2 بين العدالة والحرية

سعود سالم
2016 / 8 / 8

الانسان وحده يولد ويموت وبواسطته ياتي الموت الى العالم، ذلك أن الأشياء في ذاتها اي مجموع الكينونة الكلية فإنها خارج حدود الموت والحياة وخارج منطق الفناء والدمار، الإنسان وحده يمكن ان يولد ويمكن ان يموت. الأشياء تكون لا أكثر ولا أقل. والإنسان أيضا هو الكائن الوحيد الذي يبحث عن معنى العالم والأشياء ويتسائل " لماذا هناك أي شيء بدلا من لاشيء " السؤال ما زال مطروحا على الفلسفة المعاصرة و" ليبنتز " ما يزال ينتظر الإجابة، رغم تشخيص برجسون لهذا السؤال بأنه سؤال لا معنى له. " لماذا هناك أي شيء بدلا من لاشيء " وبالذات حين نعتبر أن لا شيء " أكثر بساطة وأكثر سهولة من أي شيء " ولا شك أن هذا التساؤل الأولي هو الذي قاد وما يزال يقود خطى الفكر الإنساني منذ بارمينيدس. وربما منذ ذلك الوقت حدث هذا الجرح، ليس الجرح " النرجسي " المتعلق بالذات والذي يتحدث عنه علماء النفس، وإنما جرح يتعلق بالكوجيتو وعلاقة الوعي بالعالم، وهذا الشرخ الذي جعل الإنسان يدرك العالم مزدوجا، كعالمين متناقضين يكاد ينفي أحدهما وجود الآخر. الأبيض والأسود، الليل والنهار، الخير والشر، الذكورة والأنوثة، الفراغ والإمتلاء، الفرد والمجتمع، العيني والمجرد الرطوبة واليبوسة، الأنا والغيرية، الوعي واللاوعي، السالب والموجب، الكينونة والعدم … وربما داخل كل قطب من هذه الثنائيات يتكون شرخ آخر يولد نقيضه ويتجاوزه إلى ما لانهاية. على المستوى الفكري يبدو أن القضية واضحة، بواسطة الديالكتيك الهيجلي يمكننا قراءة حركة الفكرالمستمرة وتموجاته التي لا تتوقف، المشكلة أقل وضوحا فيما يخص الأفراد والمجتمعات والتاريخ، حيث ندخل منطقة الضباب والغيوم وتتبلبل الرؤية وتتشابك الآراء. وبالذات في هذا العصر منذ بداية القرن الجديد حيث يبدو أن الإنسانية تمر بإحدى هذه المراحل العصيبة التي يمكن أن تشكل بداية لتغيير جذري في بنية الإنسان ذاته وفي صميمية الواقع الإنساني. لقد عرفت البشرية مراحل سابقة مماثلة تمكنت من تجاوزها ونسيانها وساهمت في تقدمها وتطورها فكريا وعلميا وصناعيا، ولذلك فإن هذه المرحلة، مهما كانت طبيعتها فإنها ستمر بدورها كما مرت المراحل السابقة، بل ستتحسر عليها الأجيال القادمة وستردد كما يردد الكثير اليوم " أيام زمان لم تكن الأمور سيئة كما هي اليوم ". فالأمور هي على الدوام أحسن في السابق من الحاضر بالنسبة للعقل الإنساني " الإيجابي " وهذا ما يفسر صعوبة النقد الجذري للواقع الإجتماعي من قبل ما يمكن تسميته بالعقل الناقض أو"السلبي"، لأن هذا النقد يحتوي ويوحي ضمنيا بإيجابية الماضي وتفوقه وقدسيته بالنسبة للحاضر الذي نحلله ونطالب بتغييره. المجتمع الإيجابي أو " الأغلبية " من المواطنين والمؤسسات التابعة للدولة وللمجتمع تعمل بطريقة متواصلة وبدون كلل على إستمراية الأشياء كما هي أو الرجوع بها إلى ما كانت عليه في الماضي. غير أنه من الضروري كما قلنا في البداية من إنبثاق النقيض في قلب كل ظاهرة، فالأغلبية تتطلب ضمنا وجود الأقلية التي تسندها وتكونها كأغلبية، وفي نفس الوقت الأغلبية هي التي تفرز الأقلية وتحددها كأقلية سلبية، مناقضة، مهضومة الحقوق ومشبوهة. غير أن الأغلبية ذاتها تتكون من مجموعات بشرية مختلفة ومتنوعة وذات مصالح