المجتمعات العربية ومرحلة تفكيك الانظمة الشمولية التسلطية

أحمد الهدهد
2016 / 8 / 27

تظافرت العوامل الاجتماعية والسياسية الموضوعية والذاتية التي حكمت تكوين النظام المجتمعي العربي ورسمت بناه المختلفة على نجاح النخب الأقلية بسرعة في وضع يدها على الدولة والموارد الوطنية وتثميرها لصالحها وبهدف ارتقائها الاجتماعي والدولي فحسب، واستمرارها -رغم التغير الكبير الذي حصل في العقدين الماضيين على الصعيد العالمي والمحلي وأزمة النظم الشمولية المفتوحة- في الحفاظ على سلطانها والتمديد لنفسها في السلطة.
وبالمثل فإن هذه العوامل التي دعمت سلطة النخب الأقلية ومكنتها من مواجهة المجتمع هي نفسها التي عملت على إضعاف فرص نمو قوى ديمقراطية حقيقية وقوية قادرة على استغلال فرص أزمة النظم التسلطية لإحداث نقلة في الحياة السياسية للمجتمعات. ومع غياب مثل هذه القوى يصبح من الطبيعي بل من الحتمي أن لا تقود الأزمة إلى تحول نوعي في النظام ولكنها تدفع جزءاً من القوى الحاملة له إلى إعادة بنائه من وجهة مصالحها ومنظوراتها الخاصة.

وتتجسد أزمة الانتقال نحو الديمقراطية في البلاد العربية اليوم -أكثر من أي عامل آخر- في هشاشة القوى الديمقراطية التي يمكن المراهنة عليها للسير بعملية التغيير السياسي والتحويل الاجتماعي. وتتجلى هذه الهشاشة في غياب التنظيمات الديمقراطية الحقيقية وغياب القواعد والتقاليد والممارسات الواضحة والثابتة التي تميزها وتهيكلها، واقتصار الدعوة للديمقراطية على مجموعات صغيرة من اليسار السابق -وهي المجموعات التي تستخدمها في أغلب الأحيان من أجل إعادة تثمين نفسها في الساحة السياسية- أكثر مما تنظر إليها كبرنامج سياسي حقيقي للتحويل الاجتماعي. ويخدم تبني الديمقراطية كوسيلة للاستفادة من الانفتاحات الجزئية التي تدفع إليها أزمة النظام أو من الطموح إلى بناء تحالفات دولية جديدة. مما يعني أن هذه القوى لا تزال متلقية تستفيد من الانفتاحات المحدودة التي يضطر إليها النظام أكثر مما تساهم في خلقها، وبالعكس لا تزال الأجيال الجديدة الشابة التي لم تدجن بعد عن طريق الاضطهاد والقمع والإرهاب غير مؤمنة بهذه الانفتاحات ولا حتى بمعنى الديمقراطية، إنها فريسة لمشاعر اليأس، وهي تريد تحويلات جذرية وسريعة.
ومن الصعب الحديث عن وجود خيار ديمقراطي حقيقي بعد في البلاد العربية مع غياب قوى ديمقراطية قوية ومنظمة، بينما تنزع الدعوة الديمقراطية السائدة إلى أن تكون الرأسمال الثقافي الجديد الذي تثمره النخبة اليسارية الليبرالية المهمشة في التنافس الجديد المفتوح بسبب الأزمة على السلطة.
إن السبب الرئيسي لإخفاق عملية التحول الديمقراطي في العديد من الأقطار العربية لا يرجع إلى مسائل ثقافية بقدر ما هو تعبير عن تضافر بنى اجتماعية وسياسية وثقافية عملت على غياب أو تغييب القوى الاجتماعية والسياسية المنظمة القادرة على استغلال أزمة النظم التسلطية والشمولية، وبالتالي إلى افتقار الحركة إلى قوة دفع حقيقية. وعندما نتحدث عن قوى اجتماعية وسياسية منظمة فنحن نتحدث في الوقت نفسه عن الوعي الذي يميز هذه القوى ويرشدها، كما نتحدث عن مجموعة الممارسات التي تميزها وتحدد هويتها ومنهج عملها وقدرتها على الحركة والإنجاز.
