تدمير الاسلام بالمسلمين

أحمد الهدهد
2016 / 8 / 4

ليس سحرا انه ما تم التخطيط له والاستثمار فيه طويلا من قبل الفكر المتطرف الغربي والمشروع في حيز التنفيذ بدءا من الشرق الاوسط حيث يكتسب الشرق الاوسط خطورة واهمية كبيرة بالنسبة لأوربا، فأنه طيلة التاريخ جهدت القوى الاوربية الفاعلة من اجل اضعافها والسيطرة عليها: الرومان، الصليبيون، ثم الفتوحات الاستعمارية في القرون الاخيرة، حتى سياسة التغلغل والاضعاف والسيطرة الممارسة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى الآن!
بالاعتماد على هذا الفهم لتاريخ العلاقة بين الشرق ـ والغرب، فأن الغرب وضع استراتيجيته التي تتمحور حول الهدف الرئيسي والنهائي المتمثل بمنع اية امكانية لتوفر شروط ثقافية ودينية وسياسية واقتصادية مستقرة وآمنة تسمح لشعوب المنطقة بأن تتقارب وتتعاون وتبني قوة حضارية كبيرة قد تشكل مستقبلا امبراطورية خطرة تهدد سلامة االغرب، ومصالح امريكا بالذات!! بأختصار شديد، ان سلامة الغرب وامنه يستوجب الضمان الاكيد بوجود انظمة ملائمة ومتحالفة مع الغرب ومع امريكا بالذات. وليس هنالك اية امكانية لتحقيق هذه الضمانة الا باللجوء الى المبدأ المعروف(النظام ينبثق من الخراب)، أي العمل على تهيأة جميع الاسباب لتدمير المنطقة بكاملها من اجل إعادة بنائها، دول وشعوب وثقافات وقناعات ومصالح، بما ينسجم تماما مع مصالح الغرب.
ان هذا الهدف الاستراتيجي للتدمير الكامل يعتمد على توفير العامل الاساسي عن طريق خلق التوتر والعداء والتعصب بين الجماعات الاساسية التي تتكون منها مجتمعات الشرق الاوسط. صحيح ان هنالك ما لايحصى من الدول والجماعات السياسية والقومية والدينية، الا انهم قد توصلوا الى تحديد جماعات فعالة تعتبر اساس مجتمعات الشرق، وهي:
ـ المسلمون السنة، المسلمون الشيعة، العلمانيون، المتدينون، اليهود، المسيحيون، بالاضافة الى الجماعات القومية المختلفة من عرب واتراك وفرس واكراد، وغيرهم.
اما التطبيق الفعلي فقد تركز على المبدأ عدم الاكتفاء بأختلاق المشكلة... بل العثور عليها والمساعده على استفحالها. بناء على هذا المبدأ شرعوا لتكوين لجان مختصة التي تضم العديد من الباحثين من ابناء الشرق الاوسط وغيرهم في مختلف المجالات، للتنقيب عن المشاكل الكبرى الكامنة تحت الارض والمعتم عليها، من اجل اظهارها وانضاجها وتفجيرها. وعليه فقد رسمت استراتيجيتهم على المحاور الاساسية التالية:
اولا، تدمير الاسلام من خلال خلق العداء والتناحر بين الشيعة والسنة. ان هذه النقطة تعتبر من اهم واخطر اهداف الاستراتيجية الكبرى في اضعاف المنطقة وانهاكها وتغذية روح الضغينة والحروب بين شعوبها.
يتوجب التوضيح الى انهم يمتلكون نظرة الى الاسلام والمسلمين لميتجرأو على ان يفصحوا عنها بصورة علنية. لقد اقتنعوا بأن الاسلام، وبعد هزيمة الشيوعية، ظل هو العقيدة الوحيدة في العصر الحديث التي تمتلك هذه الطاقة الروحية العجيبة في مواجهة الحضارة الغربية بكل جبروتها وعنفوانها. اكثر ما اثار دهشتهم في المسلمين، انهم مهما اعترفوا بضعفهم وتخلفهم الحالي، الا انهم يصرون على امتلاك تلك القناعة الدينية العميقة بأن(الله والحق) معهم. ومهما اعترفوا بأن الغرب حاليا هو الغالب والمهيمن والمالك للحضارة والعلم، الا انهم رغم ذلك يصرون على التمسك بـ(ماضيهم التليد) و(مجتمعهم السالف العظيم) الذي حسب اعتقادهم، يفوق بعدله وعظمته الحضارة الغربية الحالية! وبالتالي هم يمتلكون كل المبررات للنظر بعين الاحتقار للحضارة الغربية الحالية، من اجل بناء حضارتهم الاسلامية الموعودة.
لهذا فأن الغرب قرر اللجوء الى الحل السحري المعروف لتدمير اية عقيدة عنيدة، أي من خلال المؤمنين بها انفسهم. نعم تدمير الاسلام من خلال المسلمين انفسهم. منذ اعوام الخمسينات و أشتغل الغرب على هذا الهدف بصورة هادئة وحساسة باذلين الجهود والاموال الطائلة، حتى نجحوا اخيرا في بلوغ مرحلة متقدمة. لقد توصلت لجان باحثيهم التي تضم مسلمين ومختصين بالاسلام، الى اهم خطوة من اجل ذلك، وتكمن بخلق قطبين متناحرين يشقان الاسلام والمسلمين في الصميم. هكذا في نهاية اعوام الخمسينات، وقع اختيارنا على ان تكون العربية السعودية مركز القطب السني، وايران مركز القطب الشيعي. لقد اشتغلوا بمهارة ودبلوماسية على الدوليتن. فمن ناحية، اوحوا وشجعوا السعودية على نشر الفكر الوهابي بين الحركات الاسلامية وخصوصا الاخوان المسلمين وبناء الجوامع والمؤسسات الوهابية في انحاء العالم الاسلامي والجاليات المسلمة، وتشجيع الافكار السلفية والمتعصبة ضد الشيعة خصوصا. من ناحية ثانية، استعانوا بحليفهم شاه ايران لكي يدعم تأسيس الاحزاب والمؤسسات الدينية الشيعية في العراق ولبنان وباكستان وغيرها من البلدان. لكنهم للأسف اضطروا للتخلص من حليفهم الشاه عندما بلغوا المرحلة الثانية من المشروع كما تخلوا عن صدام مؤخرا لإحداث الصدمة، اذ دعموا ولا زالوا يدعمون خفية سلطة الملالي في ايران لكي تكتسب مشروعية اقوى كزعيمة دينية طائفية لشيعة العالم، مرادفة للعربية السعودية كزعيمة سلفية للسنة.
