الحيوان الفطري

سعود سالم
2016 / 8 / 19

هذا الإنسان الطبيعي والإيجابي الذي تحدثنا عنه والذي يتقبل العالم كما هو عليه، ينقسم "ظاهريا " بدوره إلى نوعين من البشر : الذين يتقبلون العالم كما هو عليه " الآن " في العصر الذي يعيشون فيه باعتباره إستمرارا طبيعيا لحياتهم السابقة، وهناك الذين يتقبلون العالم كما كان في الماضي وبقوا سجناء لعصور سابقة باعتبارها الوجه الحقيقي للحاضر. ولذلك يعيشون الحاضر كما لو كان ماضيا والماضي كما لو كان هو الحاضر، فيستجلبون الرموز والأساطير ويختلقون ماضيا متخيلا إبتداء من حاضرهم الذي يعيشونه كماض. وهذا النوع من البشر لا ينحصر في شريحة معينة من المجتمع، بل هناك أنواع عديدة من النوستالجيين للماضي البعيد أو القريب ويحاولون أقلمة حياتهم الحاضرة لتتوازى مع الماضي الذي يحنون ويشتاقون إليه. وهذا الحنين يتخذ بطبيعة الحال صورا مختلفة قد تتعلق بماضي الإنسانية عموما وقد تتعلق بشعب ما أو بمجموعة بشرية تحن إلى فترة معينة من ماضيها الإجتماعي أو السياسي.
وهذا الحنين لفترة ذهبية للإنسان الذي كان مندمجا في الطبيعة ومتوافقا معها في إنسجام وتناغم ليس جديدا، بل يعود إلى عصور قديمة ويمكن تتبعه في الإرهاصات الأولى للمدنية والحضارة الإنسانية. وهذه الظاهرة نجدها مثلا في ملحمة جلجامش السومرية حيث تدور هذه المعركة الأولية بين جلجامش، الملك المتحضر باني المدن ومشيد الأسوار العظيمة، ملك أوروك الظالم المغرور وبين إنكيدو الإنسان الطبيعي المتوحش الذي يأكل النباتات ويعيش مع الحيوانات والوحوش ويلبس جلودها والذي لا يعرف الخبز ولا النبيذ ولا ترف الحياة ولذاتها الحسية. غير أن إنكيدو سرعان ما يكتشف جسده وذاتيته وإرادته كإنسان بمساعدة العنصر " الأنثوي " الشابة الجميلة التي بعثها له جلجامش لإغراءه وجذبه نحو الحياة المدنية وترفها. ويتأقلم إنكيدو مع المدنية الجديدة ويصبح صديقا لجلجامش، بعد معركة شرسة بينهما ويعيش معه في قصره لابسا ملابسه الحريرية الفاخرة ومتمتعا بملذات القصور. وبعد موت انكيدو السريع يشعر جلجامش بالحزن والوحدة والخوف من الموت، فينقلب بدوره، ويترك ملابسه الحريرية المعطرة ويلبس جلود الحيوانات ويترك قصره ومملكته ويهيم في البراري باحثا عن نبتة الخلود التي تبعد عنه مصير صديقه إنكيدو. فمنذ العصور الأولية للبشرية لاحظ الإنسان هذا التعارض القائم بين الحياة الطبيعية وبين الحياة المصطنعة أو المبتدعة من قبل البشر، ووجد على الدوام هؤلاء الذين يحنون إلى هذه الحياة الأولية الأصيلة والعيش مثل الغزلان يقفزون مرحا في البراري والهضاب يأكلون العشب الطري ويشربون من ماء الأنهار وينامون تحت سقف السماء المرصعة بالنجوم.
إن أبرز تجل لهذا النوع من البشر في أوربا الحاضرة يتمثل في تيارات متعددة من البيئيين الذين يقدسون الطبيعة ويرغبون في العودة بالإنسان إلى حالته الحيوانية الأولى‪ مثل الحركة التي أسسها السويسري غي كلود برغر Guy-Claude Burger عام 1964 والمسماة instinctotherapy أو مبدأ « anopsologie » والتي تعني نظرية الغداء الخام أو غير المعد والغير محول. حيث تدعي هذه الحركة أن النظام الغذائي الحالي غير مناسب للجسد الإنساني وذلك لأن التكيف الوراثي غير مكتمل ولم يصاحب التغير السريع في طريقة الأكل وتجهيز الطعام، ولذلك يدعو العودة إلى إستعمال الغريزة لإختيار ما نأكله من أغذية طبيعية كما هي " نيئة " وبدون أي إعداد إو تغيير في طبيعتها حتى لا نفسد الخصائص الأصلية للمواد مثل الرائحة والطعم والملمس ـ الكثافة واللزوجة ـ وترك غريزة الأكل تنظم بشكل عفوي التوازن الغذائي لضمان حسن عملية التمثيل للمواد المختلفة وتحويلها إلى طاقة يستعملها الجسد لمواصلة الحركة والحياة. ولذلك فإن المؤمنين بهذه الديانة الجديدة لا يطبخون ما يأكلونه، بل يضعون كل الأكل الخام والطبيعي، من خضروات وفواكه وبقول ولحوم وأسماك أمامهم ويبدأون بتشمم هذه المواد الغذائية وتحسسها لإختيار بطريقة غريزية ما يحتاجه الإنسان في هذه اللحظة. وهناك أيضا عدة تيارات من النباتيين الذين يعتقدون بأن أكل اللحم والمنتجات الحيوانية عموما كاللبن والبيض ليس من الطبيعة البشرية، ويبعد الإنسان عن أصوله البيولوجية، وإن كان البعض منهم يمتنعون عن أكل اللحوم لأسباب أخلاقية ـ كالرأفة بالحيوان والمساواة بين الأحياء لإيمانهم بعدم وجود تراتب قيمي بين الإنسان والحيوان، ولذلك لا وجود لأي مبرر لإستغلال الحيوان وتعذيبه وقتله لمجرد الأكل ـ وهناك من يمتنع عن أكل اللحوم لأسباب سياسية، كالنضال ضد الشركات والمؤسسات الإحتكارية الكبيرة التي تنتج البقر والدجاج وبقية اللحوم في مصانع ضخمة وتعطي للمستهلك لحما هرمونيا وكيماويا مميتا ومضرا للصحة.
