عشية 14 تموز 1958 (2)

ابراهيم الحريري
2016 / 7 / 8

(أواصل رواية الأحداث ليس، فقط، من موقع المشاهد، بل ايضا الفاعل والمتفاعل، ولقد كنت في موفع يسمح لي بذلك، و ارجو ان لا يعد ذلك تنطعا مني او تفاخرا بما لا استحقه، بل هو امانة لا يمكن لي ان اتجاوزها، بدعوى التواضع او الإفراط فيه، حد التفريط المخل. و ليعذرني القارئ اذا لم اكن دقيقا في ايراد التواريخ كذلك الإستشهاد بالمقتطفات، فانا اكتب بعيدا عن المصادر)
عكفت الأحزاب والحركات السياسية المعارضة على تحليل النتائج التي اسفرت عنها انتفاضة 1956: قمع وحشي بالحديد والنار، تراجع في زخم الحراك الشعبي، وانتشار نوع من الياس، اذا جاز لي التعبير، في المزاج الشعبي. و لم يكن الحزب الشيوعي بمعزل عن حركة المراجعة هذه.
معلوم ان الحزب كان قد خلُصَ في التقرير الذي اسفر عنه الكونفرنس الحزبي المنعقد اواسط عام 1956 الى ان التحول الوطني الديمقراطي في العراق سيتخذ، على الأغلب، طابعا سلميا، متاثرا في ذلك بالتقديرات المتفائلة التي اشاعها المؤتمر العشرون للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي حول الإنتقال السلمي الى الإشتراكية، وكذلك بالإنتصارات التي كانت تحرزها حركات التحرر الوطني العربية، وحركات التحرر الوطني في بلدان ما يسمى العالم الثالث، وانحسار النظام الكولونيالي في العديد من مناطق العالم.
قد يكون هذا الإستنتاج، بشكل عام، صحيحا، لكن الماركسية تعّلم، ايضا، دراسة كل وضع على حدة، اي ما اصبح، على حد التعبير اللنيني الذي بات شائعا "دراسة الوضع الملموس بشكل ملموس"
ليس هنا مجال الإستطراد في مماحكات نظرية. المهم تتبع ما افرزته انتفاضة 1956 من نتائج على تفكير واساليب عمل الاحزاب السياسية المعارضة بما فيها الحزب الشيوعي.
ولعلي لم اكن الشيوعي الوحيد الذي طالب الحزب باعادة النظر في استنتاج الكونفرس الحزبي حول "الإنتقال السلمي..." (حداني الى هذه المراجعة، ايضا، جرح بليغ برأسي بطول 11 غرزة غامر بالقيام بغرزها الطبيب الراحل هاشم المدامغة في مستوصف شارع العشرين في الاعظمية، من دون تخدير، من طابوقة لا اعرف مصدرها، كَعّدت راسي!) ليس هذا فحسب، بل طالبت بتشكيل فصائل للمقاومة الشعبية الصدامية المسلحة، تتولى اعمال التخريب في المنشآت البريطانية، ومواجهة قوات الشرطة. وأبديت استعدادي للمشاركة في هذه الفصائل. بل تهيأت للمشاركة بعد ان تلقيت اشارة تطلب مني ان استعد!
لم يطل الوقت حتى صدر تقرير عن اللجنة المركزية، يحلّل الدروس المستخلصة من انتفاضة 1956، يسحب التقدير المتفائل حول "التحول السلمي... الخ" ويستبدله باستنتاج "التحول العنفي على الأغلب...".
عرفت، فيما بعد، انه كانت هناك وجهات نظر مختلفة حول السبل الملموسة لتطبيق هذا الإستنتاج، فبينما دعا الراحل عامر عبد الله الى اغتيال نوري السعيد، كما ورد في بعض المذكرات، لعل من بينها المؤلف الهام للرفيقة ثمينة يوسف "سيرة مناضل"، وهو ما عارضه الشهيد الخالد سلام عادل لأنه ينطوي على نزعة مغامرة ونفاد صبر، كما ورد في المؤلف المذكور. وأرجو ان لا اكون مخطئا، فانه تكونت فعلا فصائل مقاومة شعبية قامت ببعض اعمال التخريب، كما عرفت فيما بعد
فعند التقائي، عام 956 بالصديق الراحل شهاب التميمي، في معسكر السعدية الذي ضم، بعد سحق الإنتفاضة، المئات من الناشطين، كنت من بينهم، أسرّني عن عملية القاء قنبلة على السفارة البريطانية في الكرخ اشترك فيها هو ورفيق نجار كان معتقلا معنا (لا اتذكر اسمه لعله كريم التقيته مرة ثانية بعد عام 2003 في محله قرب ساحة الفردوس، تحول الآن الى مطعم للوجبات الجاهزة) وتمت هذه العملية باشراف الراحل بيتر يوسف، وقد كان وقتها قريبا جدا من الشهيد سلام عادل.
لكن يبدو ان قيادة الحزب، و بشكل خاص سلام عادل توصلت الى ان هذه العمليات، مهما كان الضرّر الذي تلحقه بالمنشآت البريطانية او حتى في مواجهة الأجهزة القمعية للنظام، فانها لن تفلح إلا في انزال بعض الخدوش في بنية النظام، في حين ان المطلوب هو: استئصاله من الأساس!