طقس الدّم

ريم شطيح
2016 / 8 / 24

لم تُترَك حالة تغيير ما في حياة الإنسان إلاّ وأُقحِم فيها موضوع الدم وسفكه كظاهرة ممكن تسميتها طقس الدم، تشي بحدث مهم سيأتي بتغيير ما - جذري على أبعد تقدير. فلطالما فُرِض أن يكون الدم مقابل شيء ما؛ الدم والذبيحة من أجل إرضاء الإله، الدم من أجل غفران الخطيئة والخلاص، أهمية رؤية الدم (كطقس) برهاناً على عذرية الفتاة بعد افتضاض غشاء البكارة، وسفك الدم من أجل غسل الشرف والعار بقتل الفتاة.

ساهم الدين ورجال الدين تحديداً بشكل مباشر بتوطيد هذه الأفكار، ونشر القسوة في قلوب الناس، فبين موضوع العار والمرأة وباقي المواضيع قد يتوقف عقل الشرقي ليُعيد إفراز نفسه ضمن المنظومة الأصلية التي يتبعها، وهي منظومة العقلية الأبوية الاستبدادية. ولا تختلف هذه المنظومة عن منظومة الدولة والسلطة، دينية كانت أم سياسية، فإحداهما تستمد شرعيّتها ونهجها من الأخرى، حيث لم يقف أحَد بوجه حرية الإنسان ودولة القانون وسيادة الفِكر والعِلمانية أكثر من رجال الدين منذ بداية تاريخ الأديان ونُشوء الدول، فقد دعموا الحُكّام الذين تعاونوا معهم ليتحكّم الطرفان بعقول الشعوب، ويستغلّوهم تارةً باسم الله والمُقدَّسات وتارةً بإسم الحاكم.

وها هي ذي مسألة عذرية الفتاة والعار وجرائم الشرف ترتبط وتجري بموافقة قانونية ودعم وتشريع ديني، لأنّ الحُكّام ورجال الدين وجهان لعُملة واحدة، من هنا، فإنّ فصل الدين عن القانون والسياسة قد يكون أهم ما يمكن البدء به كحلّ مع تثقيف الشعوب وإصدار قوانين أكثر مدَنية تحمي إنسانية الإنسان وحقوقه في ظل نظام علماني يحفظ حق الجميع. فما زال غشاء البكارة يشكّل إحدى معضلات الشباب العربي والشرق أوسطي، وما زال الجسد هو باب العذاب والخلاص للمرأة بالنسبة لتلك المجتمعات التي همّها مراقبة الجسد واحتياجاته وقمعه قدر الإمكان بالضرورة للمرأة فقط، حتى يتسنّى لذلك الرجل أن يرى نقطة دم، ربما في أول إنجاز تاريخي له في فَض غشاء بكارة أنثى قد لا يرى فيها إلاّ غشاءً مطاطياً يساوي لديه كل أغشية العقل والفِكر والإنسانية.

ومن دم غشاء البكارة إلى دم ما يُسمّى جريمة الشرف؛ تلك التي تحصل في الكثير من المجتمعات العربية والشرق أوسطية بحماية قانونية وشبه تأييد اجتماعي ومؤازرة دينية تجعل من الفتاة (حالة جسد فقط) تعيش حياتها وكأنها تقدّم امتحاناً يومياً تنتظر برعب أبدي نتائجه. إن مَن يرتكبون جرائم الشرف لغسل العار ينتهجون منهج داعش نفسه في رجم المرأة حتى الموت عقاباً لها، وقد يكونون مِمّن انتقد ممارسات داعش الوحشية وندّدَ بجرائمها من دون النظر إلى أنفسهم وعقليّتهم التي ليستْ إلاّ امتداداً لداعش، ولثقافة الدم مقابل غسل العار.

ومِن ثقافتنا أحد أقوال المتنبي عن هذا الشأن يقول: (لا يَسلَمُ الشرفُ الرفيعُ من الأذى حتى يُراقَ على جوانبِه الدمُ)، تأييداً للقتل والدم في سبيل سلامة الشرف وغسل العار، سواء كان متعلقاً بموضوع المرأة أو بالعداوات والأخذ بالثأر. مضى على هذه الطقوس التقليدية التي تعود لعقلية ذكوريّة أبوية مئات السنين، وترتبط مسألة الشرف والعار والعُذرية - إلى حَدٍّ ما - بثقافة العفّة الجسدية للمرأة، فأول شروط العفة هو قهر الرغبات الطبيعية الجنسية بشكل عام، ليصبح همّ الفرد في مجتمع مراقبة جسد المرأة بدلاً من عقلها، وحقنها بأفكار منذ الصغر تحصرها داخل جسدها بدلاً من تنمية قدراتها الذهنية والعقلية والروحية بالمحبة والصدق والعلم والثقافة.

ولعلّ أكثر ما صبّتْ عليه المجتمعات الشرقية اهتماماتها هو موضوع الجنس بين الرغبة الدائمة والقمع النفسي. المجتمعات التي ترفض الحرية الجنسية في العلن وتمارسها في السر؛ إذ ترقّع الفتيات أغشية بكارتهن من أجل أول ليلة كي تستمر بعد ذلك مسرحية نفاق مجتمعي يستحقّه مَن سعى وراء غشاء مطاطيّ وثار للعار. أوليس الأجدر بهذه المجتمعات أن ترفضَ زواج القاصرات قبل أن تنهى عن هذا وذاك!؟ إنّ غشاء البكارة وغسل العار كجريمة الشرف ليسا إلاّ غشاءً على أعين مجتمعاتنا وعقولها، وليس العار إلاّ عار الجهل وثقافة الكراهية والقمع والانتقام.

أيها الشباب العربي، هناك عشرات الوسائل لترقيع غشاء البكارة خلال فترة قصيرة، ولكن كيف نرقّع الشَّر والكراهية والقلوب التي لا تعرف الخير والرحمة!؟ أوليس الأهم هو صفاء النفس وانفتاح العقل والقلب والروح؟ العهر هو عهر الفِكر وليس الجسد، عهر النفس الشريرة اتجاه الآخر وشهوات البُغض والحسد والقتل. ما مِن رذيلة أكبر من افتقاد المحبة والصدق في النفس البشرية.