ليلة القبض على نوري السعيد

ابراهيم الحريري
2016 / 7 / 16

كلما عدّت بذاكرتي الى تلك الأَيام، بل تلك الساعات من يوم 14تموز عام 1958، حتى القاء القبض على نوري السعيد، عندما كان في قبضة يدي، ألعب معه لعبة القط والفار، تمتلكني الرعشة. هل هي رعشة خوف؟ هل هي رعشة فرح او لذة؟ لعلها مزيج منهما، لعلها اقرب لأن تكون رعشة استثارة وتوفزهي، كما وصفتها لصديقة مقربة، مثقفة، اقرب الى صرخة لحظة الذروة في الفعل الخلاق اياه. صرخة هي مزيج من الألم واللذه، تتوتر فيها كل حواسي لدى اقدامي على عمل خطير؛ بل مغامرة...
ولعل رعشة، من نوع آخر، كانت ستنتاب نوري السعيد، لو عرف انه في قبضة ذلك "الصبي الشيوعي" الذي طاردته وعذبته اجهزة امنه ومعتقلاته ومحاكمه وسجونه ومنافيه سنين طوال. رعشة اقرب لأن تكون رعشة ذهول ورعب...
لكن كيف حدث ذلك؟
****************
تبدأ القصة اوائل القرن الماضي، هي اقرب الى الخيال ، تتشابك فيها مصائر عشرات الناس من بلدان مختلفة، حتى تلتقي في تلك اللحظة الحاسمة؛ لحظة القاء القبض على نوري السعيد.
تبدأ عندما التقى في العقد الثاني من القرن العشرين اربعة من فتية الكاظمية: خليل الأستربادي، الشقاوة المعروف، ذلك الوقت، الهارب من السفبرلك*( اصبح فيما بعد، رئيسا مزمنا لبلدية كربلاء) واخو ه صادق الأستربادي، وعبد الهادي الجلبي**، المقرب فيما بعد من البلاط ونوري السعيد، ووالد السياسي موضع الجدل، الراحل احمد الجلبي، وتاجر الأَقمشة، والدي محمد اسماعيل فتجمعهم، فيما بعد، شراكة عمل. يقترن محمد اساعيل بمنيرة، كما اتذكر، اخت خليل وصادق، انجبت له العديد من الصبيان والبنات، توفيت، بعد ان اصيبت بالسل الرئوي، وتوفوا جميعا الا اختي فضيلة، ام خالد، التي اصبحت، فيما بعد، زوجة الزعيم الطيارالشهيد جلال الأوقاتي (لذلك قصة عجيبة اخرى، تضيف خيطا آخر للشبكة التي التقت تلك اليلة، ليلة القاء القبض على نوري السعيد).
و يحدث ان محمد اسماعيل، الذي اصبح ارملا، يلتقي، في رحلة عمل، ببيت من بيوت اسرة قريطم، البيروتية، فيقترن باِحدى فتياتها، فتخلف له العديد من البنات والصبيان، بينهم الصبي الشقي ابراهيم، الذي سيصبح، فيما بعد، شيوعيا، متاثرا بخاله.
و يحدث ان محمد اسماعيل يعود بعائلته الى العراق، فيتردد الصبي الشيوعي على اكثر من بيت من بيوت الأستربادي، ويلتقط هناك القصة التي كان يجري تداولها، قصة التجاء نوري السعيد، الى بيت الحاج محمود الأستربادي، هربا من انقلاب رشيد عالي الكيلاني، فآوته العائلة وساعدته على الهرب (ربما الى بيت الشيخ محمد العريبي ثم الى البصرة ومن هناك الى القاعدة البريطانية في الشعيبة، كما اعتقد،
ويحدث، ان الجلبي المعروف، عبدالعزيز، يسكن في رأس الدربونة التي يقع فيها بيت الحاج محمود وان احد اولاد عبدالعزيز، صادق، يلتحق بالمنظمة الطلابية للحزب الشيوعي في الكاظمية، وان "الصبي الشيوعي" ينسب للعمل في لجنة مدينة الكاظمية ويصبح مسؤولا للحنة الطلابية.
ويحدث، اخيرا، ان تنفجر الثورة في 14 تموز 1958، فيلتقي الصبي الشيوعي بصادق بعد عودتهما من وزارة الدفاع، وانني ، الصبي الشيوعي، اكلفه ان يختار عددا موثوقا من رفاق المنظمة االطلابيه لمراقبة بيت الحاج محمود.
