الكتابة الجينالوجيا كبديل للكتابة الميتافيزيقيا

عماد الحسناوي
2016 / 7 / 27

إن الميتافيزيقيا تنظر إلى الكتابة كوسيلة تعبير، وأداة لتبليغ المعاني وتمثيلها. وتعتبر الدال مجرد مظهر للمدلول، فتعطي أسبقية منطقية وزمانية للمدلول على الدال، وللفكر على المادة والنفس على الجسد. ومادامت الكتابة مجرد جسم تقطنه روح النص، ومادامت قنطرة وتعبير، فلا يصبح الدليل إلا مناسبة لاستحضار المعنى الأصلي والمستقل عن كل عملية إنتاج. وتجاوز الميتافيزيقيا يقتضي منا تحرير الدال من تبعية المدلول، وهذا ما ستفعله الجينالوجيا لأول مرة في تاريخ الفلسفة. يقول دريدا" لقد كتب نيتشه ما كتبه، كتب بأن الكتابة-وكتابته على الخصوص -ليست خاضعة للوغوس والحقيقة، وبأن هذا الإخضاع قد ثم في مرحلة محددة" .
إذن ما الذي يميز الكتابة الجينالوجيا عن الكتابة الميتافيزيقيا؟
وما هي خصائص الكتابة الشذرية ؟
تلجأ الميتافيزيقا إلى الكتابة لتعطي لمعانيها طابع الخلود، وتجعلها تعيش في حاضر دائم، وقد يتم هذا إما بتقليص الزمان وتحويله إلى نقطة، وهي بضبط نقطة التملك اللحظي للمعنى. وهذا ما نجده على سبيل المثال، عند ديكارت، الذي يرمي إلى إدراك المعنى في فعل الحدس الذي يستمد يقينه مما يتميز به من وحدة تجعل المعاني حاضرة في الذهن المتنبه.
وهذا ما يجعل النص النيتشوي دائما ما يطالب بمعنى مضاد؛ ذلك لأن النص في منظور نيتشه لعبة قوى متخارجة. ثانيا، فالشذرة لها علاقة بالتدفقات والإحساسات، ويعني هذا أن نصوص نيتشه بما هي حالات وجود وتجارب معاشه، فهي غير قابلة أن تترجم إلى مفاهيم وتمثلات، فهي بمثابة علامات تندرج في إطار هيئات متعددة المعاني والدلالات. ثالثا، الشذرة، تقيم علاقة خاصة مع الضحك والسخرية، أن تقرأ كتب نيتشه بدون أن تضحك، فكأنك لم تقرأ نيتشه، وفي الحقيقة فإن خاصية المرح هذه تنسحب على مفكري ما بعد الحداثة. فهناك فرح كبير يخرج من كل النصوص الكبرى حتى حينما تتحدث عن الأشياء التفاهة وتبعث على الإشمئزاز والترف، لأنه يستحيل ألا يضحك المرء حينما تتعرض السنن والشفرات للعبة التشويش.
إن الحديث عن الكتابة النيتشوية يجرنا مباشرة إلى الحديث عن خصوصيات النص الجينالوجي الذي يختلف عن النص الميتافيزيقي، كون النص النيتشوي يقوم على الإنفصال الحامل لعدة مظاهر أهمها:
- النص الشذري منفصل في صورته وشكله. وهذا يتعارض مع التصور الميتافيزيقي الذي يقوم على الهوية والتطابق، من أجل إقصاء التعددية والإختلاف، بينما النص الجينالوجي يقول بإستحالة التطابق مع اللوغوس، ويقيم إنفصالا مع الدال والمدلول، لأن ما يقع على صعيد الواقع، بالنسبة للجينالوجيا، لا يحدث بطريقة منطقية على غرار ما يحدث في الكتب، وما يقع في الواقع لا يتلاءم بشكل صارم مع المنطق، لأن منطق الحدث ليس هو منطق المفهوم.
- يركز النص النيتشوي على قيمة الدلالات لا على مدلولها، كما لا يكترث كثيرا بأن يجعلها تتسلسل وفقا لقواعد التلاحم المنطقي.
- النص النيتشوي يقدم ذاته للقراءة كتتابع الصور والإستعارات والكنايات والأوجه.
