كلمة أخيرة عن -نموذج- زويل المراد تسويقه.. خلف الدموع الكاذبة

السيد شبل
2016 / 8 / 13

كلمة أخيرة عن "نموذج" زويل المراد تسويقه.. خلف الدموع الكاذبة.. بقلم: السيد شبل

أسبق منكم في احترام ما للموت من هيبة وجلال.. وفي لحظات كتلك نتمنى لو أوقف الجميع – الجميع بلا استثناء- ماكينات الدعاية على الأقل حتى يمر الموكب الجنائزي، وتجفف الأسر دموعها!.. لكن الاستثمار في الموت استثمار خصب ومربح، ولا يكف أصحابه عن ممارسته، وعندما يتحول الموت – بكل ما له من هيبة وجلال- إلى استثمار، فلا بد للعقلاء أن يخلعوا السواد ويهتكوا حرمة اللحظة مضطرين، فقط لإيقاف هذا الاستثمار الرخيص، وليقولوا، لأولئك الذين يتاجرون بالمشاعر، ويحاولون إخراس الجميع، وتمرير صفقة ما، بفيض من الدموع الكاذبة، والمشاعر المخادعة: جميعكم تجار، والتجار لا يعرفون شعارًا سوى المكسب، فامسحوا الدموع الزائفة، وكفوا عن النحيب.

إن عملية التسويق، التي يتم تمريرها دومًا من أسفل عباءة: "اذكروا محسن موتاكم"، هي تسويق (النموذج).. دومًا هكذا، يمر الخنجر الطاعن، من أسفل عباءة شعار نبيل!. وتسويق (النموذج) هو بالضبط المراد من الحملة الممنهجة، التي تريد توثين "أحمد زويل"، بعد رحيله، كما حاولت – بالضبط – من قبل.

كثير من الحبر سيُسال، وآلاف النقرات على الكبيورد.. سيتورط فيها الجميع، ليس الهدف الإشادة بقيمة البحث العلمي والحث عليه، كما يزعمون، وإنما تسويق النموذج، وغرسه في العقول!.

وعندما يتم تسويق النموذج، وتوثين صاحبه، ستصير أخطاء "النموذج" هفوات، ولها ما يبررها، وتطبيع التعامل معها أمر ضروري، والقفز عليها أمر شرعي.. بينما هي في الحقيقة ما ستبقى في وجدان كل متلقي للتجربة (خلاصتها)، وهي ما سيحدد لكل مُقتدي معالم الطريق.. فهل تريد أن يصير صيتك في الأرض والسماء، وتحصد الجوائز العاليمة، ويسير الزعماء والقادة في جنازتك؟، الإحابة بسيطة

.. لديك "النموذج":

1- استفد من التعليم المجاني في بلدك، التعليم الذي أسسك وأهّلك لتكون ندًا لغيرك من الخريجيين في بلدان العالم الغربي (نتحدث هنا عن تعليم الخمسينات والستينات، الذي حظي به زويل)، واختطف البعثة التي تقدمها جامعتك، وتموّلها، وتنفق عليها من أموال دافعي الضرائب.. ثم اقفز إلى بلاد العم سام، وما أن تصل، اخلع عباءتك المصرية والعربية، خطوة خطوة، وسارع نحو الحصول على جنسية "سيدة العالم" أمريكا، واسمح للإعلام الغربي، بأن يصفك بالعالم الأمريكي "فلان.."، على أن يقولوا في الحاشية أنك من أصول "شرقية أو عربية" أو لا يقولون.. لا يهم!.

2- اجعل ولاءك الوحيد لنفسك، وكن أناني قدر المستطاع، ثم للمنظومة الغربية القادرة على حمايتك وتمويلك وتلميعك، ولا تغامر حتى لا تلقى مصير (مصطفى مشرفة، ويحيى المشد، وسميرة موسى، وسعيد سيد بدير..) الذين اغتالتهم الأيادي الصهيونية.

سر إلى جوار الحائط الصهيوغربي، وامسك بتلابيب جلبابهم (هكذا يقول النموذج..)، انسى بلادك الفقيرة المرهقة، واخلص لعملك في المعامل الأوروأمريكية، وتزوّد من العلم قدر المستطاع لكي تزيد رتبتك عندهم.

