في مقهى كوستا

غفران محمد حسن
2016 / 6 / 28

في مقهى كوستا

بيروت-غفران حداد
مرّ عام وسبعة وسبعون يوما على هجرتي هذه الهجرة القسرية التي جعلتني اشعر بالوطن في لبنان ،لا يصدقُّ أحدا أنني كنت اشعر بمرارة الغربة في وطني أكثر من بيروت ،صرتُ بعيدة الان عن الوجوه التي أهلكتني وإمتصت من شفتاي رحيق الإبتسامة ، عام وسبعة سبعون يوماً وأنا أحاول أن اجد لي وطنا بديلا وبيتا ولكن بيروت لأهلها ،هيهات ان اجد الملاذ الآمن في الغربة ،أعتدُ في كل يوم أحