الاقتصاد السياسي للملابس المستعملة

مصطفى مجدي الجمال
2016 / 7 / 11

(((( هذا المقال عمره 12 سنة.. ومع ذلك لم ينشر.. وقصته أنني كنت أكتب لإحدى الصحف العربية في الشئون الأفريقية.. وقد كتبته عن تجارة واستهلاك الملابس المستعملة في أفريقيا، باعتبار هذا من تطبيقات العولمة، وتعبيرًا عن الفقر الذي يضرب بعنف حتى الفئات المتوسطة في القارة. وقد كان دافعي المباشر لكتابة المقالة تأثري الشديد بدراسة حول الموضوع نشرها المجلس الأفريقي لتنمية العلوم الاجتماعية (كوديسريا).. وقتها رأى القائمون على الصحيفة أن المقال قد يُفهم خطأً على أن به إهانة للأفارقة. هذا بالرغم من كون الظاهرة متفشية الآن في القاهرة (وكالة البلح وغيرها كثير) والمدن المصرية كلها تقريبًا.. وحيث نرى أعدادًا كبيرة من المواطنين يقبلون عليها.. المهم أنني عثرت على المقال المرفوض في حاسوبي فرأيت أن أخرجه للنور))))

عرفت كثير من البلدان تجارة السلع المستعملة. مثلاً فى مصر كانت هناك "سوق الكانتو" و"بائعو الربابكيا".. وما زالت هذه الظواهر مستمرة فى "سوق الخميس" بحى المطرية شرق القاهرة، أو فى "وكالة البلح". وهى تجارة تروج بشدة مع ازدياد الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وإن كانت تجرى عموماً فى إطار ثانوى من الاقتصاد الوطنى.
والغريب أن مشكلة "الملابس المستعملة" أصبحت تمثل مشكلة وطنية لدولة زامبيا، وهى إحدى الدول الداخلية أو "الحبيسة" فى الجزء الجنوبى من أفريقيا. يبلغ عدد سكان زامبيا حوالى تسعة ملايين نسمة، وكانت تعرف فى الماضى الاستعمارى باسم روديسيا الشمالية. وهى بلد غنية بالمعادن مثل النحاس والكوبالت والزنك والذهب والرصاص، وبها أيضاً نشاط زراعى وثروة حيوانية معقولة إلى جانب غابات المطاط. ومع ذلك فإن زامبيا- مثل شقيقاتها الأفريقيات- تعانى من أزمات اقتصادية واجتماعية (وبالتالى سياسية) عنيفة. غير أن آخر ما يخطر على البال أن تتحول السلع المستعملة المستوردة من الخارج إلى موضع جدال وطنى واسع، وأن تتعرض صناعة النسيج فيها إلى خطر داهم جراء الاتجار فى السلع المستعملة. وهى قضية تثير أسئلة اقتصادية وثقافية عويصة، وتقدم لنا صورة بالغة الغرابة للعولمة.

تاريخ "المستعمل"

ليست تجارة السلع المستعملة غريبة على زامبيا، مثلها فى ذلك مثل دول أفريقية عديدة. وقد عرفت زامبيا استيراد الملابس المستعملة فى عشرينيات القرن الماضى عن طريق تجار كونغوليين. وفى البداية لم تكن الكميات المستوردة كبيرة، كما كان من يرتدونها حريصين على إخفاء حقيقة ارتدائهم للمستعمل. وفى أواخر الثمانينيات حدثت طفرة هائلة فى الكميات والأنواع المستوردة، حتى تحولت إلى تجارة شعبية واسعة وعنصر استهلاك أساسى. وأصبح التجار والشركات المحلية يستوردون مباشرة من الخارج عبر مينائى "دار السلام" (تنزانيا) و"دربان" (جنوب أفريقيا). كما لم يعد المستورد يقتصر على الملابس وإنما امتد ليشمل الحقائب وملاءات السرير والمفارش والستائر والأغطية، وبالمثل الأجهزة الكهربائية وإطارات السيارات وقطع الغيار... الخ. أما الجديد حقاً فهو أن المستهلك الزامبى لم يعد يخجل من استخدام سلع مستعملة، بل على العكس من ذلك أصبح يعتبرها ملبيه لحاجته وللأذواق الجديدة، وربما موضع فخره!

