-دراسات صحراوية- Estudios saharianos عرض وتحليل

رشيد نجيب
2016 / 8 / 16

صدرت مؤخرا عن مركز الدراسات الصحراوية الترجمة العربية لكتاب ألفه الباحث الأنتروبولوجي الإسباني خوليو كارو باروخا وهي من إنجاز الأستاذ الباحث أحمد صابر. تقع هذه الترجمة في حوالي 400 صفحة من الحجم الكبير، وتتضمن تقديما للسيد رحال بوبريك بصفته مدير مركز الدراسات الصحراوية، وكلمة للمترجم السيد أحمد صابر ثم مقدمة للكاتب نفسه الأنتروبولوجي الإسباني خوليو كارو باروخا. لتتوالى بعد الفصول البحثية المتنوعة للكتاب ثم مجموعة من الملاحق. تعتبر هذه المساهمة مجرد قراءة تقديمية متواضعة لهذا العمل الضخم، وليست البتة بديلا عن قراءة هذا الكتاب الهام. إنه كتاب يطرح أمام قارئه تحديين اثنين على الأقل في منظورنا: استكشاف الزخم الهام والحافل من المعطيات الثقافية المفتقدة التي يحتويها، ثم الوقوف عند خبرة وطنية في مجال ترجمة الأعمال الأكاديمية.
إذ إلى جانب نص أكاديمي أصيل غير مسبوق من حيث نوعيته يقربنا من الكثير من الأشياء التي نكاد نجهلها عن تاريخ وثقافة أقاليمنا الجنوبية المغربية، هناك بالموازاة ترجمة مهنية أكاديمية لولاها لما تمكن غير القارئ بالإسبانية من الاطلاع على المضمون الغني والثري لهذا الكتاب.
1) عن المؤلف: خوليو كارو باروخا
يعتبر خوليو كارو باروخا (1914-1995) باحثا إسبانيا متخصصا في التاريخ القديم بجامعة مدريد وينحدر من عائلة بورجوازية إسبانية مشهورة إذ كان والده صاحب دار نشر فيما كانت والدته رسامة، وهو حاصل على شهادة الدكتوراه في موضوع:"العبادات والطقوس القديمة بالفلكلور الإسباني"، أدار لفترة غير وجيزة متحف الشعب الإسباني. نذكر من بين كتاباته: شعوب إسبانيا، الكرنفال، الأشكال المركبة للحياة الدينية، الأنتروبولوجيا الثقافية بإسبانيا، الحياة السحرية ومحاكم التفتيش.
2) عن المترجم: أحمد صابر
يعتبر الأستاذ أحمد صابر غنيا عن التعريف، فهو الأستاذ الباحث بكلية الآداب والعلوم الإنسانية المتخصص بالأساس في الدراسات اللغوية الإسبانية والمنفتح على علوم ومعارف إنسانية عدة أعطى فيها الشيء الكثير: اللسانيات، التراث، الترجمة، الطوبونيميا، الثقافة الأمازيغية، التاريخ...هذه الكلية التي أدار عمادتها لفترتين انتدابيتين متواليتين.
وينحدر الدكتور أحمد صابر من منطقة إفران الأطلس الصغير بالجنوب المغربي، حصل على دكتوراه الدولة بجامعة محمد الخامس بالرباط سنة 1989 . وقد وشح سنة 2011 من طرف جلالة الملك محمد السادس بوسام العرش من درجة فارس.
شارك الأستاذ أحمد صابر ولا يزال يشارك في العديد من الملتقيات العلمية والفكرية والثقافية سواء داخل المغرب أو خارجه. وأطر العديد من الأبحاث إن على مستوى الإجازة أو الماستر أو الدكتوراه.
أدار الأستاذ أحمد صابر باقتدار مجلة "دراسات" الصادرة عن كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة ابن زهر بأكادير ورأس تحرير المجلة العلمية والأكاديمية المحكمة "قراءات"، ويرأس حاليا المنتدى الوطني للتوجيه التربوي كمبادرة تروم خدمة المنظومة التربوية المغربية في شق هو من الأهمية بمكان هو التوجيه التربوي بكل تعقيداته ومشكلاته وخصوصياته...
