مصير اخر الدول الثيوقراطية في العالم

أحمد الهدهد
2016 / 8 / 13

يخاف بعض الناس من الحركة الإسلامية ، ويعتقد أنها عندما تحكم سوف يكون حكمها ثيوقراطياً ، والحكم الثيوقراطي أحد أنواع الحكم الاستبدادي ، بل أشدها استبداداً ، وأتسرع فأقول الحركة الإسلامية تريد حكماً مدنياً ، وهذا حقيقة الحكم في الإسلام ، حكم مدني يوضحه خطبة أبي بكر الصديق الخليفة الأول رضي الله عنه : أيها الناس قد وليت عليكم ولست بخيركم ، فإن أصبت فأطيعوني ، وإن عصيت فقوموني ، أطيعوني ما أطعت الله فيكم ، فإن عصيت فلا طاعة لي عليكم ...فما هو الحكم الثيوقراطي :
الثيوقراطية أحدى أشكال الحكومات النصرانية الغربية، يحكم فيها الدولة قسيس، أو كاهن أو مجموعة قساوسة، ويكون فيها لرجال الدين سلطة في الأمور المدنية والدينية. وقد جاءت كلمة ثيوقراطية من كلمتين يونانيتين: الأولى كلمة ثيو، وتعني إله، والثانية كلمة قراط وتعني الحكم.
وأول من استخدم مصطلح "ثيوقراطية" بهذا المعنى المؤرخ اليهودي جوزيف وإن كان قد قصد به ، على وجه التحديد ، المفهوم اليهودي للحكومة كما هو وارد في التوراة حيث تؤكد أن القوانين الإلهية هي مصدر الالتزامات الدينية والمدنية على حد سواء .وهناك نماذج تاريخية أخرى لنظم حكم ثيوقراطية منها فلورنسا تحت حكم سافونارولا وجنيف تحت حكم كالفن .ولقد كان لخبرة أوروبا في عصورها الوسطى المظلمة حيث امتدت سيطرة الكنيسة ورجالها إلى كافة نواحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في المجتمعات الأوروبية ، كان لها أثرها الواضح في توليد رد فعل عنيف تجاه تدخل رجال الدين في حياة الأفراد بأي صورة من الصور ، فكان أن ظهرت الحركات القومية والمذاهب الفردية والنظريات الديمقراطية كردود فعل لممارسات رجال الدين المسيحي المتعدية في أوروبا العصور الوسطى ، وكان أن ترجم الفكر السياسي الأوروبي رفضه لممارسات رجال الكنيسة في العصور الوسطى إلى رفض للدين ذاته فظهرت الحركات العلمانية التي ترمي إلى الفصل التام بين الدين والسياسة ، مؤكدة أن الدين مكانه ليس البرلمان ولكن دور العبادة، وهي الفكرة التي تقوم عليها المجتمعات السياسية في أوروبا وأمريكا حتى وقتنا الحالي .
ظهرت ( نظرية التفويض الإلهي ) في العصور الوسطى في أوروبا نتيجة إعتقاد الكثير من القدماء أن إلههم، أو آلهتهم، قد سلَّموا القوانين إلى حكوماتهم مما خلقت أنظمة تستند إلى أفكار دينية تعني الحكم بموجب الحق الإلهي، وقد ظهر هذا النظام على هيئة دول دينية تميزت بالتعصب الديني وكبت الحريات السياسية والاجتماعية، ونتج عن ذلك مجتمعات متخلفة مستبدة سميت بالعصور المظلمة.
إن أشكال من هذه الحكومات التي سادت بالفعل دول أوروبا، قادتها مجموعات من قساوسة وكهنة بيدهم جميع الأمور المدنية والدينية. ومنها جاءت كلمة ثيوقراطية. التي شكلت ( نظرية التفويض الإلهي عند كنائس الغربيين ). على أساس الطاعة للقانون الإلهي كما يفسره رجال الدين المسيحيين آنذاك.

