جرح الذاكرة

مالكة حبرشيد
2016 / 8 / 24

كل الطرق تؤدي الى تعلالين ...امشي بعيون مغلقة ..وانا اقفز على قدم واحدة ....كانما احاول الطيران . الاحلام لا يسعها افق باموسى ،.....فقد كان ام الربيع ومازال حدا فاصلا بين ماكان وما تمنيت دائما ان يكون ....كل الييوت تعرفني وانا اميز روائحها عن بعد .... اقربها الى قلبي رائحة الدكانة الصغيرة لصاحب المكتبة المسيحي ...هناك قطعت تذكرة الرحيل في الزمان ...من قصة الى رواية الى ديوان ....زرت مصر والعراق والشام ....ولم انس ان اعرج على فرنسا وبعض احياء اسبانيا ...وحروب العالم ترافقني في حقيبتي الكبيرة ...لا اعرف حتى اليوم لم اعشق الحقائب الكبيرة ....مع ان كل ثروتي كانت مفكرة وقلم رصاص ....وحزمة من علامات استفهام وتعجب ....غرفتي كانت عالما مختلفا تماما عن المحيط الخارجي..... فلطالما كنت فيها مي زيادة ...واحيانا غادة السمان او اكاطة كريستي ....وكثيرا ما انتحلت شخصية سعاد حسني ....وكم ضبطت متلبسة ببدلة رقص نجوى فؤاد.....حاورت المتنبي مرارا ...عشقت كبرياءه وغروره ...وكم كرهت الفرزدق ....تصورته دائما بملامح غليظة وشنب طويل وابتسامة متملقة..... لكني كنت دائما منحازة الى نجيب محفوظ والعقاد والمنفلوطي .....شيء ما بداخلي كان يشدني الى هاويتهم الاليفة...الى ذنوبهم المؤمنة....الى ايمانهم المتمرد على الاشكال والالوان والاطارات والملامح المحنطة .....مع اواخر السبعينات كانت خنيفرة حبلى بمن سيفك قيودها وينفض الغبار عن ملمحها ....لكن القهر وصوت الرصاص اجهضها لتظل عليلة في غرفة انعاش ...لا تبر حها.... ام تئن طول الوقت ...تبكي في صمت صغارها المرضى والجوعى ....وكبارها المنفيين خارج دائرة الحياة ..باموسى شاهد على قهرها ....واقلال لا ينس ابدا تاريخ اجهاضها....صادقت الجدران ...فاحلامي الاسطورية لن يستوعبها عقل انسان .....اخبرتها عن احلامي وامنياتي...وكم على ضفاف ام الربيع جلست ابث النهر همومي البسيطة التي لم تكن تتجاوز حدود مدينتي الصغيرة ...تاكدت وقتها ان النهر لا يعاني القلق والارق..... ولا ثورة الاعصاب ....كما هو الشان في بيتنا حيث الاخوة يتزاحمون حول المائدة وصوت المذياع الصغير يفرض حظر الكلام واللعب والضحك ....فقد كان الوسيلة الوحيدة للانفتاح على العالم ....كوة ضيقة ....تكاد لا تتبين منها سوى ما ارادت الجهات المسؤولة ان نعلمه... نفس الوضع في السويقة او زنقة وهران التاريخية حيث الباعة يعانون الامرين .....التنازع على الاماكن والزبائن .....وثقل العودة في المساء خاوي الوفاض ....هنا بدات اشعر بتنامي الحزن بداخلي ....ادركت ان ما قراته في الكتب بدا صوته يتصاعد بداخلي ...كانما كانت القصص والروايات التي اجلبها من مكتبة الحي الصغيرة عبارة عن وثاىق ضد التعفن ...في محيط لا متنفس فيه سوى تلفزة تبدا بعد الغروب لتقفل ابوابها على الساعة الحادية عشرة والنصف ....ثم تمنحك وليمة للارق والسراب..... الفراغ والارق قد يؤديان الى خراب شامل.... وقد يمنحانك مناعة ضد الاستسلام للخوف والصمت والخضوع ....الفراغ يمنحك فضاء مكتظا بالمرئيات والصوتيات فترقص تغني وقد تصبح فنانا يشد انظار المعجبات ....او شاعرا يشق الصخر بصوته الجهوري .....ولم لا ثوريا يحرر الناس من قبضة القهر والظلم والاستبداد... في الواجهة المراة ...قد ترى سندريلا بثوب احمر رافل القماش ....ماية اطلسية تهتز تحت لحاف النوم ...