حينما يصبح الدين الإسلامي مهزلة بدُعاته

صادق إطيمش
2016 / 8 / 7

حينما يصبح الدين الإسلامي مهزلة بدُعاته

السنين الماضية التي كثرت فيها الفضائيات التي جمعت كل ما هب ودب من المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة ممن يطلق عليهم البعض دعاة الدين الإسلامي والعاملين على نشر الفضيلة من خلال إبراز كل ما يمكن ان يدفع الناس للتدين والإيمان بالإسلام . واستمر هؤلاء الدعاة خلال هذه السنين الطوال ينشرون القصص والأحاديث والروايات التي يحاولون من وراءها كسب الثواب بتقريب الدين الإسلامي وتعاليمه وثوابته إلى اكبر عدد من الناس، ولا ندري إن كانوا مجدين في ذلك ام ان هناك غاية في نفس يعقوب. ومن يتمعن في مثل هذه الأحاديث والروايات يجد ان الكثير منها يحاول ان يداعب عواطف الناس ومشاعرهم غير آبهة بمخاطبة عقولهم وافكارهم بالرغم من ان الكثير من النصوص الدينية الإسلامية تؤكد على توجيه الخطاب الديني لقوم يعقلون او لقوم يتفكرون او لأولي الألباب. وما يثير الإشمئزاز في كثير من احاديث وقصص هؤلاء الدعاة هو ان معظمها او بعضها لا يأبه حتى بوجود او عدم وجود مساحة ولو ضئيلة جداً من العقل او الفكر الإنساني يستطيع من خلالها تمييز الغث من السمين في مثل هذه الأحاديث المليئة بالكذب والخرافات والإعتداء السافر على فكر الإنسان وعقله الذي تميز به عن سائر الأحياء الأخرى.
لا اريد هنا ان اشير إلى العشرات ، بل المئات من هذه الأمثلة التي نعيشها كل يوم صوتاً وصورةً على صفحات مواقع التواصل الإجتماعي. إلا ان ما يهمني هو التصدي لمثالين من هذه الأكاذيب التي استطيع ان اواجهها شخصياً باعتبارها تتعلق بتاريخ وثقافة بلد اعيش فيه منذ عشرات السنين ومهتم بالإطلاع على تاريخه الذي تمسه خرافات الدعاة الإسلاميين هؤلاء. المثالان يتعلقان بالتاريخ الالماني في حقبة الحكم النازي الدكتاتوري وزعيمه المجرم هتلر.

المثال الأول ساقه الداعية الشيخ عمر عبد الكافي والذي يمكن الإطلاع عليه ( لم استطع نقل الفيديو لأسباب فنية) من خلال البحث في الكوكل تحت عنوان :(الشيخ عمر عبد الكافي وهتلر). يقول الشيخ الداعية هذا:
" اراد هتلر ان يعبأ شعبه الألماني للحرب. فجمع مستشاريه وقال لهم اريد مطلع لخطبة يهز الناس. فكان هناك واحد من اصول عربية وقريب من هتلر فدَّله على الآية " إقتربت الساعة وانشق القمر" وبدأ هتلر خطابه بهذه الآية القرآنية. وهذا كله من فضل القرآن ." إنتهى قول الشيخ.
ويتبع هذا القول من الداعية الشيخ عمر عبد الكافي خطبة حماسية لهتلر باللغة الألمانية لا علاقة لها البتة بما زعمه الشيخ. ومن الممكن هنا ان سماحة الشيخ العلامة هذا قد راهن على جهل الناس بما يقوله هتلر في هذه الخطبة الحماسية ككل خطب هذا المجرم الأخرى.
لم ادخر وسعاً في التنقيب في ادبيات هذه الحقبة التاريخية في المانيا، فلم اجد لا في اللغة الألمانية ولا في اللغة العربية ما يشير إلى هذه الحادثة من قريب او بعيد. وحينما ذكرت هذا الحديث، ولم استطع ان اخفي خجلي، على بعض من لهم علاقة بالتاريخ الألماني من الألمان انفسهم واجهوني بابتسامة توحي بانني قصصت عليهم نكتة عابرة.
لم يخبرنا الشيخ الفقيه عمر عبد الكافي هل ان هتلر تكلم بهذه الآية باللغة العربية ؟ وهل كان حقاً يتقن اللغة العربية بحيث يستطيع ترديد هذه الآية بنفس التأثير الذي تحدثه اللغة العربية في السامع ؟ او هل ان هتلر قالها باللغة الألمانية بحيث يفهمها الشعب الألماني على انها تحريض على الحرب ؟ وأين هي هذه الترجمة التي قالها هتلر ؟ سأكون انا شخصياً شاكراً للشيخ الداعية لو دلني على المصدر الذي استقى منه هذه المعلومة لاسيما وأنه قال بانه استقى ذلك من خلال دراسته لتاريخ هتلر. وحينما نتكلم عن المصادر هنا فإننا نعني بها طبعاً المصادر العلمية الموثقة وليس إدعاءات فقهاء السلاطين.

