في حديقة الهرمل

غفران محمد حسن
2016 / 7 / 17

في حديقة الهرمل
قصة قصيرة
بيروت-غفران حداد

في أيام عزاء عمتي كنت آخر مرة أسمع فيها صوت جدتي ، تلك الفلاحة التي لا تجيد القراءة والكتابة ولكنها مثقفة بشهادة الحياة التي عاشتها لإثنين وثمانين سنة، جدتي التي أرضعتني الحب والحنان ،لم تكن بالنسبة لي الجدة التي تقصّ الحكاوي وتحتضن احفادها بالحب والحنان فحسب بل كانت بالنسبة لي الأم والأخت والصديقة ،في اخر مكالمة هاتفية وانا ابكي حزنا على وفاة عمتي التي لم تكن ميتتها طبيعية كانت تقول لي "لا تبكي يا صغيرتي انها مشيئة الله ،كلنا لهذا الطريق " بعد وفاة عمتي في عام 2012 في عامي الدراسي الاخير من الجامعة انقطعت اخبار جدتي عني لأقرر بعدها الهجرة من بغداد الى بيروت وانا اشتاق اليها بشكل يومي ، الإرهاب فرقني عن احبتي ، أشتاق لأرضي لوطني لصباحاتي في بغداد ومعها تصدح اغاني فيروز عبر المذياع و رغم القصف ورغم التفجيرات أشتاق لرؤية بلدي واحبتي وأن ارتمي في حضن جدتي وقبل ايام هاتفت أمي ،كان لديّ شعور بأن جدتي توفيت وما من أحدٍ يخبرني بذلك ،كان يتملكني هذا الشعور بشكل كبير فأستدرجتها .
"سمعت من جيران عمي ان جدتي "ريم" توفيت –قلت لأمي ،تلعثمت في الحديث وصمتت لبرهة من الوقت " نعم منذ شهر آذار في العام الماضي قد توفيت"قالت ،"ماذا؟ منذ عام ونصف جدتي ميتة ولم تخبروني؟ لماذا؟" قلت لها.
-يا ابنتي صحتكِ ليست على ما يرام لا نريد ان نزيد أوجاعكِ" قالت أمي.
أغلقت الهاتف ومن شدة الصدمة لم ابكي ، أخذتني قدماي الى أمواج البحر وأنا أستذكر سواقي مزرعة جدي شمال بغداد ،أستذكرت الأوز وهو يعوم والأغنام على مقربة من الساقية، وجدتي وهي تضع العشب الأخضر أمام الابقار،تذكرت طفولتي التي مرَّ عليها ثلاثون عاما وانا أستيقظ صباح كل يوم أبكي حين لا أراها بجواري على الفراش وياتيني صوتها "نعم حفيدتي كنت في الحضيرة لحلب البقرة " وهي تحمل الإناء المليء بالحليب وابتسامتها الجميلة تغزو تجاعيد وجهها المحمّل بالهموم.
أتذكر كيف توقظ الجميع ان يفطروا حول المدفأة في فصل الشتاء، لا جدتي لا ، كيف ترحلين من دون وداعي كيف؟ كيف تغادرين عالمي من دون أن أقبلكِ قبلة الوداع ، لقد أوصيتني في يوم وفاة عمة ابي ان اصرخ ورائكِ "ياحنونة يا جدتي ،لماذا ذهبتِ" هل تذكرين؟ لقد أوصيتني في يومها لو متٌّ أن أزرع وردة الجوري بجوار قبركِ، وبعد موتكِ من سينفذ هذه الوصية يا ترى؟، هاتِ يديكِ جدتي خذيني اليكِ لقد تعبت من هذه الدنيا ، كل البشر ظالمون، ما من أحدِ يمسح دمعتي بعدكِ يا جدتي، ما من أحد، وما من أحد يسأل عن سبب غيابي ،وما من أحد يبتسم حين يرى ضحكتي، جدتي أحبكِ يا حبيبتي، سامحيني لأنني لم أنفذ وصيتكِ لم اصرخ في جنازتكِ واقول "يا حنونة ،يا طيبة" لكني زرعت وردة الجوري هنا في حدائق بيروت،في حديقة "الهرمل" واسقيها بشكل يومي، انها جميلة مثل روحكِ.
هل تعلمين يوميا اطالع صوركِ، وأبكي لأنني لم اعد استطيع رؤيتكِ ابداً ،وارى وجهكِ الجميل في كل سيدة بيروتية مسنّة، أنظر اليهنّ بحبٍ واحترام وتخنقني دمعتي حين اسمع احد من أحفادهنّ يناديها" تيتة" اشتقت ان اناديك "جدتي " رحلتِ ولن تجفّ دموعي بعدكِ ستبقين في روحي وقلبي الى الأبد.