ماذا بعد انهيار مفاوضات السلام السودانية في أديس أبابا؟؟

تيسير حسن ادريس
2016 / 8 / 17

المبتدأ:
(قد يكون من السهل جدا صنع تاريخ العالم لو كان النضال لا يقوم إلا ضمن ظروف تؤدي إلى النجاح) كارل ماركس.

والخبر:
(1)
السؤال أعلاه معنية بالإجابة عليه قوى نداء السودان التي تداعت مسرعة الخطى نحو "الزهرة الجديد" عاصمة إثيوبيا دون أدنى التفاتة لتحفظات قوى معارضة أخرى حليفة رأت أن عدم إيفاء النظام بشروط الحوار يعني عدم جديته كما يعني فشله المحتوم بحكم التجربة وإن تجريب المجرب عملا لا يليق بقوى سياسية وزعامات لها تاريخها كان المأمول أن تكون قد علمتها التجارب خطل التداعي لمثل هذا التفاوض ما لم يسبقه تنفيذ دقيقا للشروط الضامنة لنجاحه وهو الشيء الذي ظل النظام دوما يرفضه ويصر على عقد جولات حوار دائري مفرغ لا تفضي إلى شيء سوى كسبه للمزيد من الوقت متربعا على سدة السلطة تاركا معارضيه المحاورين الآملين خيرا فيه دوما على قارعة الندم يجنون الهوان ويلعقون العلقم ويواجهون تراكم إحباطات ومعاناة أهل المناطق المنكوبة بينما تعود الحرب ذات نفسها بعد كل تفاوض فاشل بصورة أكثر توحشا وشراسة فالنظام القاصد لإفشال التفاوض سيدعي كما هي العادة بأن المعارضة المسلحة هي من أفشلته ويستغل أجواء الإحباط ليوسع من نطاق حربه على قرى ونجوع أهلنا البسطاء فيحرق ويدمر ويحصد المزيد من الأرواح البريئة ويزيد من معاناة الأحياء ويتركهم في العراء بلا غذاء ولا دواء.

(2)
وعلى الرغم من أن رعاة الغنم في بوادي السودان قد علموا وفهموا الطريقة الماكرة التي يدير بها النظام الحاكم جولات التفاوض حول قضايا الحرب وكافة قضايا الوطن المصيرية إلا أن بعض القوى السياسية لا زالت تصر على مراكمة إخفاقاتها وزيادة خيباتها حتى غدت مسخرة العامة. فعقلية كسب الوقت وتفتيت الصف المعارض التي احترفها النظام لم تعد تخفى على أحد إلا على بعض الزعامات والقوى التي تدعي احترافها السياسة وتبرر تهافتها بحرصها على إيقاف الحرب الدائرة ولكن حتى هذا التبرير قد فقد مصداقيته وكشف حقيقة تهافت تلك القوى التي سمحت بإفراغ قرار مجلس السلم والأمن الإفريقي رقم (543) من مضمونه وتحريف بنوده في خارطة الطريق حين صمتت عن التلاعب بأهم بنود القرار وهو بند "إجراءات بناء الثقة قبل انعقاد الاجتماع التحضيري" حيث إن منطوق هذا البند يوضح بجلاء أهمية ومهمة الاجتماع التحضيري المتمثلة في: "التأكد من أن إجراءات بناء الثقة الضرورية قد اتخذت واكتملت قبل الدخول مرة أخرى في أي جولات حوار جديدة"

(3)
لقد وغر في صدر سماسرة النظام الإسلاموي أن أي خطوة تقارب تتخذها قوى المعارضة لحلحلت الأزمة الوطنية دون إرغامهم على دفع استحقاقاتها إنما هي خطوة طامعة هدفها فقط اقتسام السلطة وتقليص حجم الكعكة التي ما سئموا يمضغونها منذ ربع قرن دون أن تشبع نهمهم لذا فهم ينظرون لمثل هذه الخطوة بعين الشك وتظل من وجهة نظرهم مجرد مساومة رخيصة إن سمحوا بعقدها فلا يجب أن تتعدى تكلفتها بضع كراس رديفة على سرج بغل سلطتهم العرجاء ومن لم يفهم من قوى المعارضة حتى اليوم جوهر سيكولوجية سماسرة هذا النظام عليه أن يراجع مقدراته العقلية ويعيد النظر كرتين في مجمل مواقفه السياسية فالنظام نفسه ومن كثرة استخدامه لهذا التكنيك الفاجر بات على قناعة بأنه لعبة مكشوفة وإن كان لا تزال هناك قوى سياسية تصر على حواره بعد كل الذي فعله فهي لاشك قوى غير مبدئية وتبحث عن مصالحها الذاتية وليس لها علاقة بمصالح الجماهير وعليه في هذه الحالة التلاعب بها وقطع أنفاسها بلعبة القط والفأر وبريق العشم الكاذب حتى يسهل شراؤها في نهاية اللعبة بثمن بخس لا يعدو بضع كراس عجاف تزين قبح سلطته المتهالكة.

