لا للمحاصصة، لا لإنفراد حزب بالحكم

مهند البراك
2016 / 7 / 17

اكتوى الشعب العراقي بنيران انفراد حزب واحد بالحكم، كحكم البعث الصدامي الذي كان اول حزب عراقي عروبي ينفرد بالحكم و تسبب كنتيجة لآلياته و انفراده بالسلطة، بحكم فرد وصف نفسه بـ (القائد الضرورة) الذي اورث البلاد و المنطقة ارهاباً و دماءً و موتاً جماعياً . و رغم دمار الحرب التي اسقطت الدكتاتورية، تطلّع العراقيون الى نظام حكم جديد تعددي سلمي وُعدوا به من القوى الدولية و الاقليمية التي شاركت بالحرب . . حيث شاركوا في مسيرة الحكم الجديد رغم الإرهاب، متطلعين الى تحقيق وعود اكدت على ان احدى المكتسبات الهامة للحكم الجديد كونه سيقوم على اساس احترام الآخر و على تبادل سلمي للسلطة وفق انتخابات دستورية تتوفر فيها صيانة الحريّات . .
و لكن بمسيرة البلاد اللاحقة و لإسباب كثيرة حفلت بها مختلف وسائل الإعلام الوطنية و الإقليمية و الدولية و غيرها، اسباب تراوحت من ماهية من استلموا الحكم بمناصبه الاكثر حساسية، و درجات تأهيلهم و كفاءاتهم و نزاهتهم، و الفساد الذي بدأ و ضرب عميقاً في مواقعهم في الحكم و مؤسساتهم و بالتالي في شخصياتهم . .
الفساد الذي لعب دوراً هاماً في شيوعه السريع و عمقه، تعطيل آليات الرقابة و المحاسبة الدستورية . . و الإرهاب الذي ازداد تنوعاً برايات التأسلم و الطوائف و صراعاتها الدموية، الذي تطوّر الى تحوّل البلاد الى اشبه بكانتونات متنوعة التكوين و الصور . . زادتها حدة و عمقاً، المحاولات المتنوعة لدول الجوار للتدخل و الهيمنة.
اضافة الى ضيق الأفق السياسي و عقلية الإنفراد بـ (كيكة السلطة) و الحصول على غنائم بلاحدود لحاكمين . . التي عملت كلّها على توظيف الأسباب آنفة الذكر، في زمان وعي عام متدنيّ، للتلاعب بماهية و سير و نتائج الإنتخابات و سير الحكم، حتى انحصر الحكم باغلبية مقاعد البرلمان بالتحالف الوطني الرافع لشعار ادّعائه تمثيل (البيت الشيعي) والساعي بمحصلته و بالتعاون مع دوائر ايرانية خاصة و ارشادها ، الى الحفاظ على وحدة صفوفه بأنواع الوسائل . .
و يرى سياسيون انه منذ استلام المالكي للحكم ـ بولايتين و تمديد ـ ، اخذ الحكم ينحو منحى فرديّاً بشتى الحجج و الأعذار، حتى صار رئيس مجلس الوزراء قائداً فرداً و صار مكتبه ينوب عن مجلس الوزراء باتخاذ القرارات، و صار (رئيس الوزراء) يقود بشكل مباشر كل وزارات القوات المسلحة بصنوفها، و اخذت مسيرة الحكم تنحى منحى طائفياً عائلياً اثار عليه مرجعية النجف بأعلى مراجعها مطالبة ايّاه بالحكم المدني و بتفرغ رجال الدين للدين و السياسيين للسياسة، حماية للدين و المذهب و الوطن . . في وقت اخضع فيه المالكي القضاء و الهيئات المستقلة الضابطة للمسيرة الدستورية، لقراراته بإجراءات فردية.
و يرون انه منذ مواجهة المالكي صعوبات جمة في تطويع الآخرين و فرض ارادته عليهم، بدأ يطرح فكرة حكم المكوّن الواحد ثم الحزب الواحد او التجمع الواحد المأتمر بأمر فرد مهما كانت السبل، بدعوى الحاجة لضبط اعلى في بناء و عمل مؤسسات الحكم . . دون اعتماده على التشاور و التوافق و التصويت الديمقراطي على القرارات، ناسياً ان النضال لاسقاط نظام دكتاتوري هو غير النضال لبناء نظام ديمقراطي توافقي.
و اخذ يعتمد في حكمه على التركيب القاصر للدولة ذاته و زاد منه، و ادت افعاله ـ و معاونوه ـ الفردية الطائفية الى زيادة تشويه تركيب الدولة و الحكومة، القائم على محاصصة شكلية و ليست فاعلة (1). . اضافة الى لجوئه لإتباع سياسات ترمي الى ضرب الكتل الحاكمة بعضها ببعض بشتى المعاذير لأدامة كرسيه و حكمه هو . . مؤدياً بذلك الى زيادة حدة الصراعات الإثنية و القومية و الطائفية و وصول البلاد في دورات حكمه الى حالات يرثى لها على مختلف الأصعدة، اوصلت البلاد الى مأساة سقوط الموصل و الايزيدية و ثلث البلاد بيد داعش الإجرامية.
