أنور السادات وتلفيقات البيان الأول لثورة يوليو

السيد شبل
2016 / 7 / 22

الحقيقة إن السادات كان مدمنًا على لي عنق الحقائق، والانقلاب حتى على نفسه، ورواياته السابقة، وكان الحظ خادمًا له في كثير من الأحيان. له –مثلًا- ثلاثة كتب هي (صفحات مجهولة، وياولدي هذا عمك جمال، والبحث عن الذات).. تقريبًا ضد بعضها البعض، وقد صادر أولها بعد وصوله للحكم، والأخير منها، كتبه بعد أن مكّن نفسه في العرش، وفيه أراد أن ينفخ في دوره السياسي عامة وثورة يوليو من ضمن، وينتقص من حجم الآخرين، ويصور نفسه -نظرًا لعقد النقص التي يعاني منها- كند ومساوي لجمال عبدالناصر، رغم أن الثابت أنه كان على هامش الضباط الأحرار، وآخرهم انضمامًا، وكان يُعامل كنكرة بينهم.

لما وصل الساداتي – هكذا اسمه الحقيقي- للحكم، حاول أن يصطنع لنفسه الدور الأهم في يوليو، وذلك استنادًا على البيان المسجل بصوته. والحقيقة إن كتيبة من المؤرخين، والضباط الأحرار نفوا نفيًا قاطعًا أن يكون البيان المتداول الآن بصوت السادات، قد تم تسجيله صباح 23 يوليو.

بعضهم نفى أن يكون السادات اشترك في تلاوة البيان وقتها أصلًا، وبعضهم قال أن في صباح 23 يوليو، توجه مجموعة من الضباط كان من بينهم "أنور السادات" وجميعهم، وفي فترات مختلفة طوال اليوم، بمشاركة المذيعين (جلال معوض وصلاح ذكي) تناوبوا على تلاوة البيان.. وأن المسجل في هذا اليوم وهو لجلال معوض، ولضابط اسمه/ محيي الدين سلامة الخولي.

أما قصة التسجيل الذي وجد حظه في الانتشار في السبعينات، وسيبقى، طالما بقي منهج السادات في الحكم هو المتسلط، فقد تم تسجيله بعد 6 شهور في يناير 1953.

وعلى الأغلب استخدم السادات، الذي كان معزولًا عن قيادة الثورة، ويعاني من فراغ مقرون بدوافع نرجسية لإثبات الذات، استخدم علاقاته في الإعلام، خاصة أنه كان قريب من الصحافة في وقت مضى، وتولى فيما بعد إدارة تحرير الجمهورية، وقام بتسجيل بيان الثورة بصوته في الإذاعة، والمتوقع أن بقية قيادات يوليو، نظروا للفعل على أنه فعل صبياني، بلا وزن لشخص مهووس، أو لم يلتفتوا إليه من الأساس، خاصة أن من كان يعلم أن هذا الذي، اختبأ في السينما ليلة 22 يوليو، والذي كان معروفًا بعلاقاته بالقصر الملكي، ويوسف رشاد، وجزء من التنظيم الحديدي الذي يغتال خصوم الملك، والذي تفرّس الملك زوجته أمام عينيه.. لدرجة أنها قالت باللفظ في مذكراتها "خفت على نفسي"!، من كان يعلم.. أنه سيرث يوليو، ويمحوها تمامًا، وسيُحسن استغلال التسجيل "الهامشي"، والمتاجرة به فيما بعد، ليبدو وكأن نصف عبء إنجاح الثورة كان على عاتقه!!.