لقد وضعت مسألة الولاية المطلقة للولي الفقيه التي كتبها الخميني كدستور للثورة، المرشد الأعلى حاكماً شمولياً مطلقاً في جميع المسائل السياسية والدينية، فأصبح المرجع الوحيد والحامي لكافة الشيعة في العالم.
هكذا وضعت “الثورة الإيرانية” الشيعة أنفسهم في خلافات حول تعريف المذهب الخميني الجديد، الذي اعتبرته الكثير من المرجعيات العربية والإيرانية، انقلابا على معتقدات المذهب الشيعي، الذي يؤمن بفكرتي “الغيبة” و”الرجعة”، اللتان لم تعد لهما قيمة، بعد أنْ نصب الخميني نفسه ولياً ينوب عن الغائب المنتظر، والحاضر المجتهد.
إن تمسك ملالي النظام الإيراني بالصورة المشوهة التي رسمتها عن معتقدات الشيعة الجعفرية بعيداً عن الإسلام هي إعادة إيران والعراق ودول المنطقة تحت هذا الشعار الى العصور المظلمة كما عاشتها شعوب دول أوروبا في قرون الوسطى لأن ملالي النظام الايراني بنوا حكومتهم الإسلامية في إيران على ( نظرية التفويض الإلهي ) المتمثلة بولاية الفقيه بدعوى أن النظم الديمقراطية العصرية لا تلائم الشعوب، وهو بدوره لا يقرها وعلى ذلك لا يمكن ان تحقق الديمقراطية للناس نظاماً متطوراً يرضي حاجاتهم ويساير الزمن ورقيه وتقدمه من غير نظرية ولاية الفقيه. فعليه يجب أن تكون الحكومة حكومة ثيوقراطية حقاً. بمعنى حكومة دينية يُنَفِذ القائم على رأسها تعاليم إلاهيه محددة لا يحاسب عليها الا أمام الله فلا سلطان لأحد في حسابه، يفعل ما يجب أن يخضع له الشعب، لأن ما يفعله من أمر الله، هذا النظام قد عُرِفَ في العالم منذ اقدم العصور عَرَفته مصر الفرعونية، وعرفته اليهودية في عهد أنبيائها وملوكها، وعرفته المسيحية. تلك هي نظرية الثيوقراطية ومالف لفها من نظريات التي أخذ النظام الإيراني العمل على أساسها بعد ظهور الخميني كنظام يشكل أصلها الدين بمعنى إن سلطانها يرتكز على سند سماوي، ويرجع الى إرادة علوية فوق إرادة البشر. تلك الإرادة الإلهية المزعومة التي اختارت من بين الناس مباشرةً حفنة من ملالي معممين ليجعلوا من أنفسهم الرخيصة حكاماً وأسياداً على المستضعفين بإعتبارهم مؤيدين بروح من عند الله الذي اصطفاهم وعهد اليهم بمصالح البشر المكلفين بطاعتهم والإئتمار بأمرهم، وفي ذلك يقول علي خامنئي "إن سلطته الدينية والمدنية مستمدة من تفويض الخالق فالله هو مصدر هذه السلطة وبين يديه وحده يؤدي الملالي حساباً عن استعمالها. وإننا لم نتلق شيئاً إلا من الله، فسلطة عمل القوانين هي من إختصاصنا وحدنا دون تبعية ولا توزيع".
فهل كانت نظرية الحكم في الإسلام شيئاً من هذا وهل كانت الدولة في الإسلام سفينة يقف على دفتها إله يختار شخصاً معيناً ينفذ أوامره الإلهية وهو غير مسؤول إلا أمام الله غير محمد ( ص ) ؟ فقد ثبت ان الرسول(ص) إستشار أصحابه في كثير مما يسمى الآن من أمور الدولة كأمر الأسرى في بدر، وقصة الخندق، وصلح الحديبية، إذن إن نظرية ثيوقراط أو الحق الإلهي في الحكم والإدارة ما هي إلا مخالفة صريحة لبعض ما ورد في القران الكريم والسنة النبوية الشريفة وسيرة آل البيت وهذا أول مظهر ينفي الثيوقراطية الخمينية عن نظام الحكم الإسلامي وعن القائم على أمر الدولة والتشريع في الإسلام.
إن عدم وقوف علماء الشيعة فيما عدى القلة القليلة من العلماء الأفاضل أمام هذه المفاهيم الدخيلة على الإسلام لا تظهر علامات الصحة في جسدها الإسلامي لأن وقوفها ضد التيار المتخلف الهدام بالمنطقة هي قوة دافعة لتطهير الطائفة الجعفرية من هذه الشوائب العالقة بجسمها.
ومن جانب آخر، حتى دول العالم الحر أخذت تلمس بأن هذه الأفكار تشكل خطراً على شعوبها أكبر مما كانت تشكلها النازية والشوفينية والشيوعية.
ان النهاية هي حتمية تاريخية طالت كل الدول الثيوقراطية عبر التاريخ. تشير وقائع التاريخ لحتمية تاريخية مفادها، أنّ نهايات الدول الثيوقراطية – الدينية، غالباً ما تكون مقدمة لإعادة صياغة نظام دولي جديد، تماماً كما حصل بعد نهاية حكم الكنيسة في أوروبا، الذي أورث حرب الثلاثين عاماً، وكما حصل مع الدولة العثمانية، التي أورثت حرب القرم والحربين العالميتين الأولى والثانية.
النهايات ذاتها، تقف أمامها اليوم، الدولة الثيوقراطية في إيران، بعد أكثر من ثلاثين عاماً، أخذت خلالها ما يكفي من حروب دينية، تقتضي معها ولادة نظام دولي وإقليمي جديد.