تركيا وفاتورة ما بعد المحاولة الانقلابية

محمود عبد الرحيم
2016 / 7 / 16


لا أحد يمكن أن يختلف في توصيف ما حدث في تركيا بأنه كارثة كبرى، بل زلزال رهيب، ستكون له ارتدادات قوية داخليا وخارجيا، حيث يعيد للأذهان "عصر الانقلابات" الذي ظن كثيرون أنه ولى ولن يعود لهذا البلد الكبير المرتبط بشبكات مصالح قوية على المستوى الإقليمي والدولي، والذي يسعى بكل ما أوتى من قوة عبر سنوات ممتدة للانضمام للنادي الأوروبي.
والمحاولة الانقلابية في تركيا، رغم فشلها ألا أنها مؤشر واضح علي هشاشة النظام التركي وديمقراطيته الضعيفة ووجود خلل في موازين القوى داخل المجتمع التركي وصراع محموم بين مؤسسات الدولة المختلفة السياسية والعسكرية، ولا شك أن تلك المحاولة ستترك آثار خطيرة علي الواقع السياسي التركي محليا وإقليميا ودوليا، ففكرة هيمنة الرجل الواحد الذي يتصور انه طالما يمتلك جماهير بمقدوره أن يحدث تغييرات عميقة في بنية النظام ويخضع كل المؤسسات لرؤيته وتصرفه، انتهت بلا رجعة، ومن الواضح أن اردوغان في اتصالات اللحظات الأخيرة مع الأمريكان عاد للسلطة بتنازلات كبيرة للجنرالات وبصيغة تلجم طموحاته الإمبراطورية، فضلا عن أن تسويق النموذج التركي كموديل قابل للتطبيق في دول الإقليم والمجتمعات الإسلامية بات محل شك كبير، ويبدو أنه انهار تماما، ومعه صورة تركيا البراقة، رغم نجاحاته الاقتصادية وارتفاع مستوى معيشة المواطنين، إلا انه كان على قاعدة ديمقراطية هزيلة قابلة للانقضاض عليها في أي وقت، ثم أن الحلم التوسعي التركي في العراق وسوريا سيتراجع كثيرا، وان كان سيظل موجودا في الخلفية حيث يتشارك فيه كل الأتراك سواء علمانيين أو إسلاميين، عسكر أو مدنيين، من زوايا جيواستراتيجية واقتصادية.
وتراجع النفوذ التركي الإقليمي بلاشك سيضعف أوراق لعبها مع الاتحاد الأوروبي وربما الولايات المتحدة، وهو ما قد يصب ايجابيا في حلحة الملف السوري وانحسار "ظاهرة داعش"، خاصة بعد تورط أنقرة بكل ثقلها في دعم المعارضة السياسية والمسلحة وتسهيل عبور العصابات المسلحة الإسلامية من زوايا مصلحية، وأيضا عقائدية ونكاية في النظام السوري ومحاولة إسقاطه بالقوة.
ولاشك أن سقوط قتلى بالمئات وربما بالآلاف سيترك جرحا عميقا في الشارع التركي، بين الموالين والمعارضين للنظام التركي، وأيضا بين قطاعات من الشعب والجيش، وحالة ثأرية بين الشرطة والاستخبارات من جهة، والجيش من جهة أخري، حيث ساعدت الأجهزة الأمنية بانحيازها لاردوغان على إفشال المحاولة الانقلابية بالقوة.
ومعالجة كل هذه التداعيات سيحتاج أشهر، وربما سنوات، ما سوف يجعل تركيا تنكفئ على حالها، خاصة أن ثمة فاتورة اقتصادية كذلك لهذه المحاولة، خاصة على صعيد السياحة والتجارة والحركة من وإلي تركيا ولو في المدى المنظور، حيث ستخضع تركيا من الآن ولوقت ليس بالقصير لتصنيف دولة غير مستقرة.
فالدولة التركية بكل مكوناتها بعد15يوليو ليست كما كانت قبلها، رغم أن هذا الزلزال الرهيب سبقته خلال السنوات الأخيرة مقدمات وأزمات كادت تعصف بالوضع كله، وترشح توقعات بمثل هذا الحدث الخطير.