اليهودى الأبيض أم اليهودى الأصفر فى إفريقيا!

حاتم الجوهرى
2016 / 7 / 10

تعد الإدارة الصهيونية لملف علاقاتها فى أفريقيا نموذجا فى فن تغيير وتقديم "الصورة النمطية" للشعوب، والذى يعد بمثابة القوة الناعمة فى علاقات الدول مع بعضها والذى يمهد لتحسنها وتطورها أو يؤشر على جمودها وتراجعها للأسوأ، فبينما عجزت مصر والدول العربية عن توظيف الفن والتاريخ والسياسية والمشترك الإفريقى مع القارة! استطاعت "إسرائيل" أن تغير صورتها النمطية الاستعمارية التى كانت تقدمها امتدادا "للمستعمر الأوربى الأبيض" الذى احتل فلسطين، وشيئا فشيئا زرعت فى العقلية الإفريقية صورتها "كيهودي أصفر" تعرض للاضطهاد فى أوربا وأجبرهم "هتلر" على وضع "نجمه صفراء" على ملابسهم!

العنصرية والترويج لـ "اليهودى الأصفر"
نجحت الصهيونية فى استبدال صورة "المستعمر الأبيض" التى كانت شائعة عنها لدى الأفارقة، لتقدم نفسها فى صورة "الزنجى الأصفر" الذى تعرض للاضطهاد من "الرجل الأبيض" الألمانى العنصرى الذى ينادى بتفوق الجنس الآرى! نجحت الصهيونية فى العثور على المشترك الروحى والنفسى بين اليهود وبين الأفارقة، وشيئا فشيئا استبدلت الصورة التى كانت أقرب "للمستعمر الأبيض" بصورة اليهودى المضطهد الذى أُجبر على التمييز العنصرى ووضع شارة صفراء على ملابسه فى أوربا موطن الرجل الأبيض المستعمر!

العرب والصهيونية: فشل ونجاح فى إدارة ملف القوة الناعمة
فى حين ماذا فعلنا نحن كعرب! لقد خسرنا حتى الدعم الروحى والمعنوى وانسحبنا من كل الملفات؛ حتى وضعت الصهيونية يدها على مفاتيح المنطقة، وانشغلنا نحن بتسويق وبروباجندا داخلية لا ترقى لمستوى الإدارة السليمة لدولة تدرك المخاطر التى تحيط بها! قبل أن تنتقل "إسرائيل" لمرحلة خلق المصالح المشتركة مع إفريقيا بالسلام والمساعدات والتقنية وخلافه، كان عليها –وقد نجحت- فى أن تعبر الحاجر النفسى بينها وين الأفارقة وتغير "الصورة الذهنية" المستقرة عنها فى القارة! نجحت الصهيونية على المستوى العقلى ومستوى القوى الناعمة، قبل أن تنتقل للمستوى الواقعى وتخلق لغة المصالح المشتركة بينها وبين القارة السمراء.

سلام التسعينيات والمحطة الفاصلة فى الدولة المصرية
إذا قسمنا التاريخ لمحطات رئيسية فى الصراع العربى الصهيونى، لقلنا أن بعد مرحلة عبد الناصر بما لها وما عليها، كانت المحطة البارزة اتفاقية السلام أواخر السبعينيات مع السادات التى كانت فى الأغلب كسرا لحاجز رسمى لم ينتقل أبدا للمستوى الشعبى، إلى أن جاءت المحطة القاصمة فى عهد الرئيس مبارك، عندما قبل فكرة شرق أوسط كبير تسيطر عليه "إسرائيل" بعد حرب الخليج الثانية، وما صاحب ذلك من تراجع على كافة الملفات أدت للانهيار الذى وصلنا له اليوم، والوضع الذى ثار عليه الشعب فى يناير! أتذكر فى التسعينيات حينما كانت "إريتريا" تتجه لبعدها العربى ودخول جامعة الدول العربية، حين كاد البحر الأحمر أن يتحول لبحيرة عربية خالصة، ثم مدى عجز رجال دولة مبارك فى إدارة الملف، وخضوعهم للمخططات الصهيونية والأمريكية.. حتى وصلت الأنباء الآن أن إريتريا ستعطى إسرائيل قاعدة عسكرية تطل على البحر الحمر، فى مقابل مساعدات وخلافه!

