الخلاف لم يكن رحمة دائمًا

مصطفى مجدي الجمال
2016 / 8 / 4

لا أجد أسلوبًا لكتابة هذه المقالة سوى الأسلوب المباشر المبسط.. بعيدًا عن "المعاظلات" الخطابية أو التجريد المبالغ فيه.. وحبذا لو كانت التجارب التاريخية حاضرة في الحديث لتثري الموضوع وتفيد من يشارك فيه.

حدث في سبتمبر 1980 أن كنت أحد منظمي اجتماع سري أشبه بالمجازفة التاريخية الكبرى شارك فيه عشرات من المناضلين اليساريين ذائعي الصيت وقتذاك بالمواجهة البطولية ضد نظام السادات.. وكانت الإجراءات الأمنية لتنظيم هذا الاجتماع الأول من نوعه منذ عقود.. كانت الإجراءات شديدة الصرامة والتعقيد، خاصة وأنت أمام عدد كبير جدًا من الملاحقين أمنيًا، سياسيين ومثقفين وعمالاً وفلاحين ومهنيين وطلابًا، وكل واحد لا يعرف من الحاضرين معرفة شخصية إلا عددًا محدودًا.. يجتمعون في مكان واحد، وببرنامج زمني يتطلب ألا يستغرق أكثر من 24 ساعة..

كانت هناك وثائق استراتيجية مهمة مطروحة على جدول الأعمال.. ورغم أن القضايا المطروحة كانت بالغة الأهمية مثل تحديد طبيعة السلطة الساداتية، وطبيعة المرحلة الثورية والجبهة المزمعة، والقضايا العربية والدولية، إلى جانب القواعد والأساليب التنظيمية.. الخ. فقد تضمن أحد المشروعات المطروحة للنقاش نقطة برفض مشروع إنشاء مترو الأنفاق في القاهرة، لأسباب مالية (عجز الموازنة والاستدانة) وفنية (خطورة المشروع على مساكن القاهرة القديمة) وقانونية (خاصة بالعقود والاحتكارات الأجنبية)..الخ. غير أن الأغلبية المدركة لأهمية المشروع لم ترَ مانعًا في تأكيد هذه التحفظات ولكن دون رفض المشروع من الأساس.. وانبرى كل جانب للدفاع عن وجهة نظره، وأخذت مناقشة هذه النقطة وقتًا أطول مما ينبغي (بالنسبة لطبيعة وظروف الاجتماع).. فما كان من مدير النقاش إلا أن تدخل ونهر الجميع بأننا لن ننقسم "تنظيميًا" بسبب هذا الخلاف.. ولن يضيرنا شيء لو صدرت الوثيقة موضع النقاش بدون هذه النقطة أصلاً..

يلاحظ أن هذا الخلاف كان في قضية تفصيلية جدًا (بغض النظر عن دلالاتها)، وقد تعمدت ضرب المثل به هنا كي أساعد في تجسيم القضية أكثر.. ولكن كانت هناك دائمًا خلافات تكتيكية "موضوعية" كثيرة في نطاق الحركة اليسارية ككل.. وقد استنزفت هذه الخلافات طاقات كثيرة وأضاعت فرصًا عديدة للتحالفات اليسارية.. فمثلاً كان هناك خلاف كبير حول قبول عبد الناصر لقرار مجلس الأمن رقم 242، فهناك من اعتبره استسلامًا للعدو وتنازلاً خطيرًا عن مبادئ الثورة المصرية، وتبعية بليدة للموقف السوفيتي من الصراع في الشرق الأوسط.. وبالمقابل رأى الطرف الآخر أنه يجب النظر لقبول القرار في سياق توازن القوى بعد هزيمة 1967 والإعداد لتحرير الأرض، وأن واجبنا هو منع هذا التنازل التكتيكي من التحول إلى تنازل استراتيجي ومبدئي.. إلى هنا والخلاف أمر عادي.. لكنه لم يكن يستدعي أبدًا أن ينقسم اليساريون إلى حد تبادل الاتهامات بالخيانة من جهة، والصبيانية المغامرة من الجهة الأخرى.