الشبكة التجارية

تعتبر الولايات المتحدة الأمريكية هى المصدر الأول للسلع المستعملة الواردة إلى أفريقيا جنوب الصحراء، وتليها فى ذلك أوربا. وتحصل الشركات المحلية المتخصصة على معظم وارداتها من الشمال عن طريق الجمعيات الخيرية فى البلدان المتقدمة. فهذه الجمعيات تتلقى كل عام كميات هائلة من تبرعات الملابس والسلع المستعملة ولا تستطيع الاحتفاظ بها فى مخازنها، فتقوم بالتصرف فى معظم الكميات المخزونة بالبيع بأسعار رمزية لشركات غربية متخصصة فى الفرز والتصليح وإعادة التعبئة. ومن ثم تتم إعادة تدوير هذه السلع ليستهلكها سكان العالم الثالث. وهكذا تتحول التبرعات إلى سلعة وتجارة.
وفى منتصف التسعينيات كانت توجد فى زامبيا حوالى 40 شركة متخصصة فى هذا النشاط، من بينها بيوت تجارية عريقة مملوكة لعائلات هندية ولبنانية ومحلية أيضاً. بل إن الكثير من الشركات المحلية العاملة فى مجال صناعة وبيع الملابس الجاهزة قد غيرت نشاطها ليشمل استيراد وتجارة الجملة فى المستعمل.
ويقوم التجار بشراء "بالات" الملابس المستعملة من مخازن الجملة، ومن ثم بيعها فى أسواق خاصة بهذا النشاط مثل سوق "كاموالا" فى العاصمة، وامتد الأمر إلى الأكشاك وباعة الأرصفة. وهناك تجار جوالون يمرون على القرى، ويحصلون على المقابل فى صورة ماعز أو دجاج أو سمك أو خضروات.. الخ ويتم بيعها مرة أخرى فى المدن. ويقوم قسم آخر من تجار المفرق بالمرور على الموظفين فى المكاتب والمؤسسات مقابل أقساط يسددونها من مرتباتهم الشهرية. بل وأكثر من ذلك فإن الأحياء "الراقية" فى المدن والتى يعيش بها أصحاب الدخول المتوسطة والمرتفعة.. تعرف أيضا تجارة السلع المستعملة حيث تباع فى منازل خاصة، بعيداً عن عيون المارة، وتتخصص فى السلع المنتقاة من "البالة".

جوانب اقتصادية

تقع الحكومة الزامبية تحت ضغوط مختلفة ومتعارضة إزاء كيفية التعامل مع هذه القضية. فهناك أولاً ضغوط المؤسسات المالية والتجارية الدولية التى ترفض فرض القيود على الاستيراد تحت شعار تحرير الأسواق، وهناك "لوبى" (أو جماعة ضغط) تجار ومستوردى السلع المستعملة الذين تزايد نفوذهم بدرجة كبيرة فى العقدين الأخيرين. وفى المقابل يقف صناع النسيج والملابس الجاهزة المحليون الذين ينادون بوقف طوفان الملابس المستعملة الذى يهدد بخراب الصناعة الوطنية. وبالنسبة لنقابات عمال هذه الصناعة فهى ضعيفة بسبب القيود السياسية والإدارية.
أما المستهلكون، فإن برامج الإصلاح الاقتصادى المملاة من جانب المؤسسات الدولية، قد أدت إلى ارتفاع معدلات البطالة والإفقار لتطال حتى الفئات المتوسطة من المجتمع. ونتيجة لانهيار قدرتهم الشرائية لم يعد باستطاعتهم شراء السلع المنتجة محلياً، ولا حتى السلع الرخيصة المستوردة من جنوب شرقى آسيا.
وقد احتدم الجدل حول إهدار العملات الصعبة فى استيراد الملابس المستعملة، وقتل صناعة النسيج والملابس الجاهزة (وهى الصناعة المعروفة تقليديا بصناعة "الفقراء" بسبب عدم احتياجها إلى تقنية متطورة جداً أو رأس مال كبير) خاصة وأن الحكومة كانت تفرض رسوماً جمركية عالية على واردات المدخلات الضرورية لهذه الصناعة، بينما الرسوم الجمركية على السلع المستعملة شديدة التفاهة.
وبدأت المصانع المحلية تغلق أبوابها، بسبب عجزها عن تصريف الراكد فى مخازنها، وعدم قدرتها على تجديد خطوط إنتاجها المتهالكة، أو منافسة الأذواق المستوردة. وارتفعت الدعوة فى أوائل التسعينيات إلى حظر استيراد هذه السلع. ولكن "لوبى" الملابس المستعملة شنوا حملة مضادة قوية باعتبار أن إجراء كهذا مناف لليبرالية الاقتصادية التى التزمت بها الحكومة، وأن أفضل شئ تصنعه الحكومة هو مساعدة أصحاب المصانع المحلية فى جودة الإنتاج وتقليل التكلفة.
ورغم أن الدولة اضطرت أخيراً إلى تقليل الرسوم الجمركية على مدخلات الإنتاج الصناعى، فإن أزمة صناعة النسيج الوطنية قد استمرت فى التعقد بسبب عدم قدرتها فى مواجهة المستورد والمستعمل. وحاولت الحكومة عام 1998 رفع الرسوم الجمركية على الملابس المستعملة ثلاثة أضعاف ولكنها جوبهت بانتفاضة حقيقية من تجار الملابس المستعملة الذين أغلقوا مخازنهم ومحالهم، واتجهوا فى تظاهرة حاشدة إلى مقر محافظ العاصمة (لوساكا). وأوردت الصحافة الزامبية تصريحاً بالغ الدلالة لرئيس رابطة تجار الجملة فى السلع المستعملة قال فيه: "إن تجارة الملابس المستعملة موجهة بالأساس إلى الفقراء، حيث أعطيتهم فرصة الملبس المناسب على الرغم من المصاعب التى يمرون بها فى حياتهم. فكيف يمكنكم أن تبرروا للفقير حرمانه من ذلك، وإجباره على ارتداء أسمال ممزقة مهلهلة؟".
واضطرت الحكومة إلى تعليق قرارها، خاصة بعد المناقشات المثيرة التى جرت فى البرلمان. فقال أحد النواب مثلاً إن ارتداء الملابس المستعملة قد أدى إلى تفشى الأمراض (خاصة الجلدية)، ووصم المتاجرين فيها بالإجرام. ومن أصحاب الرأى المضاد وقف أحد النواب ودعا إلى عدم الاستخفاف بالجانب السياسى فى هذه القضية، وقال: "إذا لم تكن هناك ملابس مستعملة فإن أغلب أعضاء البرلمان لن يستطيعوا المجئ إلى هنا بملابس لائقة"!! ومن أغرب ردود الأفعال كانت مبادرة أطباء المستشفى الجامعى فى "لوساكا" بإصدار بيان ينفون فيه وجود أية علاقة بين ارتداء الملابس المستعملة والأمراض الجلدية!!
وفيما بعد حاولت الحكومة تنظيم هذه التجارة من خلال سياسة تعتمد على الترخيصات والضرائب المفروضة على البائعين. فقد اختارت الدولة كما قال الرئيس السابق "تشيلوبا" أن "تدخل السعادة على الكثرة من تجار السلع المستعملة عن الأقلية الضئيلة الممثلة فى أعضاء اتحاد الصناعات". وفى حقيقة الأمر أن الدولة قد فضلت زيادة إيراداتها من الرسوم المفروضة على هذه التجارة، بدلاً من تشجيع الصناعة الوطنية التى أصبح إصلاحها وزيادة قدرتها فى المنافسة من الأمور الميئوس منها تماماً.