الحنين إلى الماضي لا يخص فقط ما يتعلق بالطبيعة والإنسان وحياته في مواجهة التغييرات التكنولوجية والإجتماعية. الحنين إلى الماضي يمكن ملاحظته في أغلب مجالات النشاط الإنساني كالأدب والشعر والموسيقى وكذلك إجتماعيا و سياسيا فيما يخص الحنين إلى عصر ذهبي قديم تاريخيا لشعب من الشعوب. كالحنين إلى الأندلس عند العرب أو الأمبراطورية الرومانية عند الإيطاليين أو الأمبراطورية الفارسية عند الإيرانيين إلخ.
لا شك أن للماضي قوة سحرية على نفسية الإنسان الذي يقدس الحاضر والعالم كما هو. وإذا كان الدين هو إفيون الشعوب، كما يقول الشيخ كارل، حيث تستلقي الشعوب المدمنة في ظل نخلة وتنتظر أن تتحقق إرادة الله، فإن الماضي هو كوكايين الشعوب تجعلها تفقد علاقتها بالواقع وتجعلها تشعر بقوة وسعادة وهمية وبأنها مكلفة بمهمة تاريخية لإنقاذ البشرية من المستقبل وإعادتها إلى هذا الماضي التليد والأكيد.‫ لا شك أن الحركات الإسلامية المتعددة، سلفية وجهادية‬ وتكفيرية‫ - تدخل ضمن هذا النوع من الحركات المسطولة والمدمنة على استنشاق كوكايين الماضي ا‬لصافي‫ وا‬لذي وصل إلى أقصى ما يمكن أن يصل إليه في‫ قيام الدولة الإسلامية " داعش " بزعامة الخليفة أبوبكر البغدادي‫. الأمل في العودة إلى عصر الخلفاء وبناء إمبراطورية جديدة‬ على نفس النموذج‫ بنفس الطريقة التي استعمر فيها هؤلاء الخلفاء آسيا وأفريقيا بجنود من المرتزقة، وسرقوا خيراتها ‬وسبوا النساء والرجال والأطفال. وهم يريدون إعادة بناء هذه الخلافة ليس فقط على أرض الشام والعراق ‫حيث نبتت هذه الدولة،‬ بل على ما يعرف بديار الإسلام الممتدة من سور الصين إلى جبال البيرنيه في أوروبا وما بينهما، ولذلك فإن مقاتلي الدولة الإسلامية لا يقتصرون على أراضيها الحالية، بل هم يقاتلون في عدد من الساحات، من الجزائر وتونس وليبيا ومصرشرقا إلى الجزيرة العربية غربا ومن تركيا شمالا إلى اليمن جنوبا، ومن المحتمل ان تتوسع ساحات القتال لتضم مناطق أخرى من أفريقيا وآسيا وأوروبا‫ و‫العالم بأسره. ‬إن منظري وقادة ودعاة الدولة الإسلامية، ‫هدفهم هو‬ إحياء الخلافة الإسلامية كما كانت عليه منذ أربعة عشرة قرنا، وهذا لا يعني أنهم في تناقض أو في مواجهة لكل ما أفرزته الحضار‫ات‬ الإنسانية‫ المتعاقبة، ‬وكل ما أفرزه تطور البشرية ‫من معرفة وعلوم‬ كما يعتقد البعض، بل أنهم يستعملون كل منتجات الحضارة الصناعية والرأسمالية التجارية لأغراضهم العسكرية والإقتصادية والدعائية، من أسلحة متطورة إلى وسائل الإعلام المعاصرة من أفلام وأنترنت ووسائل ما يسمى بالتواصل الإجتماعي . المشكلة ‫بطبيعة الحال لا تكمن في أن مجموعة من المسطولين يريدون الحياة كما عاش محمد وعمر ‬أو‬ زيد‬ وبلال منذ قرون مضت‫، فهذا من حقهم، وإنما المشكلة إنهم يريدون جر البشرية بأسرها لهذا الماضي المزري، و‬ليس فقط بقوة السيوف والخناجر والسواطير كما يمكن أن يتخيل البعض هذه الخفافيش، وإنما بقوة الدبابات والأسلحة المتطورة والأموال الطائلة.
إن الذي نريد تأكيده هنا مرة أخرى هو أن هذه التيارات السياسية المتعددة والمتباينة والمتقاتلة فيما بينها والتي تتخذ الإسلام مرجعا لها، هي تيارات سياسية لا يمكن بأي حال من الأحوال نعتها بـ " العدمية " لأنها تيارات ذات مشروع ورؤية اجتماعية وسياسية ودينية تريد تحقيقها بقوة المال والسلاح. والذي ينفي عن هذه الحركات كلها صفة العدمية هو أن مشروعها ليس مشروعا جديدا أو مبتدعا، بل هو مشروع كائن لمجتمع " كان "‫ ‬في الماضي البعيد، إنهم فقط يعيدون الشريط إلى الوراء لإعادة مشاهدة التمثيلية القديمة. إنهم لا يرغبون في تغيير العالم بل إعادته مرة أخرى كما هو منذ البداية.