كان في بالي القصة القديمة نفسها، إلتجاء نوري السعيد الى بيت الحاج محمود عام 1941. كنت محرجا، لعله اكثر مما يجب. لم أشأ اخبار سلطات الثورة بهواجسي، لم أشأ ترويع العائلة. فضلت ان ألعب مع "صديقي اللدود" (أ لم نصبح اصدقاء نتشارك لعبة واحدة؟)! لعبة القط والفأر. ان ارغم نوري السعيد، اذا كان هناك، ان يخرج من جحره او تطلب منه العائلة الخروج. فيسهل القبض عليه. كانت مغامرة تستوفز الأعصاب وتوتِّرها الى الحد الأقصى.
طلبت من صادق ان تجري المراقبة بشكل بيّن، مع بعض الجلبة، في الرواح و المجيئ، حول بيت الحاج محمود.
ظهيرة الخامس عشر من تموز، قُرع باب عيادة الدكتور احمد الجلبي. كنت هناك. كانت العيادة تحولت، بموافقة الدكتور، الى مقر للجنة المحلية لمدينة الكاظمية. فتحت الباب.اطل الرفيق صادق. قال: قبل قليل خرجت ثلاث نساء من بيت الحاج محمود وتوجهن الى سيارة العائلة في رأس الدربونة المطلة على باب المراد. واحدة منهن، بان، وهي ترتقي السيارة من تحت عباءتها، طرف بيجامة. هتفت على الفور: انه هو! نوري السعيد.
هرعنا الى حيث كانت السيارة، وهو لا يبعد عن العيادة سوى خطوات قليلة، لكنها كانت غادرت متعجلة بحملها "الثمين".
*********************
ارتفعت الجلبة، علت الصيحات: لك هذا كان نوري السعيد! انتشر الخبر بأسرع من البرق. لا ادري مَنْ اخبر من؟ هل اتصلت وقتها بنسيبي جلال؟ هل اتصل صادق، كما اخبرني الصديق عدنان الجلبي لدى اتصاله بصادق مؤخرا قبل وفاته، وكنت طلبت من ابو تانيا الأتصال به ليسمح لي بالحديث عن دوره في هذا الحدث التاريخي، هل اتصل بقريب له، عسكري في وزارة الدفاع؟
شاع الخبر في كل بغداد، وأتذكر ان الأِذاعة، اذاعت نبأ هروب نوري السعيد في سيارة تتجول في شوارع بغداد، وطلبت المساعدة في القاء القبض عليه.
بقية القصة بات معروفا.
الآن، وبعد 58 عاما من القاء القبض على نوري السعيد ومقتله وزوجة الحاج محمود، ام طالب، أتساءل: هل كنت اقدمت عل ما فعلت لو كنت اعرف ان ام طالب كانت سترافق نوري السعيد في رحلة النهاية الفاجعة؟
يبدو السؤال، الآن، عبثيا، فما حدث قد حدث و: اللو... زرعوه و ما خضّر!
هاملتون - كندا
15/ تموز/ 2016
-----------------------------------------------------------------------------------
* السفبرلك حملة تجنيد شنتها السلطات التركية لتجنيد الرجال للمشاركة في الحرب العالمية الأولى التي كانت تخوضها تركيا الى جانب المانيا.
**اطلعني والدي قبل وفاته على "كاغد" مكتوب بقلم قوبيا يقر فيه عبد الهادي انه مدين لوالدي بعشرين الف ربية! سألت الوالد: هل سدّدها؟ اجاب:لا !قلت، وكان وضعه المالي بدأ يتردى: لماذا لا تطالبه؟ احاب متحسرا: شيفيد؟ شفته بالشارع راكب سيارة، نزل. سلم.صعد مستعجلا وكلّه للسايق: دوس!
لو عنده غيرة جان دفع. ثم ردّد بيت الشعر الذي لم يكن يتعب من ترديده:
ان اقبلت باض الحمام على الوتد / وان ادبرت شخ الحمار على الأسد !
قبل سنوات حَسَبَ صديقُ المبلغ وفائدته وهتف: لك يبلغ الآن خمس ملايين دولار! ما تروح تطالب الورثة... بلكت يدفعون. أجبت على الفور من ط...!