فوجود مثل هذه القوى شرط لتحويل أزمة النظام التسلطي إلى مدخل لعملية تحويل ديمقراطية بدءاً من تحقيق التعددية السياسية والفكرية. وليس من الضروري أن تكون هذه القوى موجودة في المعارضة، فمن الممكن كما حصل في الاتحاد السوفياتي أن تأتي من داخل النظام نفسه. كما أنه ليس من الضروري أن تكون هذه القوى المدفوعة إلى تفكيك النظام قوى ديمقراطية الهوى والعقيدة والممارسة، إذ من الممكن تماماً أن تكون مختلفة بل معادية للديمقراطية بجميع معانيها الاجتماعية والسياسية.
ومن هنا أعتقد أن المجتمعات العربية تعيش عموماً مرحلة تفكيك النظم الشمولية والتسلطية ولم تدخل بعد بشكل جدي في إشكالية الانتقال الديمقراطي. وبسبب غياب قوى ديمقراطية حية ومنظمة انتهت مرحلة تفكيك النظم في معظم البلاد العربية بإعادة تركيب النظم الشمولية أو التسلطية على أسس جديدة وورثتها النخب ذاتها. ولم تكن إعادة التركيب هذه -كبديل عن التفكيك- لصالح الانفتاح السياسي دائماً ولم تجلب نظماً أكثر تسامحاً وقانونية. ولم تتم جميعها من دون حروب أهلية مدمرة وخسائر كبيرة. وفي بعض البلاد العربية لا تزال آثار فشل هذا التفكيك بارزة في استمرار العنف وتوطن الحركات التمردية الانتقامية في الجبال والمناطق المعزولة.
وما نستطيع أن نستنتجه من تجربة العقدين الماضيين هو أنه بالرغم من وجود قوى داخل النظام مستعدة للانخلاع عنه والوقوف مع حركة التحولات الديمقراطية إلا أن من الصعب المراهنة -في هذه المرحلة على الأقل- على هذه القوى لإطلاق العملية، مما يعني أن إنجاز مهام تفكيك النظام التسلطي والشمولي العربي سوف ترتبط بمهام الانتقال نحو الديمقراطية، وتتوقف بالتالي على عمل القوى الديمقراطية ذاتها، وبالتالي على بناء هذه القوى خارج النظام. وحتى يتحقق ذلك تظل الأوضاع التي نعرفها اليوم والتي تتميز بانسداد الآفاق وانعدام فرص المبادرة الداخلية والخارجية وضيق ذات اليد في جميع المجالات هي السائدة والمرشحة للاستمرار.
والنتيجة، إذا كانت المجتمعات العربية لم تدخل بعد مرحلة النظم الديمقراطية الحقيقية التي يمكن تلخيصها في أربعة أركان: ممارسة السلطة العمومية من قبل ممثلين منتخبين في انتخابات حرة وعامة، أي الاعتراف بالسيادة الشعبية، وتكريس دولة القانون التي تضمن احترام القانون وتطبيقه بالتساوي على جميع أفراد المجتمع كبيرهم وصغيرهم غنيهم وفقيرهم، وتأمين العدالة الاجتماعية من خلال نظام للتكافل والتصحيح يضمن تجنب تهميش الأغلبية الاجتماعية ثقافياً وسياسياً، وضمان الحريات الفكرية والسياسية والتنظيمية، وإدارة مسؤولة وذات كفاءة، فذلك لأن الديمقراطية لم تطرح بعد في أي قطر عربي كمعركة رئيسية للتحويل الاجتماعي أو لتحويل المجتمعات بالعمق، وإنما كمطالب لتوسيع هامش الحرية والمبادرة لفئات محدودة من النخب الاجتماعية. وهي لم تطرح بعد بجدية لا من الناحية النظرية ولا من الناحية العملية. ولا يزال المنهج الذي تعالج به في الأوساط العلمية والسياسية العربية والعالمية معاً -عندما يتعلق الأمر بالمجتمعات العربية- هو المنهج "الستاتيكي" تماماً سواء أكان ذلك من قبل من يسمون أنفسهم أصحاب المنهج التحديثي أو الديني. فالفريق الأول يسعى إلى الكشف عن فرص الديمقراطية العربية من خلال المقارنة بين الثقافات والكشف عما إذا كانت الثقافة العربية والكلاسيكية تتحمل القيم الديمقراطية أو تؤمن بها أم لا، فتظهر الديمقراطية هنا كأنها عنصر جامد موجود أو غير موجود في ثقافة ما كما لو أن الفكرة هي التي تولد النظام الاجتماعي.