وان كانت متاكدة انها ستخرس تحت صفعة يد ....لا تفهم براءة الطفولة.... ولا محيطها الذي لا تحده اشواك...كل هذه الضوضاء كانت ومازالت انا .....صحراء جنون مطبق .....واحيانا جدول ماء عذب سلسبيل .....حسب المزاج واجواء خنيفرة التي لا تبتهج قليلا الا في العيد ....اذكر اني حاولت الرسم مرارا في دفاتري الصغيرة ...حاولت التعبير عن دواخلي المتشابكة رغم سني الصغير ....لكني لم افلح سوى في رسم مربع ومستطيل.... وضفضعة طالبني بها استاذ العلوم الانسانية .فاستنجدت بالابجدية التي صارت ملاذي الوحيد ....ومنقدي من ثورات الجنون المتتالية .....الطريق الى المدرسة كان سهلا مستقيما لا منعرجات فيه ....ولا ما يثير الانتباه ...وحدها المقبرة التي تطل عليها الاقسام تبعث على الخوف والتساؤل ....لكن قوانينها الصارمة كانت تزعجنني ....تخنقني .....تملاني حقدا عليها وعلى العاملين فيها ....خصوصا مديرتها التي كانت تشبه ماركريت تاتشر..... الطريق الى ثانيوية ابي القاسم الزياني كان مثيرا اكثر ...فانت تعبر المدينة كلها من شمالها الى جنوبها واحيانا من شرقها الى غربها .....فكل الطرق تؤدي الى تعلالين او باموسى لا فرق مادام حيي البسيط هو في سفح الجبل ......شارع محمد الخامس ....الشارع الوحيد الذي كان يستوعب خطين متوازيين للتلاميذ الذاهبين والعائدين من الثانوية ....كما يستوعب الباعة على الجنبات .....على جدرانه رسمت خرائط وخربشات واشكال قديمة غامضة ...لا احد يستطيع فك الغازها سوى اصحابها ....كنا نشارك الباعة والحرفيين صراخهم ....واحيانا غناءهم الذي يخفي الجوع والبرد.... نغماته قصيدة هاجعة في الذاكرة ....تهدر في الاعماق ...مادام لا مجال يحتويها او يحتضنها وسط هذا الهدوء الملغوم .....تاتي على مدينتي ايام تجعل العيون اكبر من الخوف ....كلما تحرك ساطور الغاب ليستتب الامن ... تساق بعض القبائل نحو المجازر....لا احد يعرف وجهتها ولا مدة سفرها او هجرتها ....ولا حتى مثواها....اذكر ان ملامح الساكنة كانت تعكس عيونا محتفية بالالم ....فياضة بالصبر..... منذ تاريخ موبوء .....وهي تصنع السلال والنعال والخراج ....واحيانا تنظم شعرا زجلا ....اوتتراشق بازلان ....كلما عدت الى البيت قصدت السطح المستطيل المفتوح على الطيور والغبار ....كعين كبيرة ترصد مشهدا شاسعا يؤطر احياء المدينة ....طرقاتها... ناسها ....جبالها الراسيات ..افاقها الحزينة والمشرقة في ان ....مادامت السماء مليئة بالحب .....والارز يغني ثاماوايت رغم كيد الكائدين وظلم الاقربين .مهما تطاول المكان بصمته واطبق الزمان بتعاليمه .....تنفلت كل المراسيم الجذلى.... ليبحث اطفال خنيفرة عن حضور لم يشهد عملية اجهاض.... مهما كانت الوجوه والازقة والجدران وطرق العيش تصفع رقة الطفولة ...وتحاول تاجيل الوعي الى اجل غير مسمى ...تسير الحياة واسير جنبا الى جنب مع صغار مدينتي ....نعارك حرها ...نشاكس بردها ....نداعب فقرها.....وكثيرا ما كنا نلتحف قهرها ....ونرقص معا رقصة احيدوس ....كلما سمح المجال...شيء ما بداخلي كان يدفعني الى ان اتسمر في بعض الزوايا سواء في البيت او المدرسة او السوق لاحملق في المرئيات والمدركات ....في الملامح والتجاعيد التي تخفي حكايات لا يرصدها التاريخ ....وفي الافق علامة استفهام كبيرة غامضة.....وعلامة تعجب منتصبة تمنع العبور ....نحو فضاء ارحب.كثيرا ما كان يخنقني التفكير وانا طفلة عاجزة عن فك الغاز الكون ....عن قراءة ما تعكس العيون ....