الديمقراطية التي يريدها الشرق الاوسط

أحمد الهدهد
2016 / 8 / 4

لقد أبعدت الأحداث الجهادية الأخيرة في فرنسا وباكستان و نيجيريا والعراق و سوريا الانتباه العالمي بعيدا عن الظروف السياسية في منطقة الشرق الأوسط التي ساعدت بشكل غير مباشر في إنتاجها. في تركيا و مصر فشلت "الديمقراطية الإسلامية " وبات الفشل المحتمل له تداعيات طويلة وعميقة للمنطقة بأسرها .
من شمال غرب أفريقيا الى جنوب آسيا ،يعتقد أغلبية المسلمين حسب الاستطلاعات التي تجري بشكل روتيني أن بلادهم إما ان تعتمد اعتمادا حرفيا الشريعة والقانون المستمدة من النصوص المقدسة للإسلام ، أو على الأقل اتباع المبادئ من تلك النصوص . العلمانية التي فرضتها الحكومات المتعاقبة على تلك الشعوب منذ سنة 1920م من خلال تسلطها وتعاليها لم تلاقي القبول في هذه المنطقة الشاسعه لحد الان .
منذ أن تولى السلطة في عام 2002 ، حزب العدالة والتنمية الحزب الحاكم في تركيا كان قد دعى العالم تجربته في بناء نظام اسلامي ديمقراطي ( على الرغم من أن قادته يصرون على مصطلح " الديمقراطية المحافظة " ) . السنوات الأولى من حكومة حزب العدالة والتنمية تحت رجب طيب أردوغان تبدو واعدة ، حيث نما الاقتصاد والمفاوضات مع الانفصاليين الاكراد تقدما ، و تركيا تحركت نحو عضوية الاتحاد الأوروبي . حزب العدالة والتنمية فاز نسبيا العديد من الانتخابات . وبات الان الموقف غير واضح بعد الانقلاب الاخير ويحتاج الى فترة لإعادة قراءة المشهد السياسي في تركيا بعد اقشاع الضباب .
في الوقت نفسه ،بات واضح من خلال الربيع العربي أن مسلمي الشرق الأوسط يريدون من الحكومات التي هي مسؤولة أمامها نوعا من الديمقراطية الإسلامية .
تاريخيا إن ما قام به السلاطين [العثمانيين] من محاولة للإصلاح على الطريقة الغربية يعادل أضعاف ما فعله الكماليون بعد الحرب الكبرى وأن الكماليين لم يفعلوا أكثر من إتمام ما بدأه السلاطين
وكل ما سبق مهّد الطريق للخطوة الأخيرة في القضاء على الشريعة وتنحيتها تماماً عن الحكم والسياسة وذلك فيما فعله (كمال أتاتورك) سنة 1342 هـ -1924م حينما ألغى الخلافة الإسلامية واتخذ دستوراً مدنياً وألغى المحاكم الشرعية [فلم يترك إلغاء الشريعة في الهند 1856م و إلغاؤها في الجزائر 1830م نفس الأثر القاصم إثر إلغاء الشرعية في تركيا ذلك لأن تركيا دولة الخلافة وبقية البلاد في ذلك الوقت أطراف لم تتأثر بها سائر البلاد كما تأثرت بعاصمة الخلافة حينما نحت الشريعة وألغيت الخلافة .
وبهذا انتهت الصلة بين الحكم والسياسة ، وانقطعت بوضوح بلا مورابة ولأول مرة في تاريخ المسلمين وفي جميع المجالات السياسية والاقتصادية والدينية ، وأصبح الدين محصوراً في المسجد ودود العبادة وزوايا الصوفية والله المستعان .
الحضارة المعاصرة العلمانية قامت منذ لحظتها الأولى على العداء للدين ذلك لأن الدين في أوربا بصورته الكنسية التي كانت هناك لم يكن يسعَ إلى تحسين أحوال البشر على الأرض أو إزالة المظالم السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تقع عليهم وإنما كان يدعو إلى الزهد في الحياة الدنيا برمتها وترك كل شيء على ما هو عليه لأن فترة الحياة الدنيا – زعموا – هي أقصر وأضأل من أن يحاول الإنسان تعديل أوضاع الناس فيها وإن احتمال المشقة في الحياة الدنيا واحتمال ما فيها من المظالم لهو لون من التقرب إلى الله عز وجل يساعد على الخلاص بل ذهبت إلى أكثر من ذلك حين علمتهم : أن الرضا بالواقع السيء وعدم محاولة التغيير هو الرضا بقدر الله عز وجل وأن عدم الرضا هو من التمرد على إرادة الله عز وجل لقد كان الدين الكنسي يحارب العلم ويحجر على الفكر ويحتقر الجسد ويعذبه من أجل صلاح الروح في الوقت الذي يبيح للإقطاعيين أن يمتصوا دماء الفلاحين ويتمتعوا كما يشاءون.
لقد قامت النهضة الأوربية كرد فعل على الكبت الذي وقع على الناس بسبب الفهم الكنسي للدين ولقد اندفعت أوربا في نهضتها تنزع كل ما في طريقها مما يمت إلى الدين بصله ، وتضع محل كل ذلك معالم بشرية من إنتاج البشر تستبدل بها كل ما يتصل بالآخرة وكان .. إبعاد الدين في الحضارة المعاصرة عن سائر جوانب الحياة .
أما إبعاد الدين عن السياسة في أوربا فقد سبق ذلك بكثير منذ زمن اعتناق الدولة الرومانية للمسيحية إذ أنها اعتنقتها عقيدة فقط ولم تأخذ من الشريعة إلا بعض الأحوال الشخصية والأمور المدنية