3- لا تقلق، ستجد في بلدك الأصلي، طابور من العملاء أمثالك، قادرين على تلميعك وبروزتك (هكذا يفصّل النموذج في الشرح..)؛ ستجد، أحفاد لطفي الخولي، وستجدهم أيضًا زعماء "جمعيات للتطبيع والاستسلام للعدو الصهيوني"، وهؤلاء سيقدمونك في الجرائد "الحكومية" التي يعملون بها، وسيبروزون إسهاماتك، لأنك كنت "النموذج"، ولم تحِد عنه.

4- الخطوة الرابعة، لتكون "النموذج"، هي: إلقِ كل شعارات العروبة والإنسانية المتعِبة وراء ظهرك، وصافح (الدم الذي في كل كف)، وولي وجهك شطر العدو الصهيوني، بلا حياء – ببساطة، كن فاجرًا-، اذهب لهناك عندما يطلبوك، واعرف أن الصهيونية هي بوابة الجوائز العالمية، لذا (يقول النموذج) عندما تأتيك الدعوة لزيارة العدو، اذهب، وامكث هناك – في الأرض المسروقة، والدماء تصرخ من حولك- شهر.. اثنين.. ثلاثة.. حتى ستة أشهر، لا يهم.. وساهم (هكذا يستطرد النموذج) في تقديم المساعدات لجيش الاحتلال الصهيوني، ولو في تطوير منظومة صواريخ حديثة تعمل بالليزر – حتى لو كنت على علم أن تلك الصواريخ ستوجه إلى صدور أهلك العرب-، وعندما يعرضون عليك تكريمًا، في معهد وايزمان ( بحيفا المحتلة )، اقبله، ولا يضر إن حُزت على جائزة "وولف"، ووقفت تخطب أمام "الكنيست"، وأشدت بالكيان وبمقدار التقدم العلمي الذي وصل له، وساهمت أنت فيه، وصافح رئيس الكيان بحرارة!.

5- عندما يسألك خبير استراتيجي (خبير استراتجي حقيقي، قبل أن يتم ابتذال الكلمة، بالضبط كما ابتذلت كلمة الثورة) مثل اللواء دكتور صلاح سليم، عن ذهابك للكيان الصهيوني وعملك فيه، فأجب بهذا الرد الفاتر: "بيينا بينهم سلام" و"العلم لا وطن له"، طبعًا وأنت تعرف في ضميرك، أن السلام لم يكن يومأً واقعًا معيشيًا، وأن الشعب العربي لم يتورط أبدًا فيه، أن الكيان الصهيوني، ليس وطنًا من الأصل، وإنما عصابات سرقت وطنًا من أهله العرب، وأنت تعرف أيضًا، أن هذه الكلمة "العلم لا وطن له"، مجرد شعار مطاط، وجعجعة فارغة، لأنك تعرف مسبقًا أن "الوطن" الوحيد المسموح لك بالإسهام العلمي فيه، هو "الوطن" الأمريكي وربما أولاده.. وأن مقولة "العلم لا وطن له" لا تنطبق مثلًا، على أي قطر عربي – هل تريد أن تكرر تجربة يحيى المشد الذي سعى لتطوير المفاعل النووي العراقي، فاغتاله الموساد الصهيوني واعترف بذلك في كتاب بعنوان" جواسيس جدعون " ؟-، وكذلك لا تنطبق على كوريا الشمالية، أو فنزويلا أو كوبا أو إيران.. أنت تعرف في ضميرك كل ذلك، لكن "ضميرك" هنا، لا محل له من الإعراب، (يقول بذلك النموذج، الذي يتم تسويقه، الآن..).

6- إن تتبعت هذه الخطوات (التي تبدأ عند التنكر للهوية، والإخلاص للعلم بما يخدم منظومة رأس المال الغربية.. وتنتهي عند إعانة جيش الاحتلال الصهيوني، وقبول التكريم منه) فأنت من رجال "نوبل"، واسمك سيوضع إلى جوار: "مناحم بيجن" مرتكب مجزرة دير ياسين، والسفاح الذي استشهد على أيادي عصابته أكثر من 300 فرد شرطة مصري في عملية (عوفيدا/ الأمر الواقع) في (أم الرشراش/ إيلات) بالعام 1949، و"شمعون بيريز" سفاح قانا، و"إسحاق رابين" سفاح الإنتفاضة الأولى.. وطبعًا إلى جانب أوباما، صاحب مشروع تدمير ليبيا وسوريا، وخالق التوترات والفتن في المنطقة العربية.. المهم أنك ستحوز على "نوبل" وستقام الموائد على شرف استقبالك، وعملاء "منظومة كامب ديفيد" و"أوسلو" بالوطن العربي، سيدبجون في مدحك القصائد!!.

