الميتافيزيقا عند نيتشه

عماد الحسناوي
2016 / 7 / 16

تصور نيتشه للميتافيزيقا:
ما زالت الميتافيزيقا تحتل مكانة مهمة في التفكير الفلسفي منذ بدء ولاداتها في العصر اليوناني وحتى الآن، على الرغم من اختلاف القراءات التي تناولت هذا المفهوم، فقد شكلت الميتافيزيقا، من حيث هي سؤالا جوهريا للتفكير الفلسفي على امتداد تاريخه، صلب المنظومة الغربية بشقيها الأنطولوجي والقيمي، لكن هذا المفهوم تعرض لمجموعة من الإنتقادات، خاصة من الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه∗.
جميع تعريفات نيتشه للميتافيزيقا هي تعريفات في أغلبها قدحية وليست مدحية، مثل تعريفه للميتافيزيقا باعتبارها "العلم الذي يبحث في الأخطاء الأساسية للإنسان كما لو كانت هي الحقائق الأساسية". وهذا يعني أن الميتافيزيقا تفكير يحاول تبرير الأخطاء الإنسانية بإضفاء عليها صفة الحقيقة، لأن الحقيقة في نظر الفيلسوف الميتافيزيقي سلطة عليا وقيمة مثلى للواثن المعبود والإله المقدس الذي لا يطاله الشك أو النقد إطلاقا". وينظر نيتشه كذلك إلى الميتافيزيقا على أنها الوجه الأخر للاهوت حيث يقول "إن الميتافيزيقا ترى أن أسمى الحقائق ينبغي أن يكون لها مصدر أخر خاص بها. ولا يمكنها أن تتولد عن هذا العالم السريع الزوال، هذا العالم الخادع والوهمي، الفقير. كلا، إن الميتافيزيقا ترى أن منبع الحقيقة ومبدأها يكمنان في قلب الوجود، في ما لا يزول، في إله مستتر، في الشيء في ذاته؛ إن مثل هذا الكلام يشكل الحكم المسبق الذي يضم أشكال الميتافيزيقا عبر العصور، وهو يكون الخلفية التي تكمن وراء مناهجها المنطقية". والميتافيزيقا أيضا تتحالف مع الأخلاق من أجل تبرير الضعف الإنساني، يقول نيتشه "(إن الميتافيزيقا)؛ تؤدي إلى خلق عالم أخر مستقل من عالمنا الأرضي، وتضفي عليه أبهى صورة أخلاقية من حيث هو رمز للخير والحق والكمال، وهذا الطابع الأخلاقي التي تضفيه الميتافيزيقا على الوجود، تهدف من ورائه -على غرار الدين- إلى سلخ الإنسان من عالمه الأرضي، وربطه بعالم أخر، وهي تفعل ذلك بطريقة أكثر إقناعا من الدين، فلكي تجعل الإنسان عاجزا عن مقاومة إغراء الالتجاء إلى مثل ذلك العالم وإغراق يأسه وعجزه فيه".
من هنا يمكن القول أن أفلاطون هو الذي يمثل بنية الميتافيزيقا، انطلاقا من تقسيمه الأنطولوجي للعالم وماهية الإنسان وأسلوب التفكير، وهو الذي فسح المجال لبروز الخطاب الميتافيزيقي حول الحقيقة. فالميتافيزيقا ستظل تعتبر- على الأقل حتى هيجل- أن كل اختراق للحد الجذري الفاصل بين مفهومي الحقيقة والخطأ هو في الواقع خلط للوجود بالعدم وخرق لمبادئ العقل الأساسية وتلبيس للفلسفة بالسفسطائية، ومزج للصدق بالكذب وتدنيس الفضيلة بالرذيلة وهدم لنظام الكون بأسره.
وتعريفات نيتشه للميتافيزيقا لا تتوقف عند هذا الحد، وإنما تتجاوز ذلك لتتجه إلى النص الميتافيزيقي. حيث يرى نيتشه أن الخطاب الميتافيزيقي هو خطاب مخادع، هيروغليفي، يقوم بإعادة إنتاج نفس المفاهيم لكن بدلالة مختلفة، وهو نص يوظف العديد من الآليات التي تقوم بعملية الحجب والإقصاء.
ومن بين الآليات التي يعتمد عليها النص الميتافيزيقي نجد:
إقامة تطابق بين الدال والمدلول:
تستعمل الميتافيزيقا هذه الآلية لإقصاء كثافة الدلالة، أي إقصاء البلاغي للخطاب، وتحويل اللغة إلى مجرد وسيلة لنقل المعنى. فالنص الميتافيزيقي يجعل من المعنى خاضعا للنص وللعب اللغوي والإحالة المستمرة، أمام إرادة الحياة التي تريد فهم الوجود. وهنا نفهم إلحاح الميتافيزيقا على الوضوح وتجنب ألاعيب اللغة والمجاز "لأن الكتابة تحجب بقدر ما تبرر وتبين وتكشف بقدر ما تخفي وتموه" وهذا ما ينتقده بشدة "رولان بارت"، حيث يرى أن حركة النص هي العبور والإفتراق.
ب) إقامة تطابق بين القيمة والمعنى:
هذه الآلية تقول أن الميتافيزيقا هي التي تقدم الحقيقة التي تلخص الإنسان وتحرره من المعاناة، وبالتالي تحقيق السعادة والفضيلة.
وهذا ما قام به سقراط عندما وضع علاقة تطابق بين العقل =الفضيلة= السعادة. المعادلة المستحيلة. بالإضافة إلى جعل الفلسفة متواطئة مع الأخلاق والدين، أي تبرير التفسير اللاهوتي والأخلاقي للعالم. وهذا ما نجده بالخصوص مع كانط، عندما جعل من الأخلاق مسلمة لكي يفتح باب الإيمان من جهة، ومن أخرى من أجل إزالة الصراع الموجود بين الكنيسة والفلاسفة.
ج) إقصاء الجسد:
منذ سقراط وأفلاطون نجد أن الفلسفة هي التي تعلم الإنسان كيفية الموت، أي موت الجسد. وحتى في تاريخ الفلسفة الحديثة مع "ديكارت" و"كانط" كانت الفلسفة تبحث عن تلك "الحساسية المتعالية" من الذات البشرية التي تنطبع عليها الأشكال والألوان والأحجام والأصوات والأدوات. في ظل تغيب كامل للجسد.
يقول ديكارت في التأمل السادس من التأملات الميتافيزيقية: "لدي فكرة متميزة عن الجسد من حيث أنه ليس إلا شيئا ممتدا، وغير مفكر، فقد ثبت أن هذه الإنية، أعني نفسي التي تقوم بها ذاتي، وماهيتي متميزة عن جسمي تميزا تاما حقيقيا وأنها تستطيع أن تتواجد بدونه". وبهذا فالخطاب الميتافيزيقي هو خطاب مفارق ومعاد للحياة، وما ينتج لنا سوى الإنسان الارتكاسي. وفي نظر نيتشه إعادة الإعتبار للحياة يعني إعطاء أهمية للجسد والحواس، وهنا يقول نيتشه :"إن الحواس لا تكذب البتة، بل ما نفعله بشهادتها هو ما يدس الكذب في داخلها، مثل أكذوبة الوحدة على سبيل المثال وأكذوبة الجوهر، والديمومة...إن العقل هو السبب الذي يجعلنا نزيف شهادة الحواس."