الديمقراطية الغربية تاريخها السياسي طويل حيث أنها ظهرت مبادئ قبل أن تظهر في التطبيقات فقد تبنت المبادئ الليبرالية ثلاث ثورات سياسية كبرى قبل أن تصبح تطبيقاً في الواقع وتلك الثورات هي الثورة الإنجليزية عام 1668 م ، ثم الثورة الأمريكية عام 1776 م ، ثم أخيراً الثورة الفرنسية عام 1789 م ، وقصارى ما ميز الفكر السياسي حينذاك هو معارضة السلطة المطلقة للملوك والتي كانت أباطرة أوربا تسلطوا بها على الشعوب الأوربية بناء على مبدأ الحق الإلهي) الذي يبرر للحكام ما يفعلون ويمنع في ذات الوقت الاعتراض والنقد لهم وقد كان السوفسطائي الراديكالي (ثراسيما خوس) صادقاً حين رفض كلية فكرة نظام الحكم الأفضل وأنه لا يوجد نظام سياسي صالح لكل زمان ومكان ، لأن النظام عادة يضعه الأقوياء لإشباع غرائزهم في السيطرة ولخدمة أنانيّتهم. أما ( أفلاطون) فقد انتقد النظام الديمقراطي ووصفه بأنه غير أخلاقي لأن الحرية الكاملة التي قام عليها قادت إلى الفوضة والدمار .وكذلك (أرسطو) .
وكان أحد أشهر كتاب الصحف الأمريكيين قد وضع كتاباً بعنوان ((أفضل ديمقراطية يمكن شراءها)) أثبت خلاله بالأرقام فساد السلطة في أمريكا ووحشية الأساليب السياسية التي ينتهجها الاقتصاد العالمي بقيادة الدول الصناعية الكبرى.

أصل الأزمة الحالية للمسلمين هو المتنافسين في النضال من اجل العلمانية ، رائدها أتاتورك ، مؤسس الجمهورية التركية . والإسلاموية التي صاغها مفكرون مثل السني حسن البنا و الشيعة روح الله الخميني . الكثير من علماء المسلمين و غير المسلمين ، والصحفيين ، والسياسيين في الآونة الأخيرة قد توصف الديمقراطية الإسلامية كحل هجين لهذا الصراع الطويل.

يمكننا الاستمرار في الجدل حول ما إذا كان تراجع الديمقراطية الإسلامية لا مفر منه أو بسبب عوامل أخرى . يمكننا التشكك في ما إذا كان وقت الديمقراطية الإسلامية قد مر ، أو لم يحن بعد . ما هو واضح هو أن أزمة الشرعية في منطقة الشرق الأوسط ما زالت مستمرة، مع وضع حد لم يعد في الأفق .
عبارة "الديمقراطية الإسلامية " تبدو غير متماسكة في الأذن الغربية ، و الواقع ان أي ديمقراطية إسلامية لا يمكن أن تكون ليبرالية ، بمعنى الفردانية و العلمانية الذي يعنيه هذا المصطلح اليوم لن تكون ذات مقبولية غربيا.