ومن الطريف/ المؤسي أنني قد كُلِّفت يومًا بصياغة بيان سياسي مع بعض الرفاق اليساريين في تنظيمات أخرى، كتبت فيه عبارة "رفض الحلول الاستسلامية" (مثل مبادرة الانسحاب إلى خط العريش..) وهو ما رفضه بعض الرفاق وطلبوا تعديلاً "بسيطًا" (!) بالنص على "رفض الحلول السلمية".. واندهشت قائلاً إن هذا موقف غير عملي ويتناقض حتى مع الخبرات الثورية (فيتنام كأهم مثال).. بل غير مستساغ شعبيًا ومنطقيًا.. ولم نتفق...

أضف إلى ما سبق خلافات حول الموقف من القضية الفلسطينية، وهي كانت أشبه بذات الانقسامات بين المنظمات الفلسطينية نفسها.. بل إن الخلاف حول النزاع الصيني السوفيتي كان له دوره أيضًا، فهناك من أيد "الشقيق الأكبر" في كل مواقفه، وهناك من كتب في وثائقه عن "الإمبريالية الاشتراكية".. وبين هذين الموقفين وُجِدت درجات أخرى.

كما استنزف الخلاف حول طبيعة "ثورة يوليو" وقتًا وجهدًا كبيرين.. فهناك من رأى فيها إحدى حلقات الثورة الوطنية الديمقراطية، وآخرون اعتبروها إجهاضًا للحركة الشعبية الثورية التي بلغت ذروتها قبل 1952 على طريق إقامة دكتاتورية البرجوازية البيروقراطية بجناحيها العسكري والمدني.. وتفرع من هذا خلاف آخر حول سلطة السادات، هل هي استمرار لسلطة يوليو أم انقلاب عليها.. فلم ير البعض أي اختلاف كيفي بين السلطتين/ النظامين، ورأى آخرون أن نظام السادات جاء "كنتيجة منطقية" للتطور الموضوعي الذي طرأ على الفئات الوسطى من البرجوازية السائدة إلى برجوازية كبيرة ذات طابع طفيلي وتابع بدرجات أكثر من أي وقت مضى، كما اتجه فريق ثالث أقل شأنًا إلى اعتبار انقلاب 15 مايو 1971 بمثابة إعادة الاعتبار للديمقراطية بعد الشمولية الناصرية.

وأذكر أننا حينما جاءت سياسة "الانفتاح الاقتصادي" رأينا بدايات التآمر على القطاع العام (مئات المصانع التي أنشئت في عهد عبد الناصر) بسرقتها وتخسيرها وإفشالها تمهيدًا لبيعها (الخصخصة).. وتصورت أن الموقف "الثوري المنطقي" الوحيد هو الدفاع عن القطاع العام.. حتى فوجئت باتهامي بالناصرية والدفاع عن البرجوازية البيروقراطية والتكنوقراطية ورأسمالية الدولة بوجه عام.

وفي ظني أن الخلافات هنا أصبحت تتخذ طابعًا استراتيجيًا، وليس حول مواقف تفصيلية وآنية وتاريخية.. فهي خلافات تتعلق بتحديد طبيعة السلطة (خائنة بالكامل أم ذات أجنحة عميلة ومترددة ووطنية) وطبيعة المرحلة الثورية (وطنية ديمقراطية برجوازية، أم وطنية ديمقراطية بقيادة الطبقة العملة، أم اشتراكية).. وبطبيعة الحال لم يكن من الممكن لحزب واحد أن يستوعب خلافات استراتيجية من هذا الحجم والنوع. خاصة وأن الخلاف حول طبيعة المرحلة يجر حتمًا إلى خلافات حاسمة حول تحديد من هي القوى الثورية وما هي مهام الثورة وما الأساليب الثورية الواجب انتهاجها.

