كارل ماركس في العراق الجزء السادس عشر

فرات المحسن
2016 / 7 / 2





رغم أنه أعار ماركس بطانية صوفية، ولكن السجين أبو جعفر ومنذ البداية لم يكن ودودًا بشكل كامل وقد أنتفض بوجه ماركس بسورة غضب غير طبيعية بعد أن سمعه يقول بأن الإنسان هو بالمعنى الحرفي حيوان سياسي وليس مجرد حيوان اجتماعي، ولكنه حيوان يحاول أن يميز نفسه وسط المجتمع وإن أفكاره هي خلاصة لحالته المادية.
عندها صرخ أبو جعفر بصوت تردد بقوة بين جدران الغرفة وجلب انتباه الجميع بمن فيهم الحرس.
ــ لك أنته يبين عليك فد واحد زنديق كافر ملحد ماكو مثلك.. كوم من هنا.. جيب البطانية لا هسه أشوفك النبي عربي والملائكة شهود.. كَوم.. الإنسان حيوان اجتماعي.. هاي هم جانت عايزة.. هاي أنته مو غيرك بهذا الشكل.. ساعة المصخمه الجابوك يمي..
أثناء الصراخ والتهديد سحب أبو جعفر الفراش الصوفي من تحت ماركس وتركه منبطحًا على الأرض الأسمنتية.
ــ تعال خالي.. تعال هنا يمي.
جاء صوت أبو رمزي وهو السجين الجالس قرب باب الغرفة وطاويا قدميه تحت عجيزته، خافتًا وكأنه يقول ذلك باستحياء.
ــ يمعود أبو رمزي خلي.. تره هذا زنديق راح يضوجك، وأنته رجال مريض.
ــ ميخالف عزيزي أبو جعفر هم خطيه مسجون مثلنا.. شوف شنو عنده من مشكله.
التفت أبو جعفر على ماركس وطلب منه الذهاب إلى جوار أبو رمزي، فلم يتردد ماركس وذهب إلى هناك حيث قدم له أبو رمزي بطانية صوفية أفترشها جواره فجلس ماركس عليها شاكرا أبو رمزي على صنيعه.
ــ لا يابه عليمن تشكرني كلنه بمحنه السجن..
ــ وهل أنت أيضا لك فترة طويلة في السجن؟
سحب أبو رمزي نفسا طويلا ثم أطلق حسرة أطول منه وتنهد وطأطأ رأسه وأجاب
ــ من ونيني الناس جارت والأفكار اليوم حارت
بالعكس دنياك صارت وأصبح المتبوع تابع
ــ لم تجبني؟
ــ قدمت لك خلاصة الموضوع، لتلح عاد.
ــ سيدي العزيز لم أفهم الحديث بشكل واضح.. وما المقصود؟
ــ عزيزي الدنيا أفترت ودارت وتراني اليوم سجينًا وها هي الأشهر تمضي دون أن يفرج عني.
ــ وما سبب سجنك؟
ــ أخونا الطيب لتستعجل ..الكلام راح يجيك أُجن أُجن، سوف يطول بك المقام وتأتيك جهينة بالخبر اليقين. ُ
ــ وماذا يعني ذلك؟
ــ بالصبر كضيت العمر والراس شيب من زغر
العصفور ميصيد النسر واللوم ميبرد جمر
ــ يظهر أن قصتك قصة..
ــ سوف تكون بيننا ليال طوال وأحاديث كثار وتفصح أنت عن وضعك وأحدثك عن وضعي لنتسامر بالروايات.. أليس ذلك أفضل.. يا صاحبي السجن، أما أحدكما فيسقى ربه خمرًا وأما الأخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه، قضى الأمر الذي فيه تستفتيان. وأنا وأنت واحد من هاذين السجينين.
ثم أطلق ضحكة طويلة ودفع بيده كتف ماركس مازحًا.
ــ أنك تزيد حيرتي يا سيدي.
ــ لا تحتار فأنا أعني أننا سوف نتسامر بالأحاديث في قادم الأيام ..أوكي؟
ــ حسنا لندع الآمر إلى أيام قادمة.

شعر ماركس باكتئاب حاد بعد أن اجتاز الوقت ما بعد الساعة السابعة مساء وقد عانى خلال فترة النهار من تخرصات باقي السجناء فبعضهم أتهمه علنًا بالجنون،وأخر بالجاسوسية. لا بل عده أحدهم كافرًا ملحدًا بعد أن سمع منه ما لا يقبله عن المجتمع وطبقاته، وكيف تستغل البرجوازية الكثير من الطباع والأفعال المتخلفة وحتى الدين لخدمة أغراضها والحفاظ على مكاسبها.