وتوحي به التجاعيد المحفورة على الجباه ...عن الدمع المتيبس في المقل....ومايات الاطلس التي تقشعر لها الابدان ....كلما اهتزت في فجاج عاري ...ادركت فيما بعد اني كنت حالة شرود .....لحظات تمويهية توهيمية .....حضور باهت في توالي الايام صورة طبق الاصل عن باقي السكان وعن وجه ام الربيع الذي لا يتوقف عن الهذيان.... وجبال خنيفرة الواقفة في صمت قاتل .....تناغي وترة رويشة ....على ايقاعها تتساقط رموز مدينتي..... يشيعها الصدى..... وتعود الارامل لتاخذ مكانها عند نواصي الشوارع والازقة الضيقة .....هنا تحرك القلم يحاول اخراج الثورة العارمة في الاعماق ...باشكال مبتدئة ....واساليب بسيطة....وكلمات بريئة....لكنها كانت كفيلة بان تضعني على نقطة صواب...كثير من الغموض يلف دروس التاريخ ....وكثير من التزييف ينال الوثائق والخرائط.... لكن الجغرافيا ثابثة لا تغير مواقعها .....كما تربة خنيفرة لا تغير لونها ....كذلك يظل ابناؤها اوفياء مهما امتدت حدود الغربة فيهم او خارجهم.
2كبرت ...زادت مساحة الغربة اتساعا....وزاد جبل الخوف علوا.....بئر الصمت عمقا....والعمر يفشيني لاوجاع مستقبلية نازفة .....كانت الابجدية الناطق الرسمي لحواسي المتيقظة....مشاعري المشتعلة ....كشمعة تذوي في ليالي الصمت الباردة ....وانين القهر حولي....يرسم خرائط الزمن المنفلت بين ارجل الطغيان ....دقات الزمن المكسور.... ونشرات الموت الموغلة في الهطول ....حيثما وليت وجهي ... رايت موتا....يتواثب نحو الحياة نكاية في صخرة سيزيف الجاثمة على الصدر ....سمعت مايات تكسر القيد وتخترق الجدران العازلة بين الضفتين ....بين نافورة العطش ....وشلالات الملح المنصبة في الجراح .....ليشتد عود الصبر...حتى يصير مدينا للرماد بغرامة .....وام الربيع يروي اطفاله نكاية في القحط المقيم...ضدا في مراكب البراءة الغارقة في الدماء ....لتصير كريات الامل نجوما تنير عتمة التاريخ....تمر الايام متشابهة ....نفس الملامح و الاصوات والمنازل والطرقات ....لا شيء يتغير .....فقط جدران المدينة تبهت وتتضاءل....تقرضها الامطار والريح ....كما الجبال تقتاتها التعرية ....وبعض الهضاب تصبح وليمة شهية للانجراف ....حين يضيق صدرالنهر من النفايات ....والمجانين المتزايدة اعدادهم على الضفتين....يغضب...يحمر ...ويثور على الجنبات.... لافظا كل ما اثقل جوفه ....يدخل البيوت والحارات ....يكشف المستور.... ما تحاول الساكنة ستره من عراء ...من احلام مرتبة على الجدران المتاكلة ...وقد اعتنقت الانتظار راضية مرضية ...اذكر اني كنت اعبر المقبرة مرارا كي اصل في الوقت المناسب الى الثانوية ....اجد دائما اسفل السورشبان يرقدون بعد ليلة طويلة من مراوغة الرماد.... ومطاردة الغيوم الهاربة ...كانما يستعجلون الرحيل ....يقولون لعزرائيل نحن هنا ....الا ترانا .....نحن اقرب اليك من كل الضوضاء العارمة في الخارج .... اشرد كثيرا وانا انظر اليهم... محاولة اختراق صدورهم ....افكارهم ....ارواحهم المعذبة ....لاعرف ما يعتمر داخلها...كيف يطمئنون للنوم قرب الموتى ....يغنون في سهرات خيبة ....ويخشون العودة الى ضجيج الحياة .....اضمحل وتضمحل الرؤيا ولا يبقى سوى قدمي التي زلت في قبر منكوش.... من الرعب انتفض.... اجري بعيدا .....ورائحة الموت تشبع اوصالي ....من بعيد اسمع صوت الجرس يستحث الخطا نحو ابي القاسم الزياني ....المحيط الوحيد الذي يبعث بعض الحياة في الجنبات الباردة .....