الإستقلالية والمشروع الثقافي

ريم شطيح
2016 / 6 / 30

لا زالت المجتمعات الشرقية تَرزحُ تحت أحكام الموروث الإجتماعي والديني والذي يجعل من العائلة المَرجعية الدائمة لأي قرار فردي أو جماعي أو أي فِكر جديد قد يكون دخيلاً على ثقافة العائلة وسلوكيّاتها؛ تلك المَرجعية التي قد تشكّلُ عائقاً أمام أي مُبدع أو مُفكِّر يَتبع نَهجاً جديداً أو يُطالب بالتغيير.

وحيث لا يستطيع المُفكِّر أن يُفعِّل أفكاره عمَلياً في مجتمع إن لم يكن حُراً وقادراً على اتّخاذ قراراته الشخصية بمُفرده رغم أنّه لا يعمل لنفسه فقط؛ بل مَن يعمل على ثورة فِكرية حقيقية هو يعمل للكُل بخاصية الجَمع ومصلحة المجتمع وليس فقط المصلحة الخاصة الفردية. فمِن الضروري للمُفكِّر أو لصاحب مشروع ثقافي لكي يُوصِل كلمته وأفكاره أن يَسعى لحُريّته من العوائق القريبة والبعيدة ما أمكَن، حيث كل أصحاب المشاريع الثقافية التطويرية في المجتمعات الشرقية مُحارَبون مِمَّن حولهم، والمفارقة انّ أوّل مَن يحاربهم قد تكون العائلة.

فإذا كنتَ صاحب مشروع ثقافي ولديك فِكرا حُرا؛ لا تتبَع للمجموعة ومُتمرِّد على الموروث والتقاليد (بهدف التطوير والإرتقاء بالمجتمع للأعلى) ورافِض لِكل فِكر يقوم على أساس الإقصاء والقمع والرجعية؛ فإنّ أول خطوة نحو النجاح والتفرُّد وتحقيق الذات هي "الإستقلالية".

الحرية والإستقلالية الفردية من أهم الخطوات والأفكار التي يجب أن يؤمِن بها الإنسان ويُصِرّ عليها وخاصةً استقلالية القرار، فالقرارات الشخصية الفردية تُبنى على أساس مصلحة الفرد الخاصّة واختياراته وليست قراراً مُشتَرَكاً بالضَّرورة مع العائلة؛ بل هي خُلاصَة تجارب وخبرة الإنسان الشخصية ويجب أَلاّ تستَنِد على أفكار الأجيال السابقة بِمَن فيهم الأهل.

من هنا، فإذا ما زالت فكرة المُلكية بين الأهل والأولاد قائمة؛ لن تستطيعَ التفرُّد فيما إذا كان تغريدُك خارج السّرب. نحنُ و هُم لا ننتمي لنفس الجيل، وبالتالي لا ننتمي لنفس النَّهج ولا الأفكار ولا الأسلوب. مطالبُنا وطُموحاتنا في الحياة تختلف - أحياناً جَذرياً - عنهم حسب أهمية الإنتماء الفِكري والإجتماعي لِكلٍّ منّا؛ فصراعُ الأجيال لطالَما كان عائقاً حقيقياً في مَسار الكثيرين مِمَّن تَمرَّدَ على المجتمع والموروث وأراد التَغيير.

إنّ الإستقلالية تضع بينك وبين الآخرين مانِعاً للمُداخَلات العشوائية ومحاولة الإقصاء لأفكارك لِمَن استطاع لذلك سبيلاً، خاصةً للمرأة في مجتمع يَتبَع لنظام أُبوي ذُكوري. الإستقلالية أيضاً تُساعِد على النضوج وتحمُّل المسؤولية لا سيما الإستقلالية الإقتصادية، وإزالة تلك التَّبَعية للآخرين وتحقيق الأفكار الخاصة بالشخص ومشروعه الثقافي في حال كان لديه هكذا مشروع بعيداً عن استبداد الأسرة. هذا الإستبداد في الأسرة له مفهوم مُركَّب وهو ضحية استبداد المؤسسة واستبداد المجتمع واستبداد السلطة السياسية أيضاً والدينية، ويأتي على درجات تِبعاً للثقافة والمجتمع والمستوى والتحضُّر الذي وصلتْ إليه المجتمعات؛ فحتى الموروث الديني أو الدين الواحد نفسه ليس واحداً في كل المجتمعات بل يتبع للمستوى الثقافي والإقتصادي للمجتمع.