تفرس ماركس وجوه زملاء الحبس ثم أدار وجهه وحاول العودة إلى النوم وتركهم في حديثهم الهازئ الشاكي، ولكنه كان يركز سمعه على ما يتفوه به هؤلاء محاولاً معرفة ما يعنيه لهم وجوده بينهم، فشعر بنبرة العداء التي تفصح عنها جميع أحاديثهم دون أن يجد من بينهم من يدافع عنه سوى أبو معتز الذي راح في إغفاءة عميقة وكذلك أبو رمزي بصوته المعلول الراجف.
جميعًا وفي كل المنعطفات، من شاهدهم ومن واجههم وتكلم معهم ولاحظ تحركاتهم وتمعن أحاديثهم، تجدهم يتشابهون في الكثير من الطباع والتصرفات، الحدة، التطير، التشاؤم، الإدعاء وتضخيم الآمور، الخصومة، المناكفة والهزأ بالأخر وحتى تبخيس الذات. تذكر ما سبق أن وصل إليه من استنتاج حين دون في دفاتره أن الانكليز لديهم جميع الشروط المادية للثورة وما ينقصهم هو روح الحماس الثوري، ولكنه هنا يدرك الآن بأن العراقيين وبالمطلق هم عكس الانكليز تماما، لديهم الكثير من الشروط للثورة ويتوفر فيهم الحماس الثوري ولكن لهم قدرة غريبة عجيبة على بعثرة قواهم، وتغليب تلك الطباع عليه وتشتيت جهودهم في اللاجدوى.

***
قبل منتصف الليل فتح باب غرفة الحبس ودخل العريف أحمد الذي لم يظهر طيلة النهار في مركز الشرطة. تقدم ناحية ماركس الذي كان نائمًا مكورًا جسده ومتخذًا من كفيه وسادة. لكز العريف أحمد بحذائه ساق ماركس فلم يجد استجابة منه، فكرر الآمر بقوة ولعدة مرات وبشكل سريع فاستيقظ ماركس ونهض فزعًا فاركًا عينيه محاولاً استجلاء الوضع مع الضوء الشحيح للمصباح المعلق في سقف الغرفة.
ــ أنهض يريدك العقيد.
ــ وبهذا الوقت من الليل!
ــ ليش حضرة جنابكم لازم أنته من يقرر المواعيد.
ــ أليس من المناسب أن يكون مثل هذا الأمر في النهار؟
ــ هذا ميخصك والعقيد هو من يقرر. وإذا تشوف عندك مانع كلي حتى نروح لغرفة الحمام ونشوف شلون تمانع بعد ما تلعب الصونده على ظهرك ورجليك لعب.
ــ وماذا يريد العقيد؟
ــ أمشي لك قشمر هلمرة تره حمضته.. أذا تستمر بهذا الشكل تره تشوف اللي ما شفته بحياتك وأخليك تقره زيزي وتغني أبوذيات... ومن جانبي ألغي قطعيا مقابلتك للعقيد وأختصره من يمي.
رفع ماركس جسده بتثاقل فشعر بألم حاد في قدميه وباقي أعضاء جسده ولكنه وقف معتدلاً وتحرك وراء العريف أحمد مجتازًا الممر الطويل حتى غرفة العقيد. طرق العريف الباب ثم فتحه وسحب ماركس من يده وأدخله الغرفة ووقفا أمام العقيد.
ــ أي هسه بيه مجال.. ظهرت خلقتك.. بينت أدمي... شنو أسمك كتلي؟
ــ ماركس.
ــ أسمك الكامل.
ــ كارل هاينريش ماركس.
ــ ألماني مو؟
ــ نعم ألماني.
ـــ وشلون نعرف أنو أنته صحيح هذا الشخص، مثل ما تدعي، والتقرير الليلي البارحة يكول أنه ماكو هناك دليل على صحة أدعائك.
ــ لا أدري..
ــ ما تقدر تثبت شي يحدد هويتك؟
ــ كلا أستاذ.
ــ لك مو علمتك.. كول سيدي
هكذا قال له العريف أحمد وهو يلكزه في ظهره
ــ لعد شنو تكول أني أسكن بانكلترا.
ــ سكني بعد أن غادرت ألمانيا هي لندن.
ــ يعني مآخذ جنسية بريطانية همين؟
ــ كلا أستاذ أنا مواطن ألماني.
ــ وتدعي عالم آثار؟
ــ أنا كذلك.