7- لا تكف في خطاباتك، عن تلميع الأسطورة الأمريكية، وعن محاسن السفر إلى هناك، والارتماء في أحضانهم، فهذا بالضبط المطلوب منك حتى تصير "نموذجًا" يُحتذى حذوه، أنت الآخر!.. وعندما يعرض عليك الرئيس الأمريكي، أوباما، أن تكون مستشاره العلمي، اقبل بدون تردد.. وارمي وراءك كل تلك الدماء (الإنسانية والعربية) التي سالت على أيادي رؤساء أمريكا!.

ختام:

سبق في أواخر عام 2011، أن كتبت مقال عن أحمد زويل، بعدد من المواقع الصحفية، واخترت له عنوان جذاب، وهو محض سؤال ظل زمنًا يلح بداخلي، وهو " لماذا لم يقم الموساد الصهيوني باغتيال زويل؟"، ولقي المقال انتشارًا واسعًا، بغير تصرف ولا محبة مني بالحقيقة، في صفحات أولئك المناهضين لـ"نخب" يناير (وسر عدم المحبة هو أن تلك الصفحات كانت فلولية مباركية - نتنة واستسلامية-، بامتياز، وتدين بلا تمييز، وقد كنت وما زلت في صف انتفاضة يناير الشعبية، على الأقل في صف جوهرها النقي والجموع الثائرة العفوية الصادقة، بعيدًا عن الملونين الذين التصقوا بالمسار، وسعوا نحو حرف البوصلة فيما بعد)، العجيب أن قطاع من أولئك "النظامجية - الفلولجية" الذين شاركوا المقال في صفحاتهم على مواقع التواصل، وتطاولوا على الرجل حينها، وسبّوه – مما يؤكد أنهم لم يقرأوا المقال، حينها، أصلًا-؛ اليوم ينعونه، ويكيلون في وصفه قصائد المديح، ويسبغون عليه أوصاف الوطنية، ويهاجمون كل من يتجاسر ليقول: انعوا الرجل، من منطلق إنساني، لكن توقفوا عن تسويقه كنموذج!، لكن لماذا يناقض هؤلاء أنفسهم إلى هذا الحد؟، الحقيقة أنهم لا يناقضون أنفسهم، هم فقط مخلصون لـ "قبيلتهم"، و"زويل" اليوم ليس محسوبًا على معسكر "يناير الملوّن"، فقد انتقل إلى المعسكر "النظامي"، وما دام "زويل" قد انتقل إلى قبيلتهم، فهو ليس مطبعًا، ولا مطورًا لأسلحة جيش الاحتلال الصهيوني، ولا جزءًا من منظومة عمل غربية، ولا متكسِّب رأسمالي، من جامعته الخاصة، التي تورطت في جور على حقوق جامعة النيل!.

في الحقيقة، كنت أتمنى أن يمر رحيل "زويل" بلا ضجة، حتى لا نتورط في إعادة التذكير، بخطيئة تسويقه كنموذج، ونكتفي بالدعاء لأسرته بالصبر.. وندرك، وقد ذكرنا ما ذكرنا، أن زويل، تميّز عن نماذج أخرى، قد يكون من بينها، البرداعي أو خليفته عصام حجي (بالمناسبة، حجي، وصل لشهرته القصوى عبر تعيينه مستشارًا علميًا لعدلي منصور بعد 30 يونيو!)، في أنه (أي زويل) حاول عدم التورط في "لبرلة" كلماته السياسية على ضوء نشاطاته التطبيعية.. فالمطبعون أوتوماتيكيًا هم خصوم جمال عبدالناصر، لكن زويل، لم يتورط في مثل ذلك، وأبقى على إشادته بالتعليم المجاني، وبمصر في الخمسينات والستينات.. ربما لأنه ليس سياسي بالمقام الأول، مُطالب بمراجعة أفكاره، كل حين، ونقدها!.. أو أن ثمة تفاوت في درجة الانحياز للحقائق أو الاستجابة لوخزات الضمير!