كل ذلك و غيره اثار الشعب و قواه من كل المذاهب و القوميات، التي عبّرت عنها وسائل الإعلام و مواقع التواصل ضد تلك السياسة و النهج، رغم انواع الضغوط و القمع و خاصة لوحداته الخاصة، باستقواء سافر بحزب الدعوة ـ الذي تغيّر نهجاً و تركيباً عمّا كان عليه في زمن النضال ضد الدكتاتورية ـ ، و الذي يحاول السير به او حتى بتشكيل غيره (2) ليكون الحزب الحاكم و القائد بأي شكل و مهما كانت الأثمان . .
و قد صدرت انواع التصريحات من المالكي منذ ذاك و استمرت تدعو، الى أن (حكم المكوّنات المتعددة) غير ناجح، بقصد الحكم التعددي غير ناجح . . دون اي ذكر لأهمية اعتماد المواطنة و النزاهة و الكفاءة، منطلقاً من ذات المنطق الطائفي في تفسير الحكم و الأحداث و الإنجازات و الإخفاقات.
و يرى مقرّبون من التحالف الى انه رغم احتمائه بمظلة التحالف الوطني (الشيعي) حتى الآن خوفاً من تقديمه للعدالة بسبب سقوط الموصل و سبايكر . . الاّ انه يسعى حثيثاً كما يسعى و يلاحظون الى فضّ ذلك التحالف الذي بدأ يتصدّع، او الى التحرّك دونه و انشاء تحالف جديد ـ او كتلة او تجمّع ـ مكوّن من او مستند الى قادة ميليشيات شيعية متطرفة، يصفهم قادة كتل شيعية اخرى، بكونهم ممن يسرقون انتصارات الميليشيات الشيعية الجادة في محاربة داعش الاجرامية، بعد ان ضُمّت كلّ الميليشيات تحت مظلة "الحشد الشعبي" .
و يحذّر سياسيون من ان مخاطر ادوار المالكي على مسيرة البلاد، نابعة من سلوكه السياسي و سلوك و آليات حزبه، خاصة بعد إستمراره بقيادة حزبه الذي لم يحاسبه على نواقصه و اخطائه من جهة، و باستمرار الدعم الخارجي له بوتائر اعلى من جهة اخرى، و محاولته قيادة قوات الحشد الشعبي كما مرّ و الوقوف بوجه العمل بالإصلاح والمرونة النسبية للسيد العبادي . . ، لتعبيد طريق عودته علناً للحكم، كحق لمختار العصر بولاية ثالثة ؟؟
و يرى خبيرون ان المالكي و مؤيديه يحاولون توظيف المناخ الذي تثيره ألاحتجاجات السلمية الداعية للإصلاح و الحكم المدني و حكم الكفاءات المؤهلة و إنهاء حكم المحاصصة . . يحاولون توظيفها بإظهار ان حزب الدعوة لايتحمل لوحده مسؤولية ماحصل و انما كل اطراف التحالف الوطني و ان التعدد هو السبب، لتهيئته ـ حزب الدعوة ـ بقيادة المالكي لتولي السلطة لوحده، بالدعم الخارجي و تحالفاته . . مذكرين باساليب اتّبعها صدام لإنفراده بالحكم . و ما يؤيد ذلك، نشر خبر ان المالكي يرشّح ابنه احمد لمنصب وزير الداخلية اثر تفجير الكرادة المروّع، و دعوة العامري و الخزعلي لدى زيارتهما لموقع التفجير، الى تسليم الملف الامني لميليشيات بعينها !
فيما ترى كتل (شيعية) اخرى اهمية بقاء التحالف حاكما، بدلاً من بديل منفرد متطرف لن ينجب الاّ دكتاتوراً . . و تطالب بإلحاح اوسع الأوساط مدعومة بالجماهير الداعية الى الإصلاح و الحكم المدني، بحكم فريق سياسي تعددي منسجم على برنامج واضح، قائم على المواطنة و الكفاءة و النزاهة، يلتزم بضوابط العمل السياسي و الدستوري، و بتلبية المطالب الاساسية للجماهير و خاصة الأكثر فقراً و تشرداً.

16 / 7 / 2016 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1. تطورت بعدئذ الى محاصصة توافقت على الفساد و على تحقيق ارباح انانية بالطرق اللامشروعة و تشكيل مايشبه الطبقة الحاكمة، التي كشفتها الحراكات الجماهيرية السلمية الاحتجاجية.
2. كمّا عبّر في اواخر شهور حكمه، و في مقابلات تلفزيونية عن حاجة الحكم لرجال جدد يستبدلون رجال الحكم الحاليين، على حد تعبيره .