وهذا الطابع الاستعاري هو الذي يجعله يتعارض مع الخطاب الميتافيزيقي. إنه يستعمل استعارة المرأة والإثارة الجنسية، واستعارة طبية وسياسية وفيزيولوجية، كما يستعمل استعارة فلسفية، وفيزيولوجية مطبقة على مجال الثقافة والدين والفلسفة تقود إلى النظرية الاستعارية للتأويل. ومن الاستعارات التي نجدها في فلسفة نيتشه، نجد استعارتي المطرقة والجينالوجيا: فالمطرقة هي أداة للهدم، وفي نفس الوقت أداة للنقش والنحت والتشكيل. ثم يحققها لتناغم الأوثار وإنسجام أصواتها. ومفهوم الجينالوجيا الذي لا تتوقف مهمته في تقوية المفاهيم وإرجاعها إلى أصولها العميقة والحقيقة، ولكنه أيضا تساؤل عن الأصل النفسي والفيزيولوجي لمفاهيم الثقافة والمعرفة، وهو أصل محجب ومقنع، لا يمكن إماطة اللثام عنه إلا بواسطة تحليل اللغة.
والبديل الذي تقدمه الجينالوجيا هو الكتابة الشذرية، المقطعية التي تنبذ الإستمرار والوحدة والتطابق، وتفهم الزمان داخل النص، لكن ليس الزمان الميتافيزيقي، وإنما زمن العود الأبدي. فهي كتابة تقضي على الفهم الأفلاطوني للمعرفة التراكمية، المعرفة/الذاكرة التي تعكس وحدة الذات المتمكنة للمعنى والمتحكمة فيه، الذات التي تزود الكتابة بمضمونها.
إنها كتابة في صيغة بلورية، وشكل منفجر، متوثر ومتصدع. هذا الشكل الشذري المفكك، المميز للكتابة النيتشوية، هو آلية لتحصين النص الفلسفي من التعميم والكلية. وهنا يقول رولان بارت "لا توجد كلية بعيدا عن اللغة الملموسة للعالم المدني، لا كلية أو صوفية أو إسمية". وما يميز الكتابة الشذرية حسب بلانشو، هو العلاقة التي يقيمها مع الخارج، والتي تختلف عن الأسلوب الفلسفي الميتافيزيقي، الذي تكون علاقته متوسطة بدواخل الفكر، أي من خلال الوعي أو الروح. فأن تجعل الفكر متصلا بالخارج، هو ما لم يفعله الفلاسفة حتى حينما يتحدثون عن السياسة، عن الحياة، عن الهواء الطلق. ونصوص نيتشه تخترقها حركة قادمة من الخارج، وهي حركة مختلفة عن حركة المفاهيم المجردة.
وبالإضافة إلى هذه الخصائص، فالنص الجينالوجي يستعمل العديد من الكنايات المستمدة من مجالات مختلفة، فنية وأدبية وفلسفية، كديونزوس، والعود الأبدي وزرادشت... وهذا يعني أن المفاهيم المركزية في فلسفة نيتشه تقاوم أي محاولة تروم أن تؤسس عليها خطابا عقلانيا نسقيا، وهذا راجع إلى البنية المطاطية للنص النيتشوي، التي تقوم على الإنزياح والإستبدال، وتجعل كل المفاهيم متداخلة ولا يعصي أحدها الآخر، بل تتداخل داخل النص النيتشوي وتتعالق فيما بينها، في إطار منظور يمزج بين الفلسفة والشعر، بين المفهوم والإستعارة، بين الجد والعزل، بين الواقع والوهم، ويسعى إلى التفكير في الجينالوجيا والجسد.
وبهذا تكون الكتابة الجينالوجيا حلا لتجاوز الميتافيزيقا، كونها تتميز بالإختلاف والتعدد، وأنها كتابة تريد تلخيص العالم في نص غير كثيف، وهي محاولة لإقحام اللانهائي في الفضاء المحدود، وتعدد الموحد، مقابل الوحدة التقليدية التي أساسها الإنسجام المنطقي. وهي الكتابة التي تعيد الاعتبار للحياة والجسد، حيث يمكن إدراك الجسد والاستماع إلى ذوي أعماقه، وهنا يقول نيتشه "إن الفيلسوف يسعى لأن يردد في داخله كل أصوات الكون المتناغمة، لأن يخرجها كمفاهيم".