الانتقال من حروب الإبادة والفسخ إلى حروب إعادة التشكيل والمسخ

عبد الملك بن طاهر بن محمد ضيفي
2016 / 8 / 14

لقد انتقل العالم من حروب الإبادة والفسخ إلى حروب إعادة التشكيل والمسخ ولم يعد من أولويات الغزاة الاستيطان بل أصبح همهم كيف يُطوع الإنسان ولم تعد الحرب للحرب بل أصبحت وسيلة لتطويع الشرق أو الغرب فإذا غلبت المصالح أو المخاوف فالتهديد بالحرب أول أبواب الحوار ثم يكون السلام الذي يصنعه النصر أو الاستسلام فهل حدث مثلا في شرقنا توازن للقوى منع الأرعن الأمريكي من تكرار غزونا أم هي لعبة دولية بأوراق إقليمية وكل لاعب يحاول التخريب في حديقة خصمه الخلفية ثم تأتي التسويات على أرضنا وبدون إذننا فيخذل الأمريكي تحالف الحرب على سوريا ولا يقصف الشام ولا يغزوها كما فعل في العراق ليس نبلا أو جبنا بل ورقة يساوم بها الدب في أوكرانيا فيمتنع بوتين من التدخل عسكريا مكتفيا بالقرم والفيديرالية إلى حين موازنا بين أمنه الإقليمي في أوكرانيا ونفوذه الدولي في سوريا وتتمدد أمريكا على حسابه في دول جواره لتتفرغ لاحقا لإعادة رسم حدود الصين البحرية والتدافع على أشده وسيطول فيظن العربي المسطول أن بوتين يريد تأمين دولة الساحل العلوية هكذا بدا الأمر لبعض الواهمين في حين بادر بنيامين إلى تنظيم قواعد الإشتباك مع بوتين فلماذا ينسق الصهاينة مع روسيا في سوريا ويهتف الأعراب وا أردوغاناه فيعدهم ويمنيهم ثم يُتاجر بأمنهم ويبيع أمانيهم بالتطبيع مع بنيامين والتوافق مع بوتين
متى يعلم العرب أن بوتين ليس شيعيا وأن العم سام ليس سنيا وأن أردوغان ليس عثمانيا وأن إيران لا تريد تصدير ثورتها بل تطلب فرض إرادتها وكل الباقي تفاصيل لا تعنيهم فليمت العربي ولينتحر المسلم ولتخرب سوريا والعراق واليمن ومصر وكل الغرب من برقة إلى السينغال فالكل يهون من أجل تأمين المصالح وحماية الكيان والمحافظة على توازن ردع في البحاروضفافها والخاسر الأكبر أوروبا أما العرب فلا بواكي لهم لأن مدار العلاقة بين الناس على المنافع والمخاوف والقيم فإذا غلبت الأولى وبلغت منتهاها أكل القوي الضعيف وأظهر الإنسان الوجه المخيف فكل الوسائل مشروعة مادامت تحقق غايته وتجلب منفعته حتى الحروب الدموية المدنسة تصبح ملاحم نبيلة مقدسة فيقتل الإنسان أخاه ويعق أمه وأباه إشباعا لرغبته وإرضاء لهواه حينها يسود الخوف ويتحاجز الناس ويتربصون ببعضهم ويتوجسون ولا يثقون حتى في أقرب الناس إليهم وكل من رابهم أمره انتهى عمره فتنتشر صور وشعارات الرئيس ويتخلل الديار إرهاب الجواسيس وتلغى كلمة [ لا ] من كل القواميس لا تنطقوها وتقبلوها فلا حرية ولا كرامة ولا عدالة ولا حقوق ولا أمن ولا أمان إلا لمن خضع واستكان هذا داخل القطر الواحد وتقابله الحروب الباردة بين الأقطار
فيخلف هذا النهج الهمجي بين البلدان جرحا غائرا في الوجدان يشوه أخلاق وهوية الإنسان لينتقل من الدمار الخارجي إلى التدمير الداخلي ويستعيض عن الحروب الدولية بالحروب الأهلية والنزاعات الداخلية التي تثيرها النزعات القبلية العرقية والنعرات الطائفية المذهبية إلى آخر هذه المسميات الجاهلية لجعل الدول حديثة العهد بالإستقلال عالة على الإحتلال فبالتبعية الثقافية تستفتح أبواب التبعية الإقتصادية وتكرس التبعية الإعلامية فلا ينطق التابع إلا بلسان المتبوع لننتقل من احتلال الإخضاع إلى احتلال الخضوع

فمن فقد قيم الإستقلال لن تحرره قيمته من الإحتلال

وعند الإنتقال من احتلال الإخضاع إلى احتلال الخضوع تذوب القيم المكونة للهوية لتحل محلها قيم القابلية فكل ما يريده المحتل تقبله وتطبقه تلك الشخصيات وتيك الدول لأن الذين فقدوا قيم الإستقلال لن تحررهم قيمته من قابلية الإحتلال
وهذا هو الوجه الجديد للإحتلال فبعد مباشرة القتال انتقل المحتل إلى إدارة الإقتتال وفي هذا الطور من الإحتلال يحرص المحتل على تكافؤ طرفي القتال حتى تطول مدة الإقتتال ولا غاية لهذه الحرب إلا تكريس هيمنة الإحتلال الذي يظمن ولاء طرفي القتال ومن خرج عن طاعته أمر بإزالته فإذا أراد المحتل إذلال شعب وسلب حريته أفقده الإحساس بكرامته فلا تستغرب إذا استخف بك من تحدثه عن هويته أو سخر منك من تذكره بوطنيته ولا تعجب إذا سمعته يتنصل من أصالته ويتبرأ من حضارته