عشية 14 تموز 1958 (1)

ابراهيم الحريري
2016 / 7 / 7

ابراهيم الحريري

كان يبدو ان كل شيء انتهى. وان الأمر استقر لحكومة نوري السعيد. فقد افلح، بالحديد والنار، في سحق انتفاضة عام 1956، التي انفجرت في العاصمة بغداد وأكثر المدن العراقية، تضامنا مع مصر، التي كانت تقاوم العدوان الثلاثي البريطاني –الفرنسي - الأسرائيلي، ردا على تأميم قناة السويس، ولإسقاط حكومة عبدالناصر: علّق، في اكبر ساحات مدينة الحي، ثلاثة من قادة الإنتفاضة هناك على اعواد المشانق، وجابهت الشرطة الطلاب المحتجين في النجف بالرصاص واستشهد اثنان من الطلاب، سقط العشرات قتلى وجرحى برصاص الشرطة في بغداد وسائر المدن العراقية المنتفضة، وفتحت ابواب السجون والمعتقلات لإحتجاز المئات، ربما الآلاف، من الناشطين ومن قادة الأحزاب الوطنية المعارضة وقادة النقابات والمنظمات المدنية.
أطبق ظلام دامس من الإرهاب، كأن الجواهري الكبير كان يقصده عندما قال: "اطْبِق دجى اطبق ظلام..". زاد الطين بلّة ان شرطة التحقيقات الجنائية افلحت، بسبب خيانة شيوعي سابق كان قد تحول الى عميل للأمن، في كبس مطبعة الحزب السرية. وحدثت انهيارات،هنا وهناك، وتسرب اليأس الى نفوس بعض المناضلين، فآثروا الإبتعاد عن الميدان.
في هذه الظروف ردّد نوري السعيد، في خطاب له على امواج الأثير من الإذاعة العراقية قولته الشهيرة: "دار اسد مأمونة"! مكرسا، ما بدا له، انتصاره النهائي الراسخ، محاولا بث الطمأنينة في صفوف أركان نظامه، وحلفائه في عواصم حلف بغداد .
هكذا كانت تبدو الأمور على السطح...
لكنها لم تكن، ابدا، كذلك في الأعماق، التي كانت تغلي، على نار هادئة حينا، ومضطرمة اغلب الأحيان...
هاملتون – كندا
5/7/2016