حتى هنا مازال كل شيء مبهما...غامضا....متزاحما في الجمجمة الصغيرة....دروس التاريخ التي تقول ان البرابرة ابناء مازيغ ....هم سكان المغرب الاصليون.....فيما واقع الحال يصرخ انهم سكان المغرب المنفيون فوق الجبال ....بين الفجاج... الرحل الذين يبحثون عن الكلء والماء.... كما الانسان البدائي يتطورون ببطء شديد ...على الملامح ابتسامة عريضة تابى الافول.... مهما اشتدت عواصف القهر.... وظفائر الطفولة مربوطة الى وتد في زاوية الحوش ...على الخدود حمرة وحشة ....وفي العيون قبضة تعاسة ...فمن يحرر الزمن من قيوده لتتحرك عجلة الوقت .....تحمل الواقفين في محطات الانتظار نحو ضفة تكون فيها الحياة ارحم ...والموت اجمل.....دروس الفلسفة ادخلتني دوامة جديدة..... اجلستني على قارعة المدينة الفاضلة ....وقالت للقسوة هيت لك ...فاية مرساة تساعدك على بلوغ مرفا افلاطون ....او ميناء الفرابي... واي زورق يبحر بك في محيطات المادية والبنوية والجدلية ....وحده ابن رشد كان رحيما بنا ....نحن تلامذة العصر القديم الحديث....وابن سينا يساعدنا على الخروج من مغارة كالحة بالغموض ....مغرية باللمعان ....كانما نخرج من الليل نحو الليل ....من الفجيعة نحو الدهشة ....ومن الموت نحو الابدية ....من عتمة التاريخ نحو وضاءة المساءات البريئة ....حول موقد صار اكثر حميمية من ملامح الاسرة المتعبة.....وابريق الشاي يناغي تنهداتنا المتتالية .... لنعيش البداية من جديدنكبر وتكبر الظلال ....يتمدد السراب ....وتتقلص الحقيقة... تتكاثر ضمائر الغائب من حولنا .........كما يتناسل المجانين على ضفة النهر ....وانا ازرع الحروف في اصص الخيبة شتلة شتلة.... ارويها دمع الوعد المكنون ...من بين المجانين صديقي عبد الخالق ....كم جلسنا معا على نفس الطاولة ....وكم ازعجني باسئلته الكثيرة ...هو اليوم صامت ....لا يعرفني ...وحده النهر المنساب يفهم نجواه ....في المرايا اشتعل ويشتعل اطفال مدينتي ....لنصير امتدادا لا حدود له ...لعطش مقيم ...بعدما جف الماء في ايدينا ....والارض لا تسمح باكثر من رقعة للنوم ....طريق مستقيم نحو المدرسة ....دفتر يحمل جدول الضرب والجمع والطرح ....وقراءة بوكماخ التي اخرجت الساكنة من الظلمات الى النور ....تعلمنا كما تقول امي دائما ....كيف نقرا العناوين ....نكتب الرسائل ...ونتذكر ارقام المنازل ....هذا ما كان يتسع له افق المعرفة ....لا حاجة لامي بافلاطون ....شيكيبارا ...ولا دخل لها بالحروب الاهلية ...القومية العربية.....الاحتلال الصهيوني ....ولا حتى حدود 67....وسهرات جامعة الدول العربية.. تتسع رقعة الحلم ...وتضيق شوارع الحمراء ...تعلو جبال الخيال ....وتنحني جباه الوقت ...ياخذ البندير صوت الريح ....فيما تظل الوترة تهز جبال الارز من ناصيتها كلما داهمها السبات....... مهما اصبحت الاغاني اكثر قتامة ....نلبس عباءة الرقص الحزين ....ونمشي جماعات في رحلة طويلة للانتظار... وزوابع الزمن تقرضنا....كانما خنيفرة جغرافيا لا تنتمي الى عالم الاحياء ....بقعة منفصلة تماما عن الحياة ....لا تعرف البهجة الا في عيد العرش ...حين تكتظ ساحة ازلو بالخيام.... ومجموعات احيدوس ترقص على جراحها ....فترى المدينة قد ركبت الاعصار بمحض رفضها... دون ان تفهم وجهته ....والشيخات يتمايلن على الخشبات ....في نواح مرير.....يشيعن بعض اجزائهن ....ويقدمن الباقي عربون محبة ....كي يستطعن الاستمرار...اذكر ان احد رجال المخزن ....