فجأة طلب العريف الحديث فوافق العقيد
ــ سيدي نقل لي الشرطي عباس شناوة.. كَال.. طول اليوم صارت لغاوي بين السجناء أبو جعفر يكول على ماركس كافر وزنديق أو سجين لاخ يكول عليه مخبل وطباكات، وشلاكَه الجايجي يكول عليه جاسوس..والأستاذ أبو رمزي قبله وخلاه يمه واشتغلت رحمة الله بالابوذيات والأشعار.. اليوم كله صارت غرفة السجن مثل طولة مال صخول وكله تمعمع والسبب هذا، لأول مره يصير عدنه هذا الشي. وحته من طب للحمام هم هناك نزع كل هدومه وسبح ربي ما خلقتني وما استحه.
ــ شوف ماركس، تره آني ما عندي خلك طويل.. أنته بالصحيح منين وشنو.. كول أحسنلك وفضه حتى هسه أندز أوراقك ونخلص، وبعد جم يوم ترجع الأوراق ونرحلك للجهة ألي تعود أله.
هكذا صاح العقيد وهو يقف ليتناول علبة السجائر من طارف المنضدة.
ــ أستاذ لا أعرف وهذه كل ما لدي من معلومات أقدمها، ولو كان جبار هنا لأوضح لكم حقيقة أمري.
ــ ومنو هذا جبار؟
ــ أنه الذي اقلني من الناصرية وهو يعرفني حق المعرفة.
ــ هو أقاربك؟
ــ كلا هو من كان يقود المركبة التي اختطفنا معها.
ــ وأنته تعرف اسم جبار الكامل وعنوانه.
ــ كلا.
ــ متعرف وين يسكن.. حته نكدر نساعدك؟
ــ حتى هذا لا أعرفه سيدي.
ــ لعد شلون مدكلي أنته منو... متأكد أنت ألماني وعالم آثار؟
ــ نعم.
فجأة قال العريف احمد
ــ سيدي تذكر الجاسوس الإسرائيلي الجان عايش أبيروت يكَدي بالشوارع ويسمونه أبو ريشه، تالي من أكتسح الجيش الإسرائيلي بيروت، مو طلع عقيد بجيش إسرائيل وركب دبابه وكَام يدور على القيادات الوطنية والفلسطينية.

ــ أي أذكر هذا الشي وشنو قصدك؟
ــ قصدي خاف هم يطلع الأخ جاسوس ويكول آني عالم بالآثار.
ــ عريف أحمد هسه حته لو طلع جاسوس شراح نكدر نسويله.. نحيل أوراقه للمحاكم بعدين يدخلون الأمريكان ويطلقون سراحه.
ــ هاي شلون سيدي؟
ــ أي هاي الحقيقة.. بالنجف اعتقلوا جاسوسة إسرائيلية دخلت للعراق بحجة صحفية وبوثائق أمريكية وجانت تسكن بفندق بالنجف، أسمها باراس تمر أفيفا ومكان ولادتها تل أبيب وعده هوية ورقم مال الجيش الإسرائيلي، وجماله عده جواز إسرائيلي وهمينه الجواز الأمريكي.. الامريكان تخبلوا ورأسا ضغطوا على الحكومة وخلوها تطلق سراح هاي الجاسوسة.. هاي هيجي صايره الأوضاع.. وهذا حتى لو كان جاسوس هم راح يطلع منه مثل الشعرة من العجين.
ــ الظاهر انكم انتهيتم للاعتقاد بأني جاسوس.. ولصالح من أتجسس؟
ــ لإسرائيل.
ــ حسب معرفتي فأن أكثر من عضو في البرلمان العراقي وباقي دوائر الدولة وفي حكومة إقليم كردستان يزورون إسرائيل دون ضجة، وهؤلاء يعملون ضمن دوائر إدارة السلطة العراقية فما الذي تريده مني إسرائيل.
ــ سيدي هذا حجيه مصفط.. هذا لو جان عالم جبير وعلى غفله صعد عده الضغظ وطكن وايرته لو أنا أشويه ما أفتهم.
ــ يمكن الثانية هيه الصحيح.
ــ سيدي تره أكثر الالمانيين يكرهون إسرائيل واليهود.
ــ هاي شمدريك حمودي؟
ــ سيدي سوالف سامعه من الناس.
ــ يابه ماركس صحيح أنتم الألمان تكرهون اليهود ؟.
ــ ليس كرها سيدي.. فأنا لا أكره بشرًا ولا دينًا.
ــ هاي شلون عود.. هاي جديدة ما سامع بيه
قالها العقيد وهو يقهقه ويسحب كأسًا من تحت المنضدة ويرتشفه بعجالة ويمد يده ليتناول ملعقة من اللبن الموضوع أمامه في صحن صغير.