خلال مشواره العلمي، أصدر الأستاذ أحمد صابر العديد من الإصدارات العلمية والأكاديمية النوعية من قبيل:
المعجم الإسباني-الأمازيغي، رحلة سفارتين إسبانيتين إلى مراكش (ترجمة)، تحليق في سماء المغرب (ترجمة)، تاريخ سانتاكروز أكادير (ترجمة)، جزر كناريا وشمال إفريقيا: متوازيات لغوية وثقافية، ذاكرة المغرب: سنوات الخمسينيات بالصور إضافة إلى العديد من المقالات العلمية المنشورة في المجلات المتخصصة وكذا المساهمات العلمية إن في شكل محاضرات أو عروض علمية.
3) عن العمل المترجم:
لابد منذ البداية من التوقف عند السياق العام الذي تم فيه إنتاج وإصدار هذا العمل الضخم "دراسات صحراوية" الصادر لأول مرة في سنة 1955. إنه يندرج ضمن الدراسات الميدانية التي طلب إنجازها المدير العام للمغرب والمستعمرات وذلك رغبة من إسبانيا في معرفة عميقة بساكنة ومنطقة الصحراء التي تستعمرها، وقد استغرق هذا العمل الميداني خمسة أشهر (نونبر 1952 إلى فبراير 1953). هذا الكتاب هو من الأهمية بمكان ذلك أنه صدر لحدود الآن في ثلاث طبعات(1955، 1990، 2008) ولم يتم لحدود الآن ترجمته إلى أية لغة، هكذا تعتبر الترجمة التي قام بها الأستاذ أحمد صابر أول ترجمة تنجز له. منذ البدء، يمكن ملاحظة كون الطبعات الثلاث الصادرة من هذا الكتاب تعتبر مؤشرا هاما حول أهميته كدراسة أنتروبولوجية منجزة حول مجتمع الصحراء.
صحيح أننا أمام عمل أنتروبولوجي متكامل، لكن بالمقابل لابد من الإشارة إلى مكانة الأنتروبولوجيا كعلم في إسبانيا إبان الفترة التي سبقت تأليف هذا الكتاب. فالمؤلف خوليو كارو باروخا معروف عنه اهتمامه المبكر بجمع الأعمال المتعلقة بالتقاليد والفلكلور، هكذا فقد أنجز مؤلفه هذا بشكل عصامي دون أن يتوفر له تكوين أكاديمي عميق في مجال الأنتروبولوجيا بحكم وضعية الحصار التي عاشها هذا المجال المعرفي إبان فترة حكم الجنرال فرانسيسكو فرانكو. خلال هذه الفترة لم تتوفر بالجامعات والمعاهد العليا الإسبانية كراسي علمية خاصة بالسيوسيولوجيا والأنتروبولوجيا إبان حكم الجنرال فرانكو اللهم بعض دراسات وأبحاث الفلكلور والثقافة الشعبية التي عانت بدورها من معاناة الحصار لسبب معروف: تركيزها على إقليمين عرفت عنهما دعوتهما إلى الانفصال والاستقلال عن إسبانيا وهما: إقليمي الباسك وكاطالانيا. ، وتطلب الأمر إذن الانتظار إلى غاية 1965 لتشهد الجامعة الإسبانية أول درس جامعي في مجال الأنترولوجيا. لكن المؤلف لم يقف مكتوف الأيدي لا بل فقد عمق تكوينه الأنتروبولوجي مستفيدا من إفادات عدد من الباحثين الأنتروبولوجيين سواء الباسكيين أو الإنجليز.
ويعتبر كتاب "دراسات صحراوية" أول دراسة ذات طابع اثنوغرافي في منطقة النفوذ الإسباني بالصحراء، وهو من الدراسات الأنتروبولوجية والإثنوغرافية المنجزة بعد سنة 1934 أي إبان الفترة التي برز فيها الاهتمام الفعلي بالدراسات حول الصحراء من طرف إسبانيا: تم إحداث معهد الدراسات الإفريقية، تأسيس مجلة أفريقيا، فضلا عن صدور عدد من الدراسات العلمية. إن الكتاب بالفعل دراسة شاملة بالنظر لغناه وغزارة المعطيات المتضمنة به خاصة إذا علمنا واستحضرنا كون جميع الدراسات السابقة كانت في الغالب إما دراسات مونوغرافية قبلية (بول مارتي، دولاشابيل) أو تقارير لبعثات عسكرية (بونيلي).