حلق شعر احداهن عقابا لها على عدم الانصياع ....والخروج على الايقاع المالوف....كما اذكر ان بعض القبائل ما كانت تملك فراشا ولا اثاث خيمة وكان يتوجب عليها تدبير الامر باي طريقة ....المهم هو تلميع الواجهة.....حتى وان اكلت الجزذان دواخل الانسان....نفس القانون يسري على المدارس والثانويات ....حيث تامر المديرة ....-ماركريت تاتشر-نموذج....كل التلاميذ باحضار افرشة فاخرة واواني ثمينة تليق بالمناسبة......هنا تحمر خدود الفقر...تتلعثم الكلمات من الخجل ....ولا حول لضيق الحال سوى تدبير المحال....نكبر غبارا .....اعشابا برية ....تتكاثر من تلقاء نفسها ....لا علم للدوائر الرسمية بعددها....ولا حاجة لها بتعدادها.....هكذا شاءت الطبيعة وساطور الغاب المنتصب على جبهة المدينة ....زنقة البرادعية بكل ما فيها من تبن والوان مزركشة .....تفتح لي منطقة في متاهات الحلم ....بعيدا عن غضب الماء وسخط الحجر.... هنا يهدر الزمن الامال خشية املاق ...توفيرا لنعل تحمل الاجساد .....تقيها حر الصيف .....وبرد الشتاء......هنا يفقأ المخيط عين الحلم ...... ليتلمس الدرب بعصا سحرية تقيه قيظ الكفن ....انظر الى البردعة ...فاخالها فرسا جموحا ....ستاخذني بعيدا عن الخوف ...واوجاع الصمت المتزاحمة في المقل ....انتعل خيالي وامضي بين الدروب ....كانما ابحث عن شيء لا وجود له... لا اعرف حتى اللحظة عم كنت ومازلت ابحث ....في زنقة البرادعية مازال الزمان متوقفا ...ومازالت الساكنة تحترف الارتواء عن عطش ...لا فرق هنا بين الامس واليوم ...بين المرايا والنسخ ...كل شيء كما هو على حاله.... كما ضريح بوتزكاعت ....وجبل بوحياتي ....كما حمرية المتكيفة مع الجوع .....الممعنة في توزيع الرغيف ...على اسر المرضى الذين يفترشون الارض ...في انتظار مريض ....او استقبال جثة .... امام سينما الاطلس اقف ....على جدرانها افيشات فيلمين ...عربي و هندي ....تاريخ وجغرافيا كما يمزح ابناء الحفرة ....لم ادخلها يوما بالليل.... فقد كان ذلك من المحرمات في بيتنا المحافظ حد الاختناق... لكني دخلتها مرارا بالنهار ....استاذن امي الطيبة ..واهرب خفية قبل ان يلمحني احد اخوتي ....كنت اعشق شاشتها الكبيرة.... تمنحني متسعا للسفر ....وفسحة للتطاول على المكان والزمان....اعانق فيها المدى... فاعشق انهياري وخوفي ....اكون فيها النجمة ماجدة وهي تركب الطائرة مع حبيبها ....رغم كل الحظر الممارس من اهلها....واحيانا سعاد حسني المتشردة النشالة....وكثيرا ما رايتني جميلة بوحريد .....وانا امد الثوار بالسلاح والطعام....عند الخروج اتسلل كما اللصوص من الجنبات.... خوفا من ان تلتقي عيني باخي ....فاضيع ما حملت من زاد ....من ذخيرة تساعدني على قتل الفراغ والخوف ....وحوارات الشاي المملة ..اعود الى البيت وقد انشطرت نصفين .....نصف مستسلم للخوف ....متكيف مع الخضوع ....واخر متمرد على العادات ....وتقاليد الاجترار القاتل....بداخلي تشتعل ثورة عارمة ....ترفض كل القيود..... كل الامثال والحكم الجامدة ....صور الوجوه المحنطة على الجدار المقابل للسرير... يصبح كل شيء بداخلي جامحا ...فارحل في رقصة عارمة على موسيقى شرقية تهد اوصالي ...لاتمدد في انتهاء لذيذ ....يهيئني لنهار قادم ...لاحلام طفلة كالاماني العذاب ....ترسمها الكلمات ...تلونها الحروف ....ومن النقاط والفواصل ....تصنع زوارق تحملها الى وطن بعيد ...يستلذ شهقة الجنون ....وزفير التمرد