في اعوام السبعينات استفاد الغرب كثيرا من ردود فعل المسلمين ضد الاحتلال السوفيتي لافغانستان، وبالتعاون مع السعودية، استثمروا الكثير من العناصر الشابة المسلمة الثائرة التي وافقت على التعاون معهم لمكافحة الوجود السوفيتي، وشرع الغرب من خلال عملائه بتأسيس الحركات السلفية الاسلامية وعلى رأسها الطلبان والقاعدة. من يصدق بأن (ثقافة العمليات الانتحارية الاسلامية) الغرب من ابدعها ، ثم نجحوا من خلال عملائهم ببثها بين الاسلاميين الجهاديين لكي يمارسونها في عملياتهم الارهابية ضد اخوتهم المسلمين انفسهم!
كانت ذروة النجاح في هذا المجال، ما يسمى بـ(كارثة 11 سبتمر 2001). نعم ان عملية تدمير البرجين في نيويورك كانت من صنع(القاعدة)، لكن ن من صنع القاعدة، و من هيأ كل اسباب نجاح هذه العملية. فبأسم مكافحة الارهاب الاسلامي، تمكن الغرب المتطرف من استعادة كل قواه وتنظيم صفوفه وابعاد وتصفية كل المعارضين لهم في داخل القيادات الامريكية والغربية، وحركوا اساطيلهم لغزو العالم بدأ من افغانستان ثم العراق.
لا زالت هذا الحركات السلفية تخدم المشروع بصورة مباشرة او غير مباشرة من خلال مساهمتها الفعالة في تدمير العالم الاسلامي وتأجيج التناحر الدامي مع الشيعة. لقد تمكنوا من خلق شبكات بعيدة عن الشبهة رغم تبعيتها السرية لهم، لكي تغذي وتدعم ماليا وعسكريا ومخابراتيا هذه الحركات الاسلامية العنفية، لانهم ادركوا وادركنا انها بالحقيقة مهما صدقت بمعادات الغرب وامريكا ومهما نجحت بقتل بعضا من جنودنا، الا ان مهمتها الاولى والكبرى تبقى محصورة في تدمير العالم الاسلامي واضعافه من الداخل، ومنح الغرب المتطرف كل التبريرات لكي يبعد معارضيه ويمارس هيمنته على العالم بحجة مكافحة الارهاب!
وكانت الخطوة الاخيرة في المشروع التدميري للاسلام، تتمثل في احتلال العراق لتحويله الى ساحة للصراع الدامي والشامل بين القطبين الشيعي والسني.
ثانيا، منع أي تقارب بين الجماعات القومية الاساسية التي تشكل الشرق الاوسط، من خلال دعم التيارات القومية العرقية المتعصبة ذات الاحلام الامبراطورية والتوسعية، مثل تيارات القومية العربية والايرانية والتركية والكردية. فتيار القومية العربية مثلا، قد لعب دورا كبيرا في تأسيس وبث ثقافة الحقد القومي المتعصب ضد جيران العرب من اتراك وايرانيين، وكذلك فرض ثقافة العزل والتغريب للجماعات القومية غير العربية التي تتعايش مع العرب في ذات اوطانهم، مثل الاكراد والتركمان والزنوج وغيرهم. لقد نجح الغرب في منع أي تفاهم وسلام بين الاكراد وشركائهم في اوطانهم، من خلال دعم الجماعات القومية الكردية المتعصبة والانفصالية ومدها بالسلاح والدعم المعنوي والاعلامي. ان لجانهم المختصة هي التي صنعت للأكراد تلك الفكرة الرومانسية عن(كردستان الكبرى) وضخت في متعلميهم تلك الأساطير القومية والأوهام الكبرى عن تراث قومي عظيم، ليس له أي اساس من الحقيقة الا في داخل لجانهم المختصة. بهذه الآيدلوجية القومية المتعصبة تم تغذية تلك الاحزاب والحركات التمردية الانفصالية في بلدان الشرق الاوسط من اجل اضعاف أي حكومة قوية قادرة على توفير السلام والاستقرار. لسؤ الحظ ان الاكراد، رغم كل هذه التجارب الطويلة والكوارث المستمرة، لم يدركو حتى الآن ان الرابح الوحيد من كل هذه التمردات، الغرب وحده ومشروعه التدميري، بالاضافة الى تلك القيادات القومية المدعومة من الغرب. لا زالوا حتى الآن بكل حماس يقدمون انفسهم كوقود للمحارق القومية التي يطبخ عليها المشروع الغربي.
ويستمر المشروع ونحن هنا شهود على زمنه في اعتى مراحل تكونه واشتعال اتون ناره ليس لنا الامجاراة الاحداث وتدوين مذكرة شاهد على العصر للاجيال القادمة.