(4)
وللنظام الحق في أن يتبع مثل هذا النهج البهلواني غير المحترم مع قوى المعارضة المهرولة خلفه كما من حقه أن يشك في نواياها ما دام أنها تقدم له في كل منعطف حاد من منعطفات ضعفه طوق النجاة بالمجاني وتتنازل ببساطة عن شروط عقد تفاوض منتج فالنظام يعلم أنه ما من قوى سياسية تحترم نفسها وشعبها وتبحث بصدق عن حل جذري للمشكل الوطني يمكن أن تتخلى طواعية عن شروط تهيئة المناخ لحوار سياسي كالتي منحها لها قرار مجلس السلم والأمن الإفريقي رقم (543) المتمثلة في الإفراج عن المعتقلين والسجناء السياسيين؛ وتنفيذ الخطوات اللازمة لضمان الحريات السياسية وضمان حرية التعبير والنشر، وضمان أن يكون القضاء المؤسسة الوحيدة للفصل في المسائل المتعلقة بممارسة حرية التعبير، إن التنازل المجاني عن كل إجراءات بناء الثقة هذه مثيرة بالفعل للريبة ودافع قوي يدفع النظام لمزيد من التعنت لكسب المزيد التنازلات التي توفر له المزيد من الوقت لمواصلة فصول سفهه المتواصل دون رادع منذ أكثر من ربع قرن.

(5)
وإذا ما أحسن المرء الظن في القوى المهرولة لمحاورة النظام وبراها من الغرض فهذا لا يمنع من أن نزيدها من الشعر بيت فالسياسة لا تحكمها النوايا الحسنة والذين كانوا يعولون على نجاح مفاوضات أديس أبابا، المجتزأة من سياق الحل الشامل كمخرج من أزمات الوطن يعانون من رمد سياسي فمجرد اتفاق لوقف العدائيات بين النظام والميليشيات المعارضة له لن يكون كافيا لوقف الحرب وإحلال السلام وفي درس جنوب السودان والخطوات التي سبقت انفصاله موعظة (لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد) ولكي نكون أكثر وضوحا في هذه النقطة بالذات وفي زمن الغباش المبدئي نقول: إن أي قوى معارضة مهما كان حجمها ستستهدف حوار النظام بغرض التمكين لنفسها أو بحث عن مصالح في غياب المواطن صاحب الوجعة لن يكتب لها النجاح ولن تنال احترام أحد فما أتفه أن لا تعي نخبنا المعارضة هذه الحقيقة وما أرعن ألا ترى أبعد من أرنبة أنفها.

(6)
ليس هناك صاحب ضمير حي يحتفي بالحرب؛ الحرب يا سادتي خيار؛ من سدت في وجه الخيارات؛ ومتى ما اتخذ خيار الحرب؛ يجب أن يكون معلوما؛ أن تكلفتها؛ والتي في الغالب يدفعها المواطن البسيط باهظة؛ لذا فقرار إيقافها؛ بعد الدمار الذي تحدثه؛ يجب أن يكون له أثمان؛ توازي على الأقل عذاباتها؛ التي اصطلى بنارها ذاك المواطن التعيس؛ والمهرولون اليوم خلف نظام الحرب والترويع الثيوقراطي المعادي للحريات وكافة حقوق الإنسان بذريعة إيقاف الحروب يتجاهلون في غمرة تباريهم أن طبيعة الكارثة في مناطق الحرب الثلاثة (دار فور / جنوب كردفان والنيل الأزرق) ما هي إلا تعبير عن الأزمة الوطنية الشاملة بكل أبعادها ولن يتم إيقاف هذه الحرب الملعونة وتجاوز مراراتها إلا في إطار حل شامل لكافة القضايا العالقة وعلى رأسها المسألة القومية عبر الاعتراف بالتعددية الاثنية والثقافية والدينية والحقوق المتساوية لكل مواطني البلاد والاهتمام بحل قضية التنمية غير المتوازنة وقضايا الحكم الديمقراطي على المستويين المركزي والإقليمي مما يوفر للمواطن مشاركة فعالة وحقيقية في اتخاذ القرار وحكم الوطن ويزيل الغبن الاجتماعي والتهميش.

(7)
وعندها لن يكون إيقاف الحرب بحاجة للهرولة بين العواصم بل لإرادة سياسية وقرار حكيم من سلطة رشيدة؛ وفتح الممرات الآمنة لنقل الغذاء والدواء والمساعدات الإنسانية لمتضرري الحروب التي يبتز بها النظام قوى المعارضة بغرض إخضاعها هي في الأساس حقوق تكفلها القوانين الدولية وكافة الشرائع الإنسانية ولا تصلح لتكون ذريعة للتهافت وخطب ود النظام بينما يتم تجاهل وضع أسس صحيحة لسلام دائم وعادل يمنع إعادة إنتاج الحرب ويعاقب كل من ارتكب جرما ولا يسمح بنجاته من العقاب ثمنا لإيقافها فقد أثبتت التجارب حتى اليوم فشل المساومات والحلول الجزئية في إيقاف الحرب والاتفاقيات العديدة التي أبرمت مع بعض الحركات المسلحة لم تؤد لحل شامل ولا سلام دائم ولا يستثنى من هذا الفشل حتى الاتفاقيات التي وجدت دعما دولي وإقليمي مثل اتفاقية (الدوحة والشرق)؛ فالطريق القويم نحو السلام الدائم والعادل في السودان لابد له أن يمر عبر منفذ تفكيك النظام الذي تفنن في خلق الأزمات ونشر الفتن أو إسقاطه وتأسيس نظام مدني ديمقراطي بديل.

** الديمقراطية قادمة وراشدة لا محال ولو كره المنافقون.

تيسير حسن إدريس 17/08/2016م