اما المثال الثاني والمتعلق بالتاريخ الألماني وبهتلر ايضاً بالذات، ويبدو ان الجماعة مفتوحة شهيتهم على هتلر وجرائمه، فهل يعني ذلك ما يشير إليه المثل : شبيه الشيئ منجذب إليه ؟ هذا المثال يسوقه لنا الروزخون القارئ الحسيني السيد محمد باقر الفالي حيث يقول سماحته :" يوم حوصرت إحدى قلاع هتلر من قِبَل الجيش الروسي، ارسلوا إلى هتلر في القيادة المركزية بان الحصار قد وقع علينا فامدنا بالمدد فقال لهم هتلر: تأسوا بالحسين واهل بيته واصحابه ، وفعلاً ثبت الألمان وانتصروا باسم الحسين ." انتهى قول السيد .
وهنا ايضاً لم يسعفنا التقصي في التاريخ الألماني باللغتين العربية والألمانية من وجود اثر لهذه القصة التي لم يخبرنا فيها السيد الروزخون متى كان ذلك ؟ وفي اي حصار؟ وكيف انتصر الألمان والكل يعلم انهم انهزموا في الحرب وتكبدوا كما كبدوا الشعوب الأخرى عشرات الملايين من القتلى والجرحى والمعوقين والمفقودين في حربهم القذرة التي شنها الدكتاتور المجرم هتلر وحزبه النازي على هذه الشعوب.

أكاذيب هؤلاء وخزعبلاتهم وتطاولهم على عقول الناس وبدائية تفكيرهم لا حدود لها ، خاصة في هذه الأيام التي تعلوا فيها اصوات الطائفيين وتابعي الإسلام السياسي بكل توجهاته ومذاهبه التخريبية. وهذه احدى المشاكل العصية على الحل في الوقت الحاضر طالما ظل الجهل والتسويف والتبعية العمياء لكل من إدعى بانه يملك ناصية الدين فينشر الفتاوى والأفكار والقصص والأحاديث المختَلَقَة التي سوف لن تجلب لمجتمعاتنا غير دوام التخلف وبالتالي فقدان هذه المجتمعات للتحكم بشؤونها ذاتياً وسيرها وراء عجلة التاريخ.
الدعوة هنا لكل من يعي خطر هذه التوجهات وخطر استمرارها على هذه الشاكلة المخزية والمقززة ان يساهم بانقاذ دينه من هذه المهازل، إن كان يؤمن بدينه إيماناً عقلياً عقائدياً ويحرص على سمعته بالتلوث بمثل هذه القذارات. او إنقاذ مجتمعه من هذه الشرور، إن كان يسعى لتحقيق السلام الإجتماعي بعيداً عن تفويض مشايخ الضلال للدين المؤدي إلى تقويض المجتمع. اوإنقاذ الثقافة العربية الإسلامية من هذه التوجهات البدائية التي تجعل مثل هذه الثقافة وكل ما يتعلق بها من تاريخ مهزلة امام العقل البشري. لا يهم سبب التوجه للوقوف بوجه هذه الضلالات، المهم التصدي لها وإنقاذ بسطاء الناس من شرورها والدعوة الجدية المخلصة لتبني العمل على ايقافها والوقوف بوجه مروجيها في وسائل الإعلام.

ملاحظة ورجاء للسيدات والسادة المعلقين بادخال الفيديوات المتعلقة بهذين المثالين ضمن تعليقاتهم، إن استطاعوا لذلك سبيلاً، مع الشكر الجزيل

الدكتور صادق إطيمش