ثلاثة مشاهد في رحلة إلى البحر

ربحان رمضان
2016 / 8 / 16

المشهد الأول
بعد معاة سفر طويلة وصلوا إلى كراج الحافلات ولأن زوجته كانت قد حجزت مسبقا امكنة لثلاثتهم : " له ولها ولأبنهما الصغير" فقط احتلوا الصف الأول من ركاب الحافلة ، ومن شدة فرحها بالمكان سارعت الزوجة بالجلوس مع طفلهما الصغير في حين أن الزوج بقي وحيدا في مقعد مجاور آخر .
لكن ما ان مضت فترة قصيرة حتى صعدت امرأة شابة الحافلة وجلست بجانب الزوج .
السيدة كانت ممشوقة القوام ، ذات لون برونزي نتيجة تعرض بشرتها لأشعة شمس البحر..
لها رائحة مميزة شدت الرجل اليها مما أثار حفيظة زوجته التي لم يكن بامكاننها فتح فمها خاصة وانها اختارت طفلها بدلا عن زوجها الذي حاول وبكل امكانياته ان لا يلمس جسمه جسم جارته رغم ان جارته كانت تتحرك حركات مريبة لشده اليها .
تظاهر بالنوم ، تثاءب ، لفت رأسه نحو زوجته وطفلهما في محاولة منه أن لا تحاسبه زوجته و تمنعه من رومانسية العلاقة بآخر الليل خاصة وانهما مسافران في رحلة سياحية .
لما أفاق كانت الحافلة قد وصلت المدينة قبل الأخيرة ألقى نظرة على جارته فوجدها غارقة في نوم عميق ... أراد ان ينبهها على وصول الحافلة الى ماقبل المدينة الكبرى .. ايقظها وقال لها عفوا سيدتي .. ربما تريدي ان تنزلي في هذه المدينة !!
شكرته جارته وابتسمت ..
انتبهت زوجته فاغتاظت ومما زاد بالطين بلة أن جارته استرسلت في الأسئلة مما دفع زوجته للتدخل أخيرا ً والقول :
" ماشاء الله ، زوجي صار " navigation" أي : دليلا الكترونيا يستطيع ايصال الناس إلى بيوتهم .. !!!
المشهد الثاني
في اليوم التالي صحى باكرا ليرى الشمس تخرج من البحر ، كان منظر البحر جميل جدا يعلوه زبد وتتقاذف امواجه طيور النورس باحثة على اسماك وحشرات دفعها الموج إلى الشاطئ .
أمام البحر فتاة ترفع ايديها إلى السماء كأنها تصلي وعلى يسارها صياد سمك رمى صنارته منتظرا أن يرزقه الله سمكة .
التفت خلفه فرأى مجموعة من الناس يترقبــوا معه ظهور الشـــمس الطالعة من البحر .
في المساء جلس مع أم عياله في الشرفة ينظران الشارع وبه سيدات وسادة وأطفال وكلاب ، ودراجات هوائية ، وبائعي بيرة ومرطبات .
في زاوية الكنيسة التي تقابلهما تقف فتيات مع أصدقاءهن يأخذن صورا تذكارية بجانب نخلة منبثقة من رحم الأرض لتعانق السماء ، وبنات أخريات يلتقطن لأنفسهن صور بواسطة هواتفهن اليدوية ...
هذا المنظر ذكره برواية المعطف للكاتب الروسي غوغول الذي كتب عن صبايا موسكو بأنهن ينظرن إلى جمالهن في مرايا فترينات المحلات التجارية ، الفرق بين الصورتين أكثر من مئة سنة .
هنا يتعرّين ، ويزيحـّن فتحة الصدر إلى الأسفل قليلا لترسلن صورهن لأحبابهن وعشاقهن ..
المشهد الثالث والأخير
في صباح اليوم الثالث خرجا باكرا إلى فرن قريب من المسكن الذي استأجروه وفي طريق عودتهما بالقرب من الشاطئ قال لها تعالي نرتاح قليلا لنرى البحر من هنا ياحبيبتي ، قالت : ما أحلى كلامك ياحبي ، أكاد اطير من الفرح ..
وما أن جلسا يتغازلان على مرأى البحر العظيم حتى جاء رجل مسن وجلس مقابلهما .
توقفا عن الكلام وراحا ينظران إلى الأفق حيث السماء تلتصق بالبحر تماما ..
بادرهما الشيخ بالسلام ، فردا عليه سلاما ..
سألته الزوجة وهل تقيم هنا ياجدّي ؟
أجابها نعم ، لكني كنت بحارا ً لأكثر من نصف قرن ، لم يفلت مني ميناء إلا زرته وأرسيت به شراعي ..
امريكا .. امريكا هه هه فيها تمثال الحرية هه هه كذبة كبيرة لم أصدقها حتى شاهدتها بأم عيني .. الشيخ يقول ذلك ويتابع : لما نزلنا شاطئها أحاطتنا فرقة من الشرطة منعونا من التجول إلا في منطقة صغيرة عينوها لنا وقالوا لنا يمنع عليكم تجاوز هذه الحدود .
زرتها ثلاث مرات ، وزرت اليابان ، والصين والعراق وافغانستان .. واليونان ..
كان اليونانيون يعتقدوا بأننا اغريق مثلهم لمعرفتنا اللغة اليونانية ، حتى أني " والكلام للشيخ" كنت أرقص وأغني أغاني كثير من الشعوب التي زرت بلادها .
سأله الزوج وهل زرت كردستان ؟
أجاب الشيخ طبعا ، الكرد شعب مقاتل ، جبار .
أنا كردي .. نطقها الزوج بفرح ، رد عليه الشيخ زرت ديار بكر عدة مرات .. لما كنا نصل ديار بكر نرى الأرض فارغة تماما ، لايوجد عليها أحد ، وفجأة نرى الكرد قد حضروا ..
ترى الدنيا قد انقلبت ، وسرت الحياة ..
هم الكرد .. رجال أشداء ..
سألته الزوجة : وأي بلد نالت اعجابك ياجدي ؟
قال باعتزاز والابتسامة تعلو شفتيه " رأيت مشـــــارق الأرض ومغاربها .. كلها جميلة .. كلها تركع عند شواطء البحار ، إلا بلدي ، لم تركع .. بلدي بلد مسالم لم تجري فيه حروب عنصرية ، ولا مذهبية ..
بلدي التي اخترت أن أعود إليها وأبقى .. هي الأجمل ، من كل جنان الأرض وكل مدن التاريخ ..
هي الحنين والأمل التي فتحت لي ذراعيها ولم تزل . ..
في نهاية الحديث ودعاه على أمل اللقاء ثانية .. بعد ايام قليلة عادا ، وأصرّا على المرور على مكان تواجده ليودعاه إن التقيا به ..
لكن الرجل لم يكن في المكان .