تنبوءآت كاتب

غفران محمد حسن
2016 / 7 / 5

قصة قصيرة- تنبوءآت كاتب
غفران حداد
حين كنت أحضر الجلسات الأدبية ويصادفني ألنظر في تقاطيع وجه ذلك الكاتب أشعر بالغثيان منه, لطالما شعرت بأنه رجل زير نساء ونظراته كانت تمعن النظر في تفاصيل جسدي و كلما مر في طريقي أغيّرإتجاهي وكلما حاول التحدث معي ,أختفي من المكان بسرعة البرق.
"يا الهي ما الذي عليّ فعله لتجنّب مكر ذلك الذئب" قلت في سري
مرّت ثلاث سنوات لم أذهب فيها لحضور أيُّ جلسة شعرية ,أو فنية.
تركت العمل في المتابعات الأدبية بسبب ذلك الكاتب دون غيره إن كانت أدبية أو فنية بعد أن قررت أن أغير طريق توجهي في الحياة بأن أسلك درب التمثيل بعيدا عن مهنة المتاعب,رغم معارضة من حولي ,رغم أنّ قلبي ينبئني بأنه عليّ الإستمرار في كتابة الشعر الغنائي والقصة ورغم أنّ قلبي ينبئني بأنني سأكون نجمةٌ ذات يوم,وأفوز بحب المطرب الذي تعشقه أجمل النساء .
"مجنونة أنتِ من دون شك من تحسبين نفسكِ لكي تفوزين بحبه" قالت ذاتي وهاية ضاحكةٌ.
لم أرد عليها وألتزمت الصمت فلربما هي ّ محقة فيما تقول ,مرت سنوات ثلاث وأنا مشغولة بين الدراسة والعمل تخرجت بفرح كبير بعد الإعتمادُ على ذاتي ورغم المشاكل التي واجهتني مع أهلي والنوبات الهستيريا التي داهتمني بسببهم, كنت على يقين بأنني سأنتصر على جهلم لآمالي وطموحاتي وعلى يقينٍ أيضاً بأنهم سيرضخون لما أريد
مرت الأيام مسرعة وإذا بذلك الكاتب يحضرُأصبوحة شعرية تضيّف شاعراً مرهفاً أصريت أن أحضر جلسته برغم وجوده سرت بهدوء أبحثُ عن مقعدٌ خالي ,ولكني فوجئت بانّ المقعد الخالي الوحيد قرب ذلك الكاتب الذي أمقته ,"مرحبا" قلت له مرغمةٌ وجلست في المقعد المجاور له فلا بديل عندي ,إستمتعت بقصائد الشاعر الجميل بروحه وشعره.
نظرت حول معصمي, "يا الهي الساعة تجاوزت الثانية عشر ظهراً وعليّ الخروج لديّ عمل كثير في الجريدة عليّ إنجازه" قلت في سرّي ,مددت يدي الى حقيبتي على الأرض وإذا بقنينة المياه المفتوحة الغطاء بكفّي يسكب مائها على ذراع ذلك الكاتب الجالس قربي.
"آسفة لم أقصد" قلت له,أبتسم بمكر وهو ينفض القطرات عن ذراعه بفرح غامر " الماء خير وينبئني بمجيء أيام جميلة " قال لي
"ياالهي أنه ليوم شئم في حياتي ان التقي بك مجدداً ايها......." قلت في سرّي وغادرت المكان مسرعةً
مرت سبعة شهور مليئةٌ بالهموم ومشاغل الحياة ,مليئةٌ بنوباتٍ هستيرية ,نوبات ألم ,نوبات من الإنكسارات من خيانةِ أصدقاء كثر من كلا الجنسين ,لا شيء يخفف آلامي سوى رائحة الكتب في شارع المتنبي ,وعبير الأغاني القديمة من أصحاب العربات والبسطيات قادتني قدماي اليهم جميعاً لألتقي بوجوهٍ تفهمني , أناٌس مثقفون وفنانون ألتقيهم سلامهم يلطفم بلاسم جراحي ,جلست على المصطبة على الجسر العائم المطل على نهر دجلة ,أستمع بشغف كبير أغاني ياس خضر المنبعثة من راديو صاحب زورقٍ نهري ," صباح الخير آنستي الجميلة" صوت قاطع خلوتي مع الذات وإذا به نفس الكاتب الذي أمقته ,رددت التحية وأنا مستاءةٌ منه, وبعد برهة قصيرة من الوقت ,ناولني آخر ما صدر له من الروايات والمجموعات القصصية , شكرته .
بصوت خجول " لماذا أراكِ دائما حزينة ,شاردة الفكر أن الحياة كلها أمامكِ فأنتِ شابةٌ جميلة في مقتبل العمر" قال لي
أدرت وجهي له ورفعت بصري فيه " الحياة كلها متعبة فلا شيء فيها يفرح القلب ياأستاذ" قلت له, عليكِ أن تنسي الحياة يا عزيزتي فالحياة جميلة لو أحببناها قليلاً "قال لي," نعم صحيح " قلت له .
وفجأة هبت نسائم باردة أثلجت جسدي في ظل الحر اللاهب وشعرت بإرتياح كبير لكلامه معي ومواسته لي , مرت الأيام وذلك الكاتب يثبتُ لي يوماً بعد يوم أنه صديقٌ وفي يسألُ عني ويجمع لي الصحف التي تنشر كتاباتي الأدبية ,أصبحتُ لا أستغني عن أستشارته ولا استغني عن طلب المساعدة منه فهو نبيلٌ وطيبُ القلب كثيراً.
في يوم هاتفني يسأل عن سبب غيابي عن جلسةٍ أدبية ,ثم ضحكت بعمق فجأة " الحمد لله أن أسمع البلبل غرد أخيراً ,لكن أخبريني أولاً السبب" قال لي ," هل تعلم صديقي تذكرت الأيام التي كنت اراك فيها واشعرُ بضجر كبير واليوم الذي سكب الماء من القنينة المليئة بالمياه المعدنية عليك وقلت الماء خير أتوقع بمجيء أيام جميلة بعد اليوم ,لقد كان حدسكَ في محله"قلت له.
ضحك هو ايضاً "عليك ان لا تحكمي على الناس بالمظاهر او عبر تعبيرات وجوه في لحظة او يومِ ما" قال لي ," نعم انت محق " قلت له.
بيّنت له بأنني قد صدقت حديثه بأنّ هذا هو طبعه في الحقيقة رجل ليس زير نساء ,لكن الواقع شيء آخر لقد لقنته درساً في الأخلاق لا أظن أنه سينساه أبداً ,في أنه ليس كل فاكهة يمكن تذوقها ,لقد جعلته يغير فكرته بأنهّ ليس كل النساء متشابهات .