متضاربة ومتناقضة، والفكر الإيجابي هو الذي يوحدها ويؤسسها كأغلبية متماسكة ومتناسقة. كما أنه ليست هناك أقلية واحدة وإنما أقليات متعددة تساند بعضها البعض أحيانا كما قد تتصارع وتتناحر في أغلب الأحيان .. أما الإنسان الفرد المكون للمجتمع فإنه متحرك ويمكن أن ينتقل من الأغلبية إلى الأقلية وبالعكس ومن مجموعة إلى أخرى وقد ينتمي إلى عدة أقليات في وقت واحد. وكل فرد حسب وضعه الإجتماعي والثقافي والإقتصادي يجد نفسه أمام عدة إختيارات في حياته الفكرية والنظرية والعملية فيما يخص هويته وإنتمائه. فقد يكون عاملا أو مزارعا، موظفا أو مدرسا، شرطيا أو جنديا، مهندسا أو طبيبا، سياسيا أو رجل أعمال … هذا فيما يخص العمل والجري وراء الرزق و قطعة الخبز، ولكن الإنسان لايعيش بالخبز وحده وطريقة حصوله على الخبز لا تحدد هويته. ولذلك يمكن لهذا الفرد أن يكون رجلا أو إمرأة، مؤمنا أو غير مؤمن بالدين، مثليا أو غير مثلي في حياته العاطفية والجنسية، يحب لحم الخروف أو يفضل الأعشاب والنباتات في وجباته اليومية… وفي جميع الأحوال عليه أن يتخذ موقفا تجاه المجتمع الذي يعيش فيه وطريقة الحياة وأسلوبها التي يقترحها عليه المجتمع، وليس له سوى خيارين لا ثالث لهما : أن يقبل أو لا يقبل العالم كما هو، يقبل أن يعيش كما يريد له المجتمع أن يعيش أم يرفض ذلك ويعيش كما يريد هو أن يعيش. في الحالة الأولى سينتمي إلى الأغلبية الساحقة من المواطنين ويصبح جزءا من المجتمع الإيجابي العملي البراغماتي الواقعي. وفي الحالة الثانية فإنه لايقبل ما يطرحه عليه المجتمع ويصبح من الرافضين السلبيين. وفي هذه الحالة أيضا يجد نفسه أمام خيارين : إما أن يكون متمردا فرديا، يحاول تحسين وضعه والنضال بقواته الخاصه لفرض طريقة حياته بمفرده مستعملا كل ما في قدرته وإمكانياته رغم عزلته ومحاصرته في قلعته الذاتيه لكي يحيا كما يريد وليس كما يريدون ويكون هويته بالصورة التي يختارها بإرادته. أما الخيار الثاني الذي أمامه فهو النضال الجماعي والإنضمام إلى مجموعة أكبر من الذين يشاركونه نفس الهدف ونفس الأمل في التغيير. فيلتحق بمنظمة أو نقابة عمالية إذا كان عاملا أو عاملة، بمنظمة للدفاع عن البيئة أو عن الحيوان أو عن المثليين أو عن المرأة أو عن المعاقين أو منظمات أخرى ضد التفرقة العنصرية، ضد العولمة، ضد الحرب، ضد السجن، ضد التعذيب إلخ. ونلاحظ في كل هذه الحالات عاملا مشتركا ووحيدا يجمعها في قضية واحدة وهي النضال ضد السلطة والهيمنة والتسلط بالمعنى الواسع، والتي تمارس من قبل الدولة ومؤسساتها المختلفة من جيش وشرطة وقضاء وأجهزة التعليم والصحافة والأدب والفن إلخ، ولكن أيضا ضد هيمنة المجتمع ذاته وأوليته على الفرد الذي يعاني من القوانين والعادات والتقاليد الإجتماعية التي تفرض عليه بطريقة سلمية أحيانا وبعنف لا مثيل له أحيانا أخرى. فالنضال مثلا للدفاع عن حقوق النساء أو حقوق المثليين، رغم التقدم الكبير الذي حققته أوربا في هذا المجال من الناحية التشريعية والقانونية، فإن مواصلة هذا النضال يبرره الضغط الإجتماعي المتمثل في العنف والتفرقة والإحتقار وعدم المساواة التي ما يزالون يتعرضون لها. بينما في بلدان العالم المتخلف وبلدان العالم العربي والإسلامي، فالنضال ما يزال قائما وضروريا على الجبهتين القانونية تجاه