ما زلنا بعيدين مُجتمعياً عن فكرة الـ Individualism واحترام الخُصوصية بسبب تدخُّل العائلة والمحيط، فيصبح من الصعب حتى على صعيد فردي العمل كأفراد في سبيل النهضة، حيث المشروع الثقافي هو بالدرجة الأولى مشروع إنساني/اجتماعي وليس من الممكن فصله عن المجتمع وتفاعُل المحيط أفرادا كانوا أو جماعات.

فإلى المُتعَبين في قيود مجتمعاتنا التي ما زالت مُكبَّلةً بعوائق وعلاقات قيل لهم إنها مفروضة، أو روابط أُسَرية لا تُقدّم في أحسن الأحوال إلاّ المزيد من الحِصار الفِكري والروحي والتنموي، ببساطة شديدة: لا شرعية لأي علاقة لا تَخدم إنسانية الإنسان ولا تُعزّز المحبة كقيمة أخلاقية وإنسانية، بالتالي، لا علاقة مفروضة مهما كانت درجة الإنتماء أو الإرتباط العائلي أو الإجتماعي. هكذا حالات تتطلّب قراراً، والقرار يحتاج لحكمة وقوة وجرأة ووعي.

فمِن الخطوات المهمة في الحرية الفِكرية هي في حرية القرار، وتبدأ بالتغيير على الصعيد الشخصي والعائلي والإجتماعي وباتّخاذ قرارات تُحرّر الفرد من أي شكل من أشكال العبودية بالإرتكاس للموروث الإجتماعي أو العادات والتقاليد.
بعض الكلام عن الحرية من بعض الكُتّاب والمُثقَّفين أو الشعراء وغيرهم؛ لا يمكن أن يكون مُقنعاً ما لم يرتبط بالحرية الإجتماعية وحرية القرار والإستقلالية الفِكرية. حُرية بدون السّعي للتحرُّر من تلك القيود ليستْ إلاّ شِعارات وتنظير كلام لا طائل منه.

إنّنا بحاجة اليوم لنشر ثقافة الإستقلالية وفكرة الـ Individualism / الخُصوصية، وتبَنّي هوية شخصية تحمل سماتنا وأفكارنا، وهذا يستدعي لفِهم الذات والتعمُّق بها مع المعرفة وهو ما يُعطي الفرد نوعاً من القوة للإستمرارية في مجتمع مَبني على الإقصاء والتّهميش ورفض التغيير والأفكار الجديدة.

قد تكون وحدك في البداية، لكن لا خوف من هذا إذا كان ما في داخلك أقوى بكثير مِن العيش وسط المجموعة ولكن ضد قناعاتك. "الوحدة" كلمة و فِكرة ليس لها معنى أمام حريتك وتحقيق مشروعك الثقافي وهدفك الإنساني التّغييري. الوحدة تَنْشُط وتقتحم روحك في حال الفراغ الفِكري والروحي وليس الفراغ الإجتماعي، والفرقُ كبيرٌ بينهما.
الوحدة مُصطلح مُبالَغ به من حيث تصويره أنه مشكلة اجتماعية وأسوأ ما يمكن أن يعيشه الإنسان بسبب أفكاره المختلفة عن المجموعة فيهجره الآخرون المُختلِفون عنه. هذه الفكرة هي صَنيعة الإنسان والمجتمعات لإحكام السيطرة على مَن يتمرّد وتخويفه من البقاء وحده. والجدير بالذِّكر انّ معظم المفكرين عاشوا بمعزل عن محيطهم القريب وكانوا لوحدهم في البدايات وأغلبهم قضى عمره كله منعزلاً ثمنا لحريته وأفكاره، والتاريخ يعجّ بالأمثلة.


ريم شطيح - كاتبة وباحثة سورية
لمتابعة الكاتبة، صفحتها على الفيس بوك
https://www.facebook.com/R.Reem.Shetayh