خطورة قادمة ومستمرة
خطورة "اليهودى الأصفر" فى إفريقيا أنه سيخلق حالة مشابهة للوضع الذى كان سائدا فى أوربا إبان الحرب العالمية الثانية، حينما نجحت الصهيونية فى الترويج لاحتلال فلسطين على أنه الحل لمذابح النازى ضد يهود أوربا، وتعامل الأوربيون مع الأمر بنوع من الذنب والتعويض تجاه ما قام به النازيون ضد اليهود..! "اليهودى الأصفر" أو "اليهودى المضطهد" فى إفريقيا، سيعطى لإسرائيل المبرر لكل خطتها ضد الدول العربية ومصر خاصة، وانظر كيف خسرنا فى معركة أثيوبيا وملف المياة وسد النهضة دون حرب، رغم أن التاريخ والجغرافيا والقانون الدولى معنا!

ضغط الملف الداخلى على النظام
الاعتماد على خطاب دعائى لا يصلح إلا للاستهلاك المحلى لم يعد يجدى؛ والاستقطابات السياسية لخلق مواقف طارئة تكسب بعض الوقت أوقفت البلاد محلك سر! لكن ناقوس الخطر يدق الآن بعدما دخلنا فى طور التراجع والهزيمة! على القيادة السياسية سرعة وضع خطة داخلية للبلاد، وخطة خارجية لإدارة المحيط الاسترتيجى لمصر والأمة العربية! خطة داخلية تتجاوز فكرة الاستقطابات وتسعى لمشروع سياسى يقوم على العدالة والمؤسسية والإصلاح الجذرى، وخطة خارجية تمد بها الجسور مع إفريقيا والبلدان المحيطة، قبل فوات الأوان..
وفوات الأوان هنا يعنى بكل وضوح؛ توريط الأجيال القادمة فى تحمل تبعة ملفات سيستغرق حلها وقتا.. كان الأولى توجيهه لترسيخ النموذج والمشروع الحضارى المصرى الجديد، طليعة ثورات القرن العشرين! والتى قدمت مفهوم الثورة من أجل تغيير تراكمات السياق التاريخى ومنظومة قيمه الحاكمة، فى ثورة قيمية رائدة سيسجلها التاريخ بما تستحق فى حينه.

خاتمة:
على المستوى المعنوى والروحى الأجدر لمصر البحث عن المشترك النضالى والعرقى والتاريخى والسياسى مع الأفارقة، وعلى المستوى المادى يجب الوصول لمعادلة سياسية داخلية ترضى دعاة الثورة والتغيير الجذرى؛ بما يمكن من الالتفات للملفات الخارجية الملحة، وأهمها وقف التنازل عن تيران وصنافير لأنه أعطى الانطباع بان مصر دولة متآكلة ظروفها الداخلية أفقدتها التوازن والبوصلة، ويجب العودة للقرن الإفريقى وحوض النيل وإفريقيا كلها بنماذج التعاون المشترك والتبادل السلعى ونقل التكنولوجيا والخبرات، ويجب إدارة ملف إثيوبيا بوزارة طوارئ تستخدم كل فنون الحرب الباردة، وفنون التعاون المشترك.. الردع القوى الحاسم مع الأيادى الناعمة الممدودة بالتعاون والسلام والمحبة!
ضغط الملف الداخلى على إدارة السيسى سيفقده التوازن؛ بحثه عن شراء الدعم الخارجى الإقليمى والدولى فى مواجهة مطالب الثورة والشباب، أرخص منه وأنفع للبلاد لو اشترى دعم الثورة وتوقف عن سيناريو "القطيعة والصدام" * الذى روج له منظروا السلطة القديمة. وذلك قبل أن تتورط البلاد فى ملفات سندفع من عمرنا حتى نسترد التوازن فيها.

* راجع مقالى: مجلة السياسية الدولية بين الثورة والتكيف

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=442568