هذه الرواية هي الأكثر رأفة بدور السادات في تلاوة البيان، وجاءت من فهمي عمر أحد أكبر مذيعي الإذاعة، وهي تتضمن وصلات من الثناء على السادات ومدح في لغته وضبطه لمخارج الحروف "وهذا ينفي عن صاحبها تهمة المكايدة"، لكن ما يهمنا فيها هو خلاصتها.. وهي إن تلاوة البيان لأول مرة، ليست له، وإن كانت له فهي لغيره أيضا، ولغيره أكثر منه.. خاصة أن هناك تسجيلات لبيان الثورة الأول، بصوت جلال معوض، وأخرى بصوت الضابط محيي الدين الخولي (أو محيي الدين عبدالرحمن)، ولا يوجد شيء بصوت السادات.. وهو ما فسره (فهمي عمر) بأن التسجيل لم يكن قد بدأ حين أخذ السادات دوره مبكرًا في تلاوة البيان!!.. مبكرًا لدرجة أن المهندس القائم بالتسجيل -بحسب هذه الرواية- لم كن قد أتى!!.. مبكرًا لدرجة تجعلنا نتساءل مَن مِن المصريين قد استمع للسادات، أصلًا ؟!..، ثم أليس حرمان السادات من الوقت المثالي لتلاوة البيان -بفرض صدق الرواية- دليل على أنها كانت تحصيل حاصل، ولم يكن هو أكثر من فرد محشور ضمن مجموعة ؟!!

الصحفي الراحل عبدالله إمام، ذهب لأبعد من ذلك، وقال في كتابه "حقيقة السادات" أنه طبقاً لشهادات عاملين في الإذاعة المصرية، فالسادات قد أعاد تسجيل بيان الثورة بصوته بعد وصوله إلى الرئاسة، في ظل ظروف أفضل نفسياً وفنياً وهندسياً، معتبراً أن ذلك كان جزءاً من هواية السادات التمثيلية التي لازمته حتى اللحظات الأخيرة.

الخلاصة:

- التسجيل المتداول اليوم، لا يمت بصلة لصباح 23 يوليو في شيء، وإنما هو قد سُجل بعدها بستة أشهر، أو في السبعينات (من يدري؟). وما تم تسجيله، في هذا الصباح الثوري، هو للمذيع جلال معوض، وللمذيع صلاح ذكي، وللضابط محيي الدين الخولي (أو محيي الدين عبدالرحمن - كما أسماه فهمي عمر في روايته).

- مشاركة السادات في واقعة تلاوة البيان نفسها، محل جدل، هناك من يثبتها مثل سامي شرف، وهو من خصوم السادات، وإن كان يؤكد أن سبب ذهابه، هو كون النخبة الأهم في قيادة الضباط الأحرار، كانت مشغولة عن هذا بما هو أخطر وأهم، وأنه (أي السادات) قضى الليلة في السينما ولم يأت لمقر القيادة إلا في الصباح بعد أن كانت الثورة قد ثبتت أولى خطواتها على طريق النجاح، وهناك من يطرح تساؤلات بخصوص بعض تفاصيلها.

- ما ليس محل جدل، فهو أن السادات بافتراض مشاركته، قد كان واحدًا من مجموعة تناوبت تلاوة البيان طوال اليوم، ولم يكن أبرزهم، ولا الوقت الذي أصابه فيه الدور هو الوقت الأهم.. أي، لم يكن له الفضل.. كما هو شائع!. وأن المصريين الذين استمعوا للبيان في أوقات مختلفة طوال اليوم، وتحركت مشاعرهم تجاه الحركة الوليدة، قد سمعوه بأصوات متعددة لم يكن من بينها – أبدًا- صوت أنور السادات، الذي بافتراض مشاركته، قد حضر مبكرًا وغادر مبكرًا في حدود السابعة والنصف صباحًا!.

**
ثم، أليس لنا أن نتساءل – على هامش الموضوع - ما أهمية بيان الثورة، في بلد لم يكن معظم أهله يملكون ما يسد قوتهم، فضلًا عن امتلاكهم جهاز راديو، مرتفع الثمن، ومعقد التركيب ؟!.

لا يمكن النظر، للبيان، إلا على أنه رسالة تلجأ عبرها القوى الطامحة نحو التغيير، لتثبيت شرعيتها، وتأكيد سيطرتها على الموقف، والإمساك بمفاصل الحكم، أمام القوى في الداخل والخارج.. ما وزن من يتلو البيان، إذن؟، لا نظنه كبير، وليس أكثر من رسول، أو غلاف لجواب!. ومع احترامنا، فإن تحميل الدور أكثر من هذا فيه جهل بطييعة الأمور، أولًا، وإجحاف عنيف بحق أصحاب الأدوار الحقيقية، ثانيًا.