أما الفرق الثاني من أصحاب النظرية الدينية أو المنهج الإلهي واللاهوتي للتاريخ والمجتمع فيناقش مسألة الديمقراطية من حيث هي منسجمة مع الإسلام أو غير منسجمة معه. وهم في الواقع يصلون إلى النتائج ذاتها التي يصل إليها الفريق الأول بالرغم من اختلاف العقائد لأنهم ينطلقون من القول بوجود حضارات مختلفة ولكل منها خصائصها ومنظومات قيمها وتوجهاتها الخاصة. ولا تمثل الديمقراطية إلا تجسيداً للقيم الغربية. والغائب في هذين المنهجين الثقافويين السائدين اليوم للأسف هو الإنسان نفسه، أي الإنسان كوعي فاعل وقدرة على التأمل والتفكير وكإرادة جماعية قادرة على التأثير والتحكم ببيئتها، ومن خلال ذلك، على اكتشاف وفهم أنماط التنظيم الجديدة والكشف عن المتسق والناجع منها وطرح غير الناجع، أي عن الإنسان كمسؤول ومؤثر في محيطه سواء أكان محيطاً ثقافياً أم مادياً حضارياً أم دينياً أم طبيعياً.
وهم يتجاهلون معاً أيضاً أن الديمقراطية -مثلها مثل أي فكرة وممارسة اجتماعية- نبته تاريخية نشأت ربما في حضن مدنية معينة في المرحلة الأولى، لكن شيئاً لا يربطها ربطاً حتمياً ولا نهائياً بهذه المدنية، وإنما هي ثمرة حضارية تشارك فيها جميع المدنيات، تماما كما أن الكمبيوتر نشأ في حضن المدنية الغربية لكن شيئاً لا يمنع الصيني والعربي والأفريقي من إدراك القيمة العلمية والنجاعة العملية لهذا الاكتشاف ويقبل عليه ويطمح إلى السيطرة على تقنيته ويكون من أكثر الناجحين في العمل عليه كما هو الحال اليوم في الهند حيث إن أفضل المبرمجين يأتون من هناك.
وطالما ليس هناك وجود لديمقراطية جاهزة ولا ناجزة ولا نموذجية في أي مكان، فكل بناء لديمقراطية محلية هو تجربة تاريخية خاصة وإبداعية، وككل تجربة إبداعية يستدعي النجاح فيها تشغيل المخيلة وتجنب الحلول المطروقة والمعروفة واكتشاف الآليات الناجعة في الظرف الخصوصي والمعين. فهي مسار اجتماعي تاريخي، وككل مسار من هذا النوع تشكل عملية التحويل الديمقراطي سيرورة صعبة ومعقدة تحتمل التقدم والتراجع والفشل والنجاح. فإعادة توزيع السلطة في أي مجتمع من المجتمعات ليست قضية نظرية ولا إيمانية ولا ثقافية ولكنها تستدعي معركة حقيقية، ذلك أنها تمس مصالح فئات وطبقات حية وموجودة على الساحة وقادرة على الحركة والقتال للدفاع عن مكتسباتها. وتكريس الحريات السياسية ليست مسألة أخلاقية أو قيمية ولكنها مسألة مرتبطة مباشرة بالتوزيع المادي للموارد، فمتى ما تمكن المواطنون من حرياتهم السياسية صار بإمكانهم الاعتراض على الاستخدام الاحتكاري لهذه الموارد من قبل نخبة دائمة وقائمة سواء أكانت أرستقراطية ملكية أو ثورية جمهورية.
والخلاصة أن الديمقراطية نظام سياسي لا يمكن أن يتحقق من دون عمل مهما كانت طبيعة ثقافة المجتمعات ونصيبها من الحداثة والتقليد، وأن هذا العمل لا يمكن أن يكون ناجعاً ومنتجاً من دون أن يستند إلى أسس عقلية سليمة ومتسقة. وهذه هي بداية الطريق.