كارل ماركس في العراق الجزء التاسع عشر

فرات المحسن
2016 / 8 / 15




ما كان يراود تفكيره وبإلحاح هو سبب مجيئه إلى العراق ووضعه الآن في هذا المحبس الغريب ولسبب يبدو أكثر غرابة من المكان نفسه. ما الذي حدث وهل حقق الغرض الذي جاء من أجله، مهمة صعبة وعسيرة منذ بدايتها.
حين أتخذ القرار بالسفر إلى العراق، لم يستمع لنصائح الأصدقاء الذين استغربوا بالمطلق تلك الرسالة التي استلمها، و دهشوا من نيته السفر إلى بلد لا ترد منه سوى الأخبار السيئة لا بل المخيفة. ولكنه استسهل الآمر وظن بأنه بصدد الحصول على ذخيرة معلوماتية حية سوف يكتسب منها خبرات جديدة لم يكن على إطلاع سابق عليها، وسوف تكون تجربتها غنىً معرفيًا ربما يقدمه في النهاية بكتاب جديد يكمل مسيرة عمله وباقي كتاباته عن نضال الطبقة العاملة وطرق ووسائل الإنتاج في دولة من العالم الثالث مثل العراق.
الآن يجد أن الطريق قد أغلق في وجهه تمامًا، وما عاد يستطيع التحرك ومعاينة الواقع العراقي، وعليه أن يختزل الأمر عند حدود هذه الحجرة التي تضم بين جنباتها ثلاثة عشر سجينًا يزيدون أو ينقصون مع مرور الساعات.
ما النموذج الذي ممكن استحضاره ومن أي فلسفة وعلوم يمكن اشتقاقه لتوصيف حال العراق ووقائع مسيره اليومي، فهو ليس بكيان مجتمعي واحد، أيضًا فهذا الشعب يفتقد الهوية الوطنية الموحدة. طوائف وإثنيات مرت بحقب استبداد منذ آماد بعيدة شكلت عالمها الخاص، ورسخت في فكرها الجمعي تقاليد تحبذ النفرة والتشرذم على التقارب والانسجام. إرث ثقافي وإبداع واسع وكبير تم تدميره بعشوائية الخيارات وازدراء الخبرة. ليس هناك ما يشي بصراع طبقي فالطبقة العاملة إن لم تكن مشتتة فهي قليلة العدد والخبرة وغير قادرة على خوض صراع أي كان نوعه. حتى القيم التي يتمسك بها العامل العراقي لا علاقة لها بصراع ومواجهة الطبقات المستغلة أو بناء وحدة طبقية ودفاع ذاتي لأجل المصالح، وإنما ترتكن أساسياتها وتتمسك بأكثر القيم تخلفًا ورجعية، هذا ما عرفه من خلال محدثيه ومعايناته ولقاءاته رغم قلتها ولكن حسه الطبقي جعله يكتشف كل تلك العلل والمساوئ دون بحث طويل ومضني.حتى البرجوازية ترها قد تعرضت لضربات موجعة أجهضت تطلعاتها وما عادت قادرة على بناء هياكل وأسس مادية اقتصادية، رغم إنها كانت سابقا تمتلك وسائل أنتاج ولكن تم إفقارها وتشتيتها من قبل العسكر ودعاة الاشتراكية الفوضوية.

***
لليوم الخامس لم يصمت أو يكف أبو رمزي عن الحديث والشعر والابوذيات، رغم علته التي تضعف قواه مثلما قالها يومًا ثم صمت ولم يفصح بعدها عن نوع المرض الذي ينهك جسده. بدا امتناع أبو رمزي عن الحديث حول مرضه وكأنه خجل شخصي لا يود معه الإفصاح عن مصيبته خوفا من معرفة الآخرين بضعفه. ولكن مثلما قال هو عن السر الذي يفشيه صاحبه وليس غيره، فقد عرف ماركس مرض أبو رمزي عندما التقى سجين أخر أثناء الذهاب إلى دورة المياه فوقف ذلك السجين ودار بينه وماركس حديث لبضع دقائق عن الكثير مما يجري يوميا في غرفة الحبس ومنه مرض أبو رمزي. وحين سأل ماركس السجين عن كيفية معرفته بإصابة أبو رمزي بمرض روماتزم القلب المتأزم.
ــ جا أنته ما تشوف الأدوية ..أتكول أنه أجنبي ..ويكولون عليكم مفتحين باللبن.
ــ ماذا ..نعم
عندها سارع الرجل بالدخول إلى دورة المياه دون أن يكمل الحديث مع ماركس.
