ليكن العراق مركزا للسلام والحوار والتقارب الشرق الاوسطي والعالمي

أحمد الهدهد
2016 / 8 / 4

ان طبيعة العراق، تاريخيا وجغرافيا، فرضت عليه دائما اما ان يكون محتلا من قبل الجيران او هو الذي يحتلهم. لهذا فأن الروح والحضارة العراقية، (عكس الروح المصرية الوطنية الانغلاقية)، ظلت دائما توسعية خارجية من جميع النواحي: ثقافيا وسياسيا وسكانيا وعسكريا. وهذه الطبيعية الانفتاحية الخارجية، هي سر العبقرية العراقية وسر الخراب ايضا. فهي التي منحت العراق والعراقيين هذا الخصب الابداعي والدور الحضاري الحاسم في التاريخ، ولكن هي ايضا التي جلبت على العراق والعراقيين هذه التبعية للقوى الخارجية وسهولة التخلي عن الهوية الوطنية والانقسام والتصارع بتأثير هذه التبعية. ان هذه الروح الخارجية العراقية سليقة لا يمكن ابدا التخلص منها. لكنها طاقة، مثل أي طاقة، يمكن استخدامها للتدمير او للبناء، حسب وعي النخب وقدرتها. ومشكلة العراق منذ تاسيس الدولة في العصر الحديث ان نخبه لم تنتبه لهذه الخاصية التوسعية التاريخية، بل خضعت لها بصورة سلبية وغير واعية، من خلال رفض مفهوم(الهوية الوطنية والامة العراقية) وتبني آيدلوجيات قومية ودينية واممية توسعية امبراطورية تدعو للحروب والتعصب والسيطرة على دول الجوار. فليس صدفة ابدا، ان جميع القوميات العراقية تبنت بشكل صريح دعوة الغاء الحدود العراقية الحالية وبناء دول قومية كبرى على حساب دول الجوار: الوطن العربي الاكبر، كردستان الكبرى، الخ. كذلك الاسلاميين الشيعة والسنة، كل منه يدعو الى دولته الاسلامية الكبرى. ناهيك عن الشيوعيين الذين قدسوا الاممية العالمية بصورة خنوعية وتبعية كاملة لعواصمهم المقدسة، مثل موسكو وبكين والبانيا وكوبا، وهلم جرا. بالاضافة الى عقائد تقديس العنف المسلح وشن الحروب الصبيانية باسم تحرير كردستان وفلسطين والجولان والاحواز والاسكندرونة والكويت والصومال وزنجبار، وهكذا دواليك. حتى بدى العراق في العصر الحديث وكأنه سوق شعبية كبرى لبيع وشراء العقائد والشعارات الثورية الامبراطورية العنفية والمؤامرات الداخلية والاقليمية!
آن اوان النخب العراقية ان تدرك هذه الحقيقة: ان آيدولجيات التوسع والامبراطوريات القومية والاسلامية والاممية، هي التي جلبت كل هذه الكوارث الى بلادنا، وهي التي تخيف جيراننا الايرانيين والاتراك والسعوديين والكويتيين والسوريين والاردنيين، كذلك اسرائيل وباقي القوى الغربية، وتدفعها لعمل المستحيل من اجل التدخل في العراق وشراء ذمم قادته ونخبه وتدبير المؤامرات وتأليب بعضهم ضد البعض وتوريطهم بحروب داخلية وخارجية.
آن اوان النخب العراقية ان تجعل من (ثقافة الهوية الوطنية) محور كل برامجها وافكارها، وبنفس الوقت تعمل على تحويل الطاقة التوسعية الخارجية العراقية الى طاقة ايجابية للتوسع السلمي الانساني الصداقي والمصالحي. لنجعل من شعار: (السلام والحوار مع اسرائيل)، و(والوحدة السلمية الديمقراطية لشعوب الشرق الاوسط ) شعاراتنا الكبرى المقدسة الثابتة التي نكتبها بكل صراحة في برامجنا الحزبية ودستورنا، ونتبناها رسميا وشعبيا ونجهد بكل صدق لتحقيقها. نعم ان سلام ووحدة الشرق الاوسط وحده فقط الكفيل بتحقيق السلام والاستقرار في بلادنا. لتكن ثقافة السلام واحترام حدود الوطن والسلم مع الجيران ثقافة سائدة في المدارس ووسائل الاعلام. وان يصبح من العار والخيانة لأي حزب يتبني شعارات قومية ودينية توسعية تحتقر حدود الوطن وتبرر الحروب مع الجيران، كشعار(كردستان الكبرى) و(حق تقرير المصير) الذي يعني بكل بساطة وصراحة حق تقسيم العراق ودول الجوار وشن الحروب القومية الانفصالية ضدها، وبالتالي تغذية المخاوف والتوترات والاحقاد بين شعوب الشرق الاوسط!