طرق العقل بالمطرقة الجينالوجية

عماد الحسناوي
2016 / 7 / 16

يعتمد نيتشه في نقده لكل المفاهيم الميتافيزيقيا على المنهج الجينالوجي، فالمعنى الحرفي لهذه الكلمة هو دراسة النشأة والتكوين لإثبات النسب والوقوف عند الأصل، وهذا ما نجده عن نيتشه عندما يقول "إن الأمر يتعلق هنا بتأملات حول أصل أحكامنا الأخلاقية المسبقة". ويقول هيدغر في كتابه عن نيتشه "لا يعني الأصل من أين صدرت الأشياء؟ بل كيف تكونت، إنه يعني الكيفية التي تكونت عليها. فلا يدل الأصل أبدا على النشأة التاريخية التجريبية"، الجينالوجيا إذن ليست استعادة للجذور الأولى للمفاهيم الميتافيزيقيا، وإنما هدم لها. وبهذا تكون الجينالوجيا قد وضعت نفسها في مقابل الميتافيزيقا. ومن المفاهيم التي سيخضعها نيتشه للمنهج الجينالوجي، نجد مفهوم المثل.
يقول نيتشه "إن رذائل الفلسفة ترجع إلى المبالغة المجنونة في تقدير الوعي". يمكن اعتبار هذه المقولة هي المنطلق الأساسي في نقد نيتشه للعقل الميتافيزيقي، وذلك راجع بالأساس إلى كونه المسؤول الأول عن تدمير الحياة.
في داخل الميتافيزيقا يكون تمييز بين العقل باعتباره النواة الصلبة، وهو السبيل إلى معرفة الحقيقة بما يحويه من مبادئ أو أفكار أو مقولات توصف أحيانا بأنها فطرية، وأحيانا أخرى بأنها قبلية. والعقل من جهة أخرى هو استعمال تاريخي تتجلى أثاره في مختلف الأنشطة النظرية العلمية والأنشطة العملية المتعلقة بالممارسات الأخلاقية. وبهذا يكون العقل هو نواة منطقية منفصلة عن الزمان والمكان وتتصف بالكلية والشمولية واليقينية. يبدأ نيتشه نقده للعقل برفضه التمييز بين الجوهر وبين تاريخ استعمالاته، ويتهم العقل بالانحطاط والمعاداة للحياة، ونسيان أصوله الحيوية، بل أكثر من ذلك العقل من منظور نيتشه ليس حديث النشأة أوجد بغير مثال سابق؛ بخاصة على النحو الذي ترتفع به أنساق الفلسفة الحديثة، هذا العنوان، الذي تستمد إعتزازها بنفسها من العقلانية الذاتية التي أبصرت فيها انفعالا عن الدلالات الدينية والأخلاقية. وقد زحف هذا التأويل العقلي للعالم إلى دوائر الثقافة بمحدداتها جميعا، وبهذا الاعتبار "فإن نظرية المعقولية يمكن وصفها بكونها إيديولوجيا العلم لأنها تقدم مصفوفة من التصورات تحدد للعقل الإنساني الموقف الذي يقضي من منطلقه في كل أحداث العالم والكيفية التي يقضي بها"
ويسارع نيتشه إلى حشد عدته النقدية بشبكة أدواتها الجينالوجيا، إلى النظر إلى العقل بتمظهراته المتعددة من زاوية أخلاقية حيوية، ويسائل أصوله، ومن المعلوم أن معنى الأصول هو الإقحام في التاريخ، والتعامل مع العقل باعتباره ظاهرة بشرية ومن ثمة فهو نسبي خاضع لشروط تاريخية معينة ومن هنا يتم إخراج العقل من النظر إليه كمفهوم ميتافيزيقي، إلى أشكال الفكر العقلاني في تنوعاته وتغيراته التي يزداد عمقها أو يقل.
والجينالوجيا لا تكتفي بإثبات نسبية العقل ومحايثته للتاريخ، إنما تصفه بالإنحطاط. لأن العقلانية الحديثة في نظر نيتشه هي امتداد للميتافيزيقا القديمة واللاهوت المسيحي وبما يتأسسان عليه من أسس أخلاقية منحطة، فضلا على أنه مصدر الكثير من الأوهام والأضاليل التي عاقت الحياة، وهنا يقول نيتشه "والبعض لا يزال بحاجة أيضا إلى الميتافيزيقا، مع أن هذه الرغبة الشديدة باليقين والتي تنصب اليوم بأفواج في الآداب – العلمية- الوضعية. هذه الرغبة بإرادة التملك بأي ثمن كان بشيء ما أكيد هي رغبة بالارتكاز والدعم، باختصار رغبة بغريزة الضعف التي لا تخلق الأديان والميتافيزيقا والقناعات من كل نوع...بل إنها مع ذلك تحافظ عليها".
إن العقلانية الحديثة هي تداخل بين العناصر الأنطولوجية والتيبولوجية والأخلاقية. ومهمة الجينالوجيا هي البحث عن الأصول التي إنبنت عليها تعاليم العقلانية ولا زالت تحافظ عليها في أنساق الفلسفة الحديثة. وبهذا تكون المفاهيم التي ثم ترسيخها في الوعي الفلسفي موضوعا تطبيقيا للنقد الجينالوجي: الذات، الجوهر، العلة، الحقيقة، العقل ومقولاته، المنطق وقوانينه....
هذه المفاهيم التي يختبئ خلفها فلاسفة العقلانية (ديكارت، لايبنيز، اسبينوزا...) تجمع بين المشرع الميتافيزيقي والأصل الأخلاقي المنحط، أي الطبيعة التي تنتجها، والأصل اللاهوتي ممثلا في الأفلاطونية المخصصة للشعب، أي المسيحية والضلال التي تمارس حضورها على العقل وأنساق الفلسفة الحديثة.
واللافت للنظر في نقد نيتشه للأسس العقلانية، ووجدانه في تقليبه لتاريخ أنساق الفكر المتوالية:
- كراهية نيتشه للعقل نجد أسبابها في تنكر هذا العقل للعالم ومعاداته للحياة واحتقاره للجسد:" إن السيد الجديد يجتاح الكرة الأرضية، ويسد مسام الأرض، ويحرمها من الهواء...ويعوق مبادلاتها مع الكون الذي نحيا فيه...فهو مرعب أكثر فأكثر بقدر ما يتقدم حتى ينتهي إلى نهاية العالم ودمار الجنس البشري بأكمله".
-إرادة العقلانية لا تعترف بالمنظورية باعتبارها الشرط الضروري للحياة، وفي نفس الوقت تتأسس على تصورات خطيرة مثل العقل الخالص والروحانية المطلقة.
وبهذا المعنى فهي تطلب التفكير بعين ذات وظائف تأويلية معطلة وغائبة. إنهم يريدون هنا" أن تكون العين شيئا صفرا من المعنى وسخيفا، لأنه لا رؤية بدون منظور مثلما لا تكون المعرفة من غير منظور، وكلما دخلت حالتنا العاطفية في علاقة مع شيء ما كلما أبصرنا ذلك الشيء بعيون مختلفة واكتمل مفهومنا عنه وكذلك "موضوعيتنا"".
وفي هذا الموقف الجذري من العقل مناقضة لفلسفات الثبات والصيرورة الغائية بخاصة مع هيجل الذي طور تاريخا للعقل كاتجاه ينظم غنى الحوادث بتقلباتها وتنوعها، وكثافتها ضمن ناظم يتيح لها الفرصة لكي تجد لنفسها موضعا ضمن تسلسل الأحداث وتعاقب العصور. وبالفعل من ينظر إلى التاريخ بنظارات هيجلية تبدو له الصورة عقلانية تماما، والمبتغى هو تحقيق تطابق بين الفكر والواقع. وهذه الغاية لدى هيجل ثلاثية الجوانب⚫، وهذه الجوانب كلها ضرورية للعقل بحيث لا وجود للإنجاز دون التناهي، والغائية تبعا لهذا تصير محايثة للصيرورة الخلاقة التي تحدد أهدافها الواعية منها وغير الواعية. وقد تبدى لنيتشه أن هذا التأويل التاريخي للعقل هو تحقيق ظافر بهيمنة الفكر على الحياة، واحتقار الوعي للجسد، وإماتة العقل للغريزة.
هذا النقد الذي يوجهه نيتشه للعقل، هو نقد كذلك للآليات اشتغاله أي "المنطق" "فالمنطق هو ابن العقل البكر". ويرى نيتشه أن المبادئ المنطقية التي تؤسس لمعيار تطابق الفكر مع ذاته أو تطابقه مع الواقع ، ما هي إلا وسيلة إخترعها الفكر لنفع الحياة ثم أسقطها على العالم. وأزمة العقلانية الحديثة تكمن في إعتقادها أن المنطق هو مجال الحقيقة عوضا أن تدركه باعتباره وسائل تفرضها دوافع حيوية.
فمبدأ السببية التي اعتبرت مبدأ فطريا، فهي لدي نيتشه فكرة زائفة يختلقها العقل ويقوم بإسقاطها على الأشياء، لأنه لا وجود للأسباب العقلية النظرية المطلقة، وما يجعل الإنسان يعتقد في مبدأ السببية من منظور نيتشه هو جملة من المرتكزات النفسية التي لا مسلك يبدو ممكنا من أجل البرهنة عليها، وهي العقل والإرادة والأنا، فالعلة إذن مأخوذة من عالم المعطيات الداخلية، لكن نيتشه لا يصدق شيء من هذا ويقول:
"العالم الداخلي مليء بالأوهام الخادعة والأضواء الزائلة: إن الإرادة تبدو بلا فائدة حقيقية. فالإرادة لم تعد تحرك شيء وبالتالي لم تعد تفسر... أما ما يسمى بالمبرر فهو خطأ أخر، إنه ليس سوى ظاهرة سطحية للوعي إنه شيء يحايث الفعل، وهو يخفي سوابق الأفعال أكثر مما يعبر عنها. أما فيما يتعلق بالأنا فلقد أضحى خرافة وتلاعبا بالألفاظ، لقد توقف الأنا تماما عن التفكير والإحساس والإرادة...وما ينتج عن هذا هو أنه لا وجود لأسباب عقلية على الإطلاق" ومعنى هذا كله أن الإنسان أسقط حقائقه الباطنية: العقل والإرادة والأنا على أشياء خارجية لكي يشعر بالقوة ويتخلص من المجهول والقلق.
أما مقولة الذاتية التي ظهرت باعتبارها المصدر الأول الذي تبعث منه مختلف الأفكار والمشاعر والإحساسات، وهي المنتجة لكل أفعالنا. ونيتشه يرى في ديكارت خير فيلسوف أمان بالذاتية، لأنه لخص تاريخ الميتافيزيقا التقليدية كلها وطبقها على الوجود الإنساني الباطني حين قال "أنا أفكر إذن أنا موجود"، ويسخر نيتشه من هذا الإعتقاد بوجود يقين مباشر لمثل هذه القضية، ويرى أن المفاهيم مثل "يقين مباشر" و"المعرفة المطلقة" تحتوي على تناقض. نحن إذن إزاء تحليل نفسي لتكون مقولات التفكير، فالسببية ليست مبدأ أنطولوجيا ترد جميع الأشياء إليه، ولا يرد هو أو ينسب إلى غيره. وكانط استبق نيتشه في هذا النقد بمعنى من المعاني، وذلك بإخراجها من عالم الأشياء الخارجية وإدخالها إلى دائرة النشاطات الخاصة بالذات المفكرة، ونيتشه لا يخفي هذا ويقول "علامة التساؤل الرائعة التي وضعها أمام فكرة السببية، فمع كانط أصبحنا نشك في القيمة النهائية للمعارف العلمية، ولكل تلقين باستنتاج سببي".
لكن عيب كانط هو أنه قضى بأن السببية مقولة قبلية، في حين أنها تأويل نفعي للعالم ذي دوافع حيوية تحركها من الداخل إرادة القوة في نشاطها التقيمي للعالم.
وفي هجومه على الثقافة العقلانية ملاحقا مساراتها التاريخية التي ستجمع بين الإنحطاط والارتكاس، وقد احتل سقراط حيزا مركزيا في فلسفة نيتشه "لأنه أول من قدس العقل ودعى إلى عبادته في كل شيء، حتى ظن أن العقل وحده أو المعرفة هي التي تستطيع أن تجعل المرء خيرا: فالفضيلة تقوم على المعرفة في نظره، ولهذا يرى نيتشه في سقراط هو منطلق انحلال الفلسفة اليونانية، وأن فلسفته ومن تلاه من فلاسفة اضمحلال". وبهذا يكون نيتشه يؤصل لثقافة الإنسان النظري في فلسفة سقراط، وبالفعل إذا تفحصنا كتب نيتشه بخاصة الأولى منها، نجد أن نيتشه يرفض سقراط شخصا ومفهوما، أو سقراط حامل أسرار العلم، وكيف تعطشنا للمعرفة غير مسبوقة أضحى الشاغل الحقيقي لكل صاحب فكر متنور، وما لبث أن استطاع هذا التوجه العام في التفكير أن أنشأ شبكة عامة من الفكر العلمي عبر العالم كله."ونعتبر في الآن نفسه أن هذا التمثال المرتفع جدا من المعرفة اليوم، يجعلنا ندافع عن رؤية أن سقراط هو المدار والقطب الذي كون تاريخ العالم" إذن نيتشه يؤصل لثقافة الإنسان النظري في فلسفة سقراط؛ النموذج الحقيقي للإنسان المتفائل، والإنسان الذي جعله إيمانه بإمكانية تفسير طبيعة الأشياء يستند بشكل جوهري إلى القوة العلاجية الشافية للمعرفة والعلم، ويبصر في الخطأ تجسيدا للشر، وبالنسبة إلى سقراط "إن النفاد إلى جوهر المفاهيم، وفصل المعرفة الحقيقية عن عاملي الوهم والخطأ أنبل نداء إنساني حقيقي، بل النداء الإنساني الوحيد: فقد أصبحت ألية المفاهيم والأحكام والاستنتاجات منذ أيام سقراط تعتبر النشاط الأرقى للإنسان، واعتبرت أروع هبة تقدمها الطبيعة مقارنة بالملكات العقلية الأخرى".
وبخصوص الفضائل الأخلاقية مثل الرحمة والشفقة والتضحية، فإن سقراط وكل من اتجه في طريقه في التفكير يرون أنها تستمد من جدلية المعرفة، ونحن عندما نستشهد بنماذج من تاريخ الفلسفة على شعار سقراط "المعرفة مبدأ الحياة"، فإن"اسبينوزا" في تطبيقه البرهان الرياضي على القوانين الأخلاقية يقدم لنا نموذجا على ترسخ هذا الشعار في الممارسة الفلسفية السقراطية لديه، يقول اسبينوزا"تتمثل ماهية النفس في المعرفة...وأن الجزء الذي يظل باقيا من النفس مهما كان حجمه إنما هو أكمل من الآخر، وهو الجزء الوحيد الذي نقال بمقتضاه فاعلين....أما الجزء الذي بيننا، على العكس، أنه فان، فهو المخيلة ذاتها، وهو الجزء الوحيد نقال به منفعلين". وهدف اسبينوزا من هذا المشروع الذي تتداخل فيه المعرفة والأخلاق، أنه يناظر نظرية المفاهيم السقراطية في نهايتها العملية، لأن اسبينوزا يريد إثبات أهمية النفس على إنفعالاتها، ويثبت حرية النفس أيضا. وفضلا عن هذا فإن مراده إدراك مقولة الحكيم وما يختص به من قدرة يفوق ولا ينعم قط برضى النفس الحقيقي، يكاد يكون على غير وعي تماما بذاته وبالاله وبالأشياء، وحالما يكن الانفعال عن الانفعال فهو يكف أيضا من الوجود، أما الحكيم، من حيث هو حكيم، فإن الاضطراب لا يعرف، إلى قلبه منفذا، بل هو –نظرا إلى ما يتصف به، وفقا لضرورة أزلية محددة، من وعي بذاته وبالاله والأشياء – لا يكف عن الوجود أبدا وينعم بانبساط النفس الحقيقي".
هكذا إذن وبعد أن أمن الفلاسفة بالقدرة اللامتناهية للعقل على اكتشاف الحقيقة والوجود، وحسبوا أن قوانينه قوانين الوجود، ومبادئ الفكر المنطقية حقائق مستخلصة من طبيعة الوجود ذاته، وتعبر عن علاقات واقعية، وفصلوه عن الحياة وبوؤوه منزلة فوق الوجود، وبعد هذا كله انكشف لنيتشه أن هذا العقل هو أخطر شيء يهدد الحياة، وأن الأوهام التي اخترعها الفلاسفة تكاد تجد منبعها الأصلي في نفعها الحيوي، لكنها استحالت غضبة ثائرة على مقتضيات الحياة والشعور بقيم الحياة الزاخرة "يبدو لنا العالم منطقيا لأننا نحن من منطقناه أولا". وانتهى التشخيص النيشوي للعقل إلى اتهامه بانحلال الفلسفة، وأن أخطر شيء يهدد الحياة والوجود الحقيقي إنما هو العقل مفهوما على النحو الذي رسمه فلاسفة الميتافيزيقا.



أريد أن أقول أن نقد نيتشه للعقل ليس دعوة إلى التخلي عنه، إنما توسيعه لكي يشمل اللاعقل.