الدولة ومؤسساتها التشريعية، وعلى الجبهة والإجتماعية ضد العادات والتقاليد الرجالية. وهذا ما يجعل هذه الأقليات الإجتماعية تكون جمعياتها ومؤسساتها ومجلاتها ونواديها للدفاع عن حقوقها وهويتها النسائية أو المثلية أو كمسالم ضد الحرب أو ضد العنصرية أو كنباتي … إلخ. لاشك أن هذا التحليل المبسط لا يقنعنا كثيرا ليس فقط لأنه يعكس الصورة الواقعية للمجتمع كما هو، وكما يريدنا الفكر الممثل له أن نراه، ولكن لأن هذه الصورة هدفها بالذات هو تغطية واقع آخر لا نريد رؤيته وغير محتمل بالنسبة لهذا الفكر. ولذلك فليس غريبا ألا نندهش حين نرى أن النظام الرأسمالي‪‬الصناعي‪‬الديموقراطي لا تزعجه مطلقا هذه الحركات التمردية المتزايدة، بل أنه في كثير من الأحيان يشجعها ويرافقها ويستغل بعض مطالبها للقيام ببعض التغييرات الشكلية في بنية النظام أو إستغلال هذه الحركات سياسيا واقتصاديا وفتح أسواق جديدة للإستهلاك. إن هذه الحركات تمثل بطريقة ما صمام أمان لهذه المجتمعات ووسيلة للتمويه وإلهاء العناصر التي أصابها فيروس الرفض والتمرد، ورغم أنها تمثل بطريقة ما حركة رفض لبعض قيم المجتمع فإنها لا تعين ولا ينظر إليها مطلقا كعدو للمجتمع ولا تنعت بالسلبية أو بالتدميرية، ذلك أن أغلب عناصرها ينتمون للبرجوازية ولا يطالبون إلا بإصلاحات وتغييرات جزئية في النظام. وهذا في نهاية الأمر المؤشر لإنتصار الرأسمالية شبه النهائى، حيث انتهى عصر الثورات الإجتماعية، انتهى عصر صراع الطبقات وانتهى عصر الصراع والنضال ضد الرأسمالية والإستغلال من أجل مجتمع أكثر إنسانية، انتهى عهد الطبقة العمالية المنظمة على مستوى أوربا والعالم. لقد تمكنت الرأسمالية العالمية من القضاء على كل الزخم الثوري الذي ميز نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وتمكنت من تدجين القوى الثورية وتوجيهها لتكوين هذه التجمعات والقضايا المبعثرة والمعزولة بعضها عن الآخر وتشجيع هذه المطالب الخصوصية والتي لا تهم في نهاية الأمر سوى قلة قليلة من المواطنين. الرأسمالية تمكنت من تطوير نفسها لتنهش حقوق العمال وتمكنت من قمع كل الثورات وتحويلها لصالحها وتمكنت من القضاء على كل فكر يناهضها وخلقت حولها فراغا سرمديا يبعث على اليأس وفقدان الأمل في كل فرصة لتحسين وضع الفقراء والمهمشين. الرأسمالية أصبحت هي القوة الوحيدة المسيطرة والمهيمنة على العالم بأسره، غير أن هذه الهيمنة واستعمار الكرة الأرضية من قبل الماكدونالدز والكوكاكولا ونيستلي ونايك وغيرهم من الشركات والمؤسسات الإستغلالية مصحوبة بحاملات الطائرات والقواعد العسكرية الأمريكية والفرنسية والبريطانية، هذه الهيمنة لم تتم بواسطة القوة والسلاح والصواريخ وحدها، كما أن هزيمة وتلاشي فكرة الثورة وتغييب فكرة الصراع الطبقي عن ساحة النضال الإجتماعي وإستبدالها بهذه القضايا الفرعية المبعثرة لم يتم بقوة الجيش والشرطة وأجهزة الإعلام وحدها، وإنما بمساعدة ومساندة جيش من المثقفين والفنانين وفيالق من علماء الإجتماع والفلاسفة والإخصائيين في السياسة والإقتصاد. منتجي الثقافة هؤلاء منذ أكثر من نصف قرن وهم يحطمون حجرا حجرا وفكرة فكرة كل الميراث الثوري وكل ما بناه النضال العمالي خلال قرنين من الزمان، ونظروا وروجوا لأولوية الحرية الفردية على العدالة الإجتماعية.