمس أو تحتمس الثالث.