وللإفادة، لابد من الإشارة إلى زخم كبير من المنشورات التي حاولت استكشاف الصحراء سواء على المستوى الفرنسي أو الإسباني، ولا بأس من التوقف قليلا عند نماذج من هذه الدراسات وتقارير البعثات العلمية والعسكرية التي أنجزت والتي أبرزها الباحث خوليو باروخا نفسه: كاتيل (1865) " أسفار عبر المغرب، سوس واد نون وتكنة" بونيلي (1885) "عدة خرائط"، ثيربيرا (1889) "مذكرات بعثة"...
"درسنا مشاكل ولم ندرس شعوبا" مقولة وردت بهذا الكتاب في أكثر من موضع، وذلك تأكيدا من المؤلف بكون هذه الدراسة حتى وإن كانت تضمنت وصفا دقيقا لمظاهر الحياة لبدو الصحراء الأطلنتية أو لنقل بشكل أكثر عمومية لنمط عيش وحياة ألا وهو نمط الترحال في فترة زمنية معينة وفي مجال مكاني معين، فإن منجزها يعتبرها أولية غير نهائية رغم تضمنها للعديد من المحاور البحثية الأساسية المتعلقة بظاهرة الترحال في الجنوب المغربي: النظام الاجتماعي التقليدي في الصحراء، (أسماء القرابة، معنى الانتساب إلى الأب، النسب والقبيلة وفروعها، الدية، لعصابة، دبايح ولغرامات، السلطات، أهل المدافع، الشرف، البركة، أهل كتوب، المحميون...)، اقتصاد الساحل(البيئة، الغطاء النباتي، الوحيش، الغنم، الجمل، التجارة، الفلاحة، الخدمات، المؤسسات الخيرية...) نمط حياة الرحل: الخيمة وخصائصها الشكلية، معداتها، الحياة في المخيم، الزواج، الأمراض والتداوي...)، معارك الساحل كما يحكيها الرحل..إضافة إلى مجموعة من الملحقات المفيدة والغنية.
وكل هذا المضمون الغني والمفيد والمثير، يعتر بحق أرضية خصبة وأساسية لإنجاز عمل موسوعي كامل عن الصحراء بكل مكوناتها وعناصرها إن الثقافية أو الاجتماعية أو التاريخية...لنا أن نلاحظ أن كل محور من محاور هذا الكتاب المتنوعة يكاد يشكل لوحده محورا خاصا لأطروحة علمية بإشكالاته وفرضياته والنتائج العلمية التي من المفترض أن يؤدي إليها.
نجد أنفسنا إذن أمام عمل علمي ضخم، كتاب يعج بسيل من المعلومات والمعطيات الخاصة بالجنوب المغربي والتي لا نعرف إلا القليل عنها، ساهم مجهود الترجمة الذي قام به الأستاذ صابر في تعرفنا عليها. منهجية إنجاز هذه الدراسة العلمية لابد بدورها أن تثير انتباهنا واهتمامنا: هناك أشخاص مصادر التقى بهم المؤلف وأبرزهم هو: سيدي بويا ولد سيداتي ولد الشيخ ماء العينين، هناك مساعده المترجم المحلي: بريكة ولد علي مولود، عمل ميداني وزيارة إلى عين المكان، عمل بيبلوغرافي واطلاع على مصادر مكتوبة وشفوية، تقنيات للتحري، دمج لمعارف وعلوم متنوعة (التاريخ، الأنتروبولوجية، اللسانيات، الطوبوغرافيا...)، على سبيل المثال وأثناء دراسة نظام القرابة في إطار المدرسة الوظيفية البريطانية فقد تخلص الباحث باروخا من مبادئ هذه المدرسة بذكاء حين تمكن من إدماج عامل الزمن والحركية الاجتماعية بحكم معرفته العميقة بالتاريخ لاسيما التاريخ القديم. إننا إذن إزاء دراسة أكاديمية لظاهرة الترحال كنمط حياة أصبح في طور الانقراض بفعل عملية التمدن السريعة التي شهدتها المنطقة. ومع استحضار الطبيعة الأكاديمية لهذا العمل والصرامة المنهجية التي تحيط به، فقد أفادتنا الترجمة التي قام بها الأستاذ الباحث أحمد صابر بمهنيتها وجودتها ورصانتها ودقتها في تعريفنا بالمضمون الغني والمفيد في أن لهذا الكتاب، لما لا والباحث ليس حديث عهد بالترجمة بل سبق له أن ترجم أعمالا أخرى لا تقل أهمية عن الترجمة الحالية.
رشيد نجيب – الحوار المتمدن