لكن كان من المفاجأة بالنسبة لي أن بعضًا ممن يتبنون فكرة الثورة من مرحلة واحدة (أي الثورة الاشتراكية) أطلعوني على وثائق لهم تتحدث عن "الجمهورية البرلمانية" والجمهورية "الديمقراطية" و"الجمعية التأسيسية".. بينما تمسك الطرف المضاد عند النهاية الأخرى بأنه طالما أن مهمة الثورة الوطنية الديمقراطية البرجوازية لم تنجز فلا مجال للحديث عن "أبعاد اجتماعية" وأن هذا هو منطق التحليل المادي التاريخي (حسب قراءتهم).. أما الطرف الثالث فرأى أنه في عصر الإمبريالية لم يعد بمقدور البرجوازية المحلية ("الوطنية") في البلاد المستقلة حديثًا السير بالثورة الوطنية الديمقراطية إلى منتهاها، ومن ثم لا بد من إحداث تعديل على قيادة الثورة الوطنية الديمقراطية بأن تتولاها الطبقة العاملة (ممثلة في حزبها السياسي وحلفه الثوري)، وهو ما يقتضي أيضًا تعديل مهام الثورة الوطنية الديمقراطية فتصبح ذات طابع شعبي وأفق اشتراكي، لأنه لم يعد هناك حاجز فاصل بين الثورتين الديمقراطية والاشتراكية.

من الأمثلة والخبرات سابقة وما لحقها (ملتمسًا العذر للتبسيط الزائد وربما التحيز أيضًا).. يمكنني الاجتراء باستخلاص الدروس التالية:

## إن وقوع الخلاف السياسي أمر طبيعي، كنتيجة لاختلاف البشر أنفسهم، والاختلاف في طريقة تطبيق المنهج العلمي في قراءة التاريخ والواقع وتحليلهما، والقياس المتغاير لموازين القوى.. ومن ثم اختلاف المشاريع "الثورية". ولا بد من ممارسة هذه الخلافات، وربما حسمها ديمقراطيًا، بإعلاء الروح العلمية والموضوعية والرفاقية في الحوار،

## لا شك أن النوازع الذاتية والشللية والفردية عند بعض القيادات السياسية والفكرية والتنظيمية تستغل واقعة الخلاف لتعظيمه وتعقيد سبل حله وعدم الاستعداد لحسمه ديمقراطيًا.. وذلك حتى تستطيع تلك القيادات الحفاظ على مصالحها ووجاهتها.. ومن يجب أولاً تنقية كل خلاف من طابعه العدواني وتخليصه من الزوائد الأيديولوجية أو التاريخية أو الذاتية التي تساعد في المزيد من تفاقمه..

## هناك مستوى من الخلافات لا يمكن معه الانضواء في حزب/ مشروع سياسي واحد. وأهمها الخلافات حول طبيعة الحزب (ثوري، إصلاحي،..) وطبيعة المرحلة الثورية والموقف العام من التناقض الرئيسي في المجتمع في الزمن المعنيّ. وهي الخلافات حول الاستراتيجية والمبادئ.

## أما مستوى الخلافات التكتيكية فلا يوجد أي مبرر لأن تتم ترجمتها إلى انقسامات تنظيمية، شرط أن تتوفر داخل الحزب آليات ديمقراطية (غير قابلة للانقلاب عليها) للتعبير وتنظيم الحوار الداخلي المنضبط، على أن تلتزم آراء الأقلية بالمواقف الحزبية المتخذة ديمقراطيًا، أو من هيئات قيادية منتخبة ديمقراطية.

## أما الخلافات التفصيلية أو اليومية فهي تتطلب من الجميع أن يتركوا لبعضهم البعض مساحة معقولة للاجتهاد والاختلاف.. وهو ما يدعوني أيضًا إلى مطالبة الرفاق، ونفسي، بأن نتخلى عن التعنت والعصبية الزائدة في التعامل مع الآخرين المختلفين معنا على هذا المستوى.. وقبل هذا أن نعيد النظر في "المبدأ" القائل بأن "الحزب يقوى بتطهير نفسه". وهي مقولة كانت صحيحة في ظروف تاريخية معينة، لكنها تعلقت أساسًا بالخلافات الاستراتيجية القاسمة، وليس بالخلاف حول قضايا وقتية أو جزئية.. وإذا سدت الأغلبية المنافذ أمام الآراء الأخرى فإن هذا سيعني إقرارًا ضمنيًا من الأغلبية بالفشل في الإقناع السياسي حينما تعتمد فقط على قوتها التصويتية.. ولا شك أن طرد المخالفين في القضايا غير التكتيكية هو مسلسل لن ينتهي إذا بدأ إلا بالتمزق والتحلل الكامل للكيان ككل.