"ثقافة" السلع المستعملة

ليس شراء السلع المستعملة مرتبطاً فحسب برخص أسعارها. إنما الأمر يرتبط أيضاً بالمودات والأذواق الجديدة التى تروج لها الأفلام والقنوات التلفزيونية الاجنبية، فضلاً عن أفواج السياح. وفى الحقيقة أن الأزياء التقليدية الشعبية آخذة فى إخلاء الساحة أمام الأذواق الوافدة. وهذا هو نوع خاص من الاندماج فى العولمة ونمط الاستهلاك الغربى. ومما يدلل على صحة هذا الاستنتاج أن الكثير من أفراد الفئات العليا والمتوسطة، يتفقون مع تجار الملابس المستعملة لأن يحتجزوا لهم القطع المميزة، فهى سلع جيدة وحديثة ورخيصة.
وأصبحت "سالولا"- أو الملابس المستعملة بلغة الـ "بيمبا"- عند الكثيرين هى مفتاح الوصول إلى الحداثة، ولو على مستوى المظهر والشعور فقط. والأغرب من ذلك أن هناك أغنيات شهيرة فى زامبيا تتخصص فى امتداح هذه التجارة. مثلاً هناك أغنية المطرب الشهير "تشيلامبى" التى يقول فيها:
"انبشى يا أمى فى الكوم،
هذا الحذاء لطيف،
هذا البنطال جميل،
هذا القميص رائع..
مثل الذى يرتدونه هناك
لنشكر التجار الزائيريين..
على هذه البالة.
وكلما وجدت سالولا..
تكون أمى هناك لتنبش".
وفى الحقيقة أن هذا المطرب نفسه عاد بعد سنتين وغير موقفه، وغنى أغنية أخرى- لم تلق ذات الرواج- اتهم فيها تجار الملابس المستعملة بنشر الأمراض والأوبئة، وقال لهم "أنتم خدم الرجل الأبيض". إلا أن مطرباً آخر يدعى "زيموس" تولى راية الدفاع عن "السالولا"، وقدم أغانى عديدة يتحدث فيها عن أن الجميع أصبحوا يشترون المستعمل حتى المصرفيين وضباط البوليس، وينتقد أولئك الذين يبذرون نقودهم فى شراء سلع غالية من المحلات الراقية. وهكذا أسهم بعض الفنانين فى تعبئة الرأى العام للدفاع عن مصالح تجار السلع المستعملة.