ــ تكدر تفهمنه شنو تقصد بجملتك الأخيرة ليس كرهًا وأني ما أكره بشر ودين. جنت جنك تريد أطكنه أبيت أبوذية لو جنجلوتيه بالشعر يبين علمك عليه أبو رمزي.
ــ أستاذي العزيز .. أنا ارفض التعامل مع اليهود كقومية بل يجب أن يعاملوا كمواطنين في البلدان التي يعيشون فيها، وهذا الفهم يقودنا إلى ضرورة علمنة الدولة وتكريس حرية المعتقد، وهذا الموقف هو الذي أوضحته دائما للجميع ورفضته الرأسماليات الأوربية، وقامت بدل ذلك بإبعاد اليهود إلى فلسطين لتتحول المشكلة من مشكلة مواطنة أوربية إلى مشكلة عربية. في تفسير مفهومي هذا يمكنني القول، بأن على الحكومات إلغاء جميع الامتيازات الدينية ليكون جميع الناس متساويين كمواطنين ويتحرر المواطن ومعه يتحرر الوطن ويصبح دولة واقعية..
ــ لك هذا شد يخربط .. شنو دتحجي.. سيدي هذا كَلب مصاريني بهذي اللغوة.
ــ عريف احمد.. معليك أشو خلي يحجي حتى نفتهم شنو ومنو وشيريد..كول سيد ماركس.. كمل شنو تريد تكول.
ــ عند تلك المهمة والمرحلة يجب أن نكشف كيف يقف التحرر السياسي الكامل من الدين؟ حين ذاك ننظر إلى النتائج. فانعتاق الدولة من الدين وإلغاء امتيازات المؤسسة الدينية. وهذا يتطلب أن تتعامل مؤسسات الدولة بشكل ديمقراطي يكون فيه العمل على شرط احتساب الفرد كمواطن دون حساب هويته الدينية. وهنا تكون الدولة كوسيط وحين يتحرر الوسيط يتحرر الإنسان، لحين تهشم هذا الوسيط لتبنى المشاعة الاشتراكية الخالية من الامتيازات الطبقية. إن ما يسمى الدولة اليهودية هو في الأساس نفي للدولة، وفي ذات الوقت لا يحقق لها يهوديتها وهذه التسمية والسلوك يقود اليهود إلى الوهم. وتسمية الدولة اليهودية وسيلة لغايات غير حقيقية تكون الدولة فيها دولة نفاق. ولذا أقول إن هذه دورة تبدأ بتحرر الإنسان سياسيا حين ينفصل بالكامل عن روابطه المقيدة ومنها التقاليد البائدة والالتزامات الدينية.
ــ لك عريف أحمد أخذه رجعه المكانه بسرعة.. لا هسه أكوم أكطع عليه النطاق بهذا الليل.. أنعل أبو الجابه عليه.. هذا طير البيكين بالكامل.. لك هذا شنو مكينة مال لغوه.. وهاي السوالف وين ضامه.. امتيازات طبقية ومشاعة ودولة نفاق.. لك ما صدكَنه خلصنا من الرفيق ولغوة الحزب.. وشكال أبن القندره ميشيل عفلق لو الرفيق صدام، هسه هذا جاي يريد يرجعنه على ذيج الأيام.. أخذه وروح جيبلي ما عون لبلبي.. رجعه المكانه هذا أبن المسموط وخلي بالحبس خايس جم أسبوع قبل متدزون أوراقه.
أسرع العريف أحمد بسحب ماركس من ساعده ودفعه بقوة باتجاه باب الغرفة ولكن ماركس استدار ووجه كلامه إلى العقيد.
ــ وإلى متى سوف أبقى دون أن يفرج عني.
ــ دروح لك روح بول ونام.. دون أن يفرج عني.. خوش يطكطك بمنكاره.. يفرج عنه لاحقًا.. أي مو أحنه روضة أطفال تجي عدنه الصبح ويجي بابا يأخذك الظهر.. أنقلع من كدامي لا أجي أبيس بيك تبيس.
عند ذلك أبطأ العريف أحمد في سحب ماركس وحاول قدر الإمكان إبقائه في الغرفة عسى ولعل العقيد ينهض من مكانه ويأتي لضربه بالنطاق مثلما قال، ولكن العقيد كان ساهيًا عنهم منشغلا بتحضير كأس شرابه وحين رفع رأسه صرخ بأعلى صوته.
ــ بره أزمال مو كتلك أخذه من هنا.