ليلة 14تموز 1958 - ذلك الرجل ... تلك الليلة *

ابراهيم الحريري
2016 / 7 / 13

]اندفعت قيادة الحزب الشيوعي العراقي، وبشكل خاص الشهيد سلام عادل، كما اشرت في الحلقة السابقة، الى المساهمة النشيطة، مع قوى واحزاب المعارضة الأخرى، في اسقاط النظام الملكي الذي سحق، طيلة عقود، كل النشاطات السلمية من اجل التغيير، بالحديد والنار. ومع انه كُتب الكثير، عن مراحل الأِعداد لأِسقاط النظام الملكي، ودور هذا الحزب او تلك القوى، بما فيها الحزب الشيوعي، إلا انه ما يزال يراودني هاجس ان الدور الفعلي للحزب ولسكرتيره لم يوفَّ حقه، وانه ما تزال هناك الكثير من التفاصيل لم يكشف عنها. ومن المؤسف، بل المحزن، ان اكثر من كان بامكانه الاِضافة اما غاب، اوغُيّب. وما ازال اعتقد ان نشاط الشيوعيين في القوات المسلحة، منذ تأسيس الحزب، لم تجر الأحاطة به بشكل تفصيلي وواف. لعل باحثا ممن يتوفر لديه الوقت والأدوات والهمة، يعكف على تحقيق ذلك. لقد كان في بالي، كما اخبرت احد الرفاق- لعله ما يزال يتذكر- ان اقوم بهذه المهمة، حتى مرّت السنوات، وتوالت الأعباء والأرزاء، فأدركت ان الأمر فات، وبات فوق طاقتي، خصوصا اني لا امتلك لا المنهج ولا الأدوات...فقط!] أ.ح

*****************
كان كمال عمر نظمي يتهيأ للاندساس في فراشه، عندما انتبه الى جرس الباب الخارجي يقرع قرعا خفيفا. لم يكن، خصوصا في ذلك الوقت المتأخر، يتوقع احدا.
وضع كمال الروب دي شامبر، وكان يرتدي البيجاما، واتجه الى الباب.عندما فتحه كان في مواجهته ذلك الرجل الناحل، الأقرب الى الطول، وقد بدا الشيب يخط شعره الأسود الكث، يعتلي وجها ناحلا، رقيق القسمات، يميزه فم يفصح، بالكاد، عن نصف ابتسامة، يبين من خلالها سن اوسنان مذهبان، يعلوهما شارب خفيف رفيع وعينان لامعتان ذكيتان يهمي منهما، كما البرق، ذلك الشرّر المتوقد، يفصح عن توقد روحه وتوترها...
دعاه كمال، وكان قد اعتاد على زياراته المفاجئة، الى الدخول، إلا ان الرجل سأله وهويتجاوز العتبة: "هل في سيارتك ما يكفي من البنزين"؟
كان كمال، لحسن الحظ، ملأ ذلك اليوم خزان السيارة، فرد بالإيجاب.
-اذن" قال الرجل وقد ازدادت عيناه أِتقادا "غير ملابسك ولنقم بجولة في بغداد"!
عندما جلس كمال خلف المقود، بعد ان غير ملابسه ودسّ بينهما مسدسا كان اعتاد حمله في المهمات الخطرة، خاصة عندما يكون الى جانبه رجل على مثل هذا القدر من الخطورة، طلب منه الرجل التوجه الى وزارة الدفاع. عندما حاذاها، كان ثمة جلبة عند الباب: جنود ومراتب يفدون وآخرون يغادرون. لم يستطع الرجل ان يخفي قلقه.
طلبَ من كمال التوجه الى الحي الذي يقيم فيه نوري السعيد في كرادة مريم. لعل كمال لم يستطع ان يخفي وجيب قلبه؛ بيت نوري السعيد؟ في هذا الوقت المتأخر وبحانبه ذلك الرجل، بل تلك الشحنة المتفجرة؟ لم يجزع كمال على نفسه فقط، بل بالأساس، على مرافقه. الا انه توجه بالسيارة الى كرادة مريم. اقترب بها من دار نوري السعيد، كانت الأنوار مطفأة، او تكاد، عدا مصباح اواثنان فوق الباب الخارجية التي يجلس عندها شرطي يغالب النعاس.
كل شيء، اذن، اعتيادي، ليس ثمة ما يبعث على القلق.
عطفا على بوابة معسكر الرشيد. طلب الرجل من كمال، وقد اطمأن، العودة.
"الى اين؟ الى البيت؟" قال كمال متلهفا.
"لا! الى وزارة الدفاع ثانية". ردّ الرجل. طلب من كمال ان يترجل امام محل لبيع "الحريرة" (نوع من الحلوى) اعتاد ان يبقى حتى ساعة متاخرة. طلب منه ان يستفسر عن سبب الجلبة امام باب الوزارة لدى مرورهما بها اول مرة.
ترجّل كمال. طلب كاسة حريرة، وهو يتذوقها متمهلا مبديا للبائع اعجابه بحسن الصنعة دس السؤال. فهم من البائع انها الجلبة التي ترافق تبديل وجبات الحراسة عند منتصف الليل. ازدرد كمال ما تبقى من كاسته وهرع الى الرجل يطمئنه.
في طريق العودة الى البيت التفت الرجل الى كمال. قال وكانه يزف خبرا عاديا:
"غدا الثورة!"
كاد قلب كمال يتوقف. مع انه كان يتوقع احداثا جساما كان شارك هو، شخصيا، في الإعداد لها، إلا انه لم يكن يتوقع ان يتم الأمر بهذه السرعة.
...............................................
دخلا. قبل ان يتوجه الرجل الى سريره طلب ايقاظه لدى سماع "الخبر" من الإذاعة، ثم نام.
**********
* كتبت هذه الخاطرة لـ"طريق الشعب". أعيد نشرها في الكتيب المعنون " فتى السبعين" المكرس للعيد السبعين لتأسيس الحزب. وهي تعتمد على ما رواه الراحل كمال (ابو فارس) لأخ الشهيد سلام عادل، المناضل مهدي (ابوصلاح)، مد الله في عمره، وقد التقيا بعد انقلاب شباط البعثي الدموي عام 1963، في سجن نقرة السلمان.