آكلة لحوم البشر

سعود سالم
2016 / 8 / 15

هناك، على الرصيف المقابل جالس في هدوء وصمت، يشرب القهوة ويفكر. غاب الذين أحبهم، ماتوا، بعضهم تحت التراب، بعضهم فوق التراب، بعضهم تحت الأنقاض، بعضهم فوق الأنقاض، بعضهم فقد الذاكرة وبعضهم فقد السراب. هناك، على الرصيف المقابل جالس في هدوء وصمت، يشرب القهوة ويفكر، لماذا لم أمت؟ أم إنني ميت؟ فقدت طعم القهوة ورائحة البحر، فقدت صور أحبائي ورائحة المطر، فقدت حتى ملمس التراب والصخر، فقدت فقداني وتلعثم اللسان، وربما سقط في الفنجان. وفكر ثانية، وتسائل أي فنجان ؟ وأخذ الملعقة وحرك بها السائل الداكن، لعل لسانه يذوب في القهوة الساخنة كقطعة سكر، ويشرب الكلمات. ويلتقط جريدة قديمة منسية على الطاولة المجاورة.

صورته في الصفحة الأولى
ملونة
تحتها عنوان باللون الأحمر
قاتل
وعنوان أصغر قليلا
تفاصيل الجريمة كاملة
هذه صورته في الصفحة الأولى
قاتل
بسكين المطبخ
ذبح أهله
واحدا واحدا
الرجال والنساء والأطفال
قاتل
قطع الأجساد بفأس
وتلذذ بتشريح كل جثة
قاتل
أكل اللحم قطعة قطعة
ولحس الجلد والعظام
في وليمة أخيرة
وبالدم المراق
كتب نشيدا للقادمين
وصية للمجرمين
دعاء للمهووسين
وصلاة للمؤمنين
لا تقتلونا مجانا
قال لهم
أيها الأمراء والخلفاء
والقادة والملوك
أيها الرؤساء وأولياء الأمور
أيها الجنرالات والشيوخ
لا تقتلوا مجانا
قال لهم
إشبعوا من ضحاياكم
قبل أن يشبع بها الدود
واستمتعوا باللحم الطازج
والدم المسفوح
وجففوا البقية
إن شبعتم
قال لهم
علبو لحمنا
ثلجوه
بستروه
فقد يفيدكم أيام الجوع
والسنوات العجاف
رصيدا لكم ولأولادكم
أيها الأمراء والخلفاء والرؤساء والملوك
أيها القتلة
مصاصي دماء الشعوب
لا تقتلوا مجانا
فلحم البشر
خير‪وألذ ‬ ألف مرة
من لحم البقر
مشويا كان
أو مسلوقا أو نيئا
يجعلكم أقوي
من الصخر

ملاحظة : جاء في كتاب “ الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع ” للإمام شمس الدين محمد بن أحمد الشربيني الخطيب الشافعي، وهو شرح على متن “ غاية الاختصار ” في الفقه على مذهب الإمام الشافعي، في “فصل الأطعمة”، في الجزء الثالث من الكتاب، في الصفحات من 255 إلى 257 التالي والمقرر على طلبة الأزهر، تفصيل وافٍ لما يحل للمسلمين أكله من لحوم البشر.
" يجوز للمضطر أكل آدمي ميت إذا لم يجد ميتة غيره كما قيده الشيخان في الشرح والروضة، لأن حرمة الحي أعظم من حرمة الميت. واستثنى من ذلك ما إذا كان الميت نبيا فإنه لا يجوز الأكل منه جزما. وأما إذا كان الميت مسلما والمضطر كافرًا فإنه لا يجوز الأكل منه لشرف الإسلام. وحيث جوزنا أكل ميتة الآدمي لا يجوز طبخها، ولا شيها، لما في ذلك من هتك حرمته. ويتخير في غيره بين أكله نيئا وغيره "‪.‬
ـ نقلا عن مقال في مجلة " حركة مصر المدنية " للباحث أحمد عبده ماهر