لم يرغب ماركس في البحث عن المرض الحقيقي لأبو رمزي وراح في شكك من حديث السجين، فلم يكن مظهره أو كلامه يشي بمعرفته لحقيقة المرض ولم يكن توصيفه غير فكرة عابرة ربما أخترعها ليدعي إلمامه بما يدور من وقائع في السجن. فأبو رمزي كان يخفي أدويته في كيس أسود ويحاول أن لا يظهرها للأخريين، فكيف تسنى لهذا السجين اللعين الإطلاع عليها.الضرب في الغيب عادة قبيحة ولكن خيارها يبدو نافعا للبعض في إثارة الحدث.
بعد ساعات من مظاهر الإنهاك والتعب التي تظهر فجأة على أبو رمزي تبدأ سحنة وجهه بالتغير وتظهر عليه علامات ارتخاء الجسد مع رجفة ظاهرة،عندها يتناول الدواء ثم يكور جسده بقرفصة شديدة،وبعد فترة ليست بالطويلة ، يجلس وكأنه يخرج من غفوة، ليبدأ بحديثه الذي لن يتوقف. لم يكن ليتخلى فيه عن أناشيده وأشعاره رغم خفوت صوته ومظاهر الوهن على جسده. كانت تلك الأشعار والأهازيج رصيد حي يستعمله كمطارق للتحدي والصراع مع المرض، ومظهر لقوة الشخصية معنويا وجسديا أمام الآخرين. كان يرفض أن يختطف المرض منه لحظة الحياة وبهجتها، فبعد أقل من ساعة عن تناوله أقراص الدواء يعاود صوته الارتفاع وتنشط حنجرته وتنطلق أحاديثه بسلاسة غريبة.
في أحد المرات اجتاحته رغبة بالغناء فراح يغني بصوت خافت متموج ولكن رقيق وعذب،ورغم مظهر الفرح المرتسم على وجهه فقد حملت حنجرته حزنًا شفيفًا فضحته في النهاية دموع جرت بعفوية على خديه فاستدار ووضع وجهه في الوسادة وأجهش بالبكاء.
لم يكن الحزن الذي خيّم على قلب ماركس بقليل، فراح ينظر إلى أبو رمزي بعاطفة جياشة أراد معها إيجاد كلمات ولو بسيطة ليواسيه بها أو حتى يخفف عنه بعض ألم، ولكن ألمه الوجداني وعاطفته المهتاجة منعته من الكلام ولم تسعفه في إيجاد ما يرطب الأجواء في هذا الوضع الموجوع. شعر بأنه عاجز عن الوصول إلى كلمات تسعف الموقف وتجعل أبو رمزي يستعيد رباطة الجأش التي عرف بها، ولكن اللحظة كانت قاسية على كليهما فعاف ماركس محاولة البحث عن مخرج لموقفه ومد جسده فوق الغطاء الصوفي وأخذ يرقب نحيب أبو رمزي. فهو يعرف جيدًا طبيعة مشاعر الإنسان المريض الضعيف، فشعور الخجل من ضعفه سمة طبيعية، وتراه دائمًا في حالتين، إما التشكي واستدرار العطف، أو في حالة دفاع دائم ضد افتضاح أمره، يتستر بأشياء يجد فيها ما يستر عجزه وضعفه، وهذا ما يفعله أبو رمزي بروح المرح والإنشاد التي يجدها واقية من انكشاف خوفه من قرب نهايته للآخرين، وكرهًا منه لحالة استدرار العطف، وهو يخشى أيضًا أن ينهار أمام الآخرين ولذا تراه يلجأ لغمر رأسه في وسادته حين تنتابه الأوجاع وهو في ذلك يشعر بأنه في حالة امتحان دائم مثلما هو تهديد دائم من المرض غير الرحيم. لا يريد أن يفقد توازنه من خلال انكشاف علته وضعفه. تساءل ماركس عن سبب بقاء أبو رمزي في السجن وهو يحمل مثل هذه العلة. في جميع دول العالم يطلق سراح مثل هؤلاء المرضى الذين يحملون أمراضًا صعبة ومميتة، فلم يبقون أبو رمزي سجينا؟
ــ أنته.. يول أنته.. شنو اسمك.. أني بعد ساعة راح أطلع من الحبس أخذ فراشي.. خوش؟
انتبه ماركس ليجد أحد السجناء يقف عند قدميه ويخاطبه بلهجة شبه آمرة. تفاجأ ماركس بوجود السجين القريب وكلامه الحازم، فتردد بعض الشيء ولكنه اغتصب ابتسامة ليعرضها على السجين عرفانًا بفعلته الطيبة.
ــ شكرا جزيلا.. ولكن ربما تحتاجه في مكان أخر.
ــ يول بيش طالبني.. فوك ما أساعدك تفاولني بالأذية؟
ــ لا أقصد إيذاءك وإنما قلت ربما تريد أخذه إلى البيت أو هناك سجين آخر يحتاجه.
ــ لا عيوني.. انته أخذه مو غيرك.. هاي صارلي سبع تشهر هنا وما أعتقد، لا بل ما شفت أكو واحد بين الجماعة يستاهل الفراش.
ــ على أي حال شكرًا ومبروك على أطلاق سراحك. متى تخرج؟
ــ هسه لو بعد ساعة.. حسب مزاج السيد العقيد لطفي الله يحفظه وينطي الصحة والعافية.
ــ عجيب.. أنت أول من أسمع منه كلمة إشادة بالعقيد لطفي.
ــ شوف صاحبي.. إذا حاجتك يم الكلب فسمي حجي جليب.
ــ ماذا يعني ذلك؟
ــ بالعراقي عدنه هذا المثل.. من الإنسان يخاف لو يعتقد بأن مشكلته معصعصة وصعبة على الحل لو واكَعه بيد واحد مثل عقيد لطفي، فعلينا أن نتوسل بذلك الواحد ونسميه بلطف وحنية.. فالكلب ولأنه نكس فنشبه ذلك الشخص بالكلب، ولمن حاجتنا تكون يمه نطلق عليه تسمية حجي جليب، يعني كلب زغيروني ويدلل علينه.
ــ وهل مثل هذا المثل جاء لكم أو تعرفتم عليه بعد الاحتلال؟
ــ يا احتلال يا بطيخ.. أنته مو عالم آثار؟ حسب ما تكول.
ــ نعم.
ــ عيوني.. هذا المثل من عهد نبوخذ نصر وزوجته الموقرة ما إدري شنو أسمه..
ــ أوكي.. مبروك مرة أخرى.
فتح باب غرفة الحبس وطلب من السجين الذي كان يتحدث مع ماركس المجيء لمقابلة العقيد.
ــ يالله صاحبي كوم أخذ الفراش مالتي. يا جماعة مودعكم الله، بس موكلكم، أبروني الذمة.
لم يجبه أحد من السجناء بل جميعهم أشاحوا وجوههم بعيدًا عنه وبعضهم دمدم بكلمات مكتومة.
نهض ماركس لجلب الفراش فسبقه سجين آخر وأخذ الغطاء الصوفي ذي الأوان المبهجة والموشى بورود حمراء كبيرة الحجم وعاف غطائين صوفيين آخرين ووسادة بقماش أزرق مائل للسواد.
ــ ولكنه أعطاني إياه كاملا!
هكذا قالها ماركس وصمت ناظرًا لهذا السجين وهو يسحب الغطاء نحو فراشه.
ــ أي ... وهسه أنته شنو تريد؟ ما عاجبك الآمر لو شنو؟
ــ ليس كذلك.. ولكن أعتقد أنه منحني جميع أجزاء فراشه.
ــ خوش تريد البطانية تعال أخذه بس تدري شنو راح يصير بيك.
ــ ماذا؟
ــ أذا مديت أيدك على البطانية أقره على روحك الفاتحة.. أخذ الباقي وروح أشرفلك.. أنته بعد جم يوم تطلع وأحنه باقين خايسين أهنا.. روح.. يله روح.
لم يرغب ماركس مواجهة هكذا لهجة وتصرف عدائي، فهو ليس بحاجة لمثل تلك المواقف العدوانية، وما كان يومًا يطيق عراك الشوارع حتى حين كان صبيًا. وهو يجزم أيضًا بقرارة نفسه، أن خروجه من الحبس سيكون بين ساعة وأخرى، فلا حاجة لخصومات، فليس هناك ما يعيق إطلاق سراحه غير عناد العقيد لطفي الذي قرر حبسه على ذمة لا شيء ودون مبرر عقلاني. لقد كان مختطفًا وليس مشاركًا بجريمة، وإن اتهمه عريف أحمد بالعمالة والجاسوسية لإسرائيل فقد كان ذلك باطلا وغير مقنعٍ حتى للعقيد لطفي. وها هي قد مضت الخمسة أيام دون أن يجد فيها تغييرًا ولم يرسل العقيد بطلبه ولم يسمع من الحراس أو من عريف أحمد ما يشير لأسباب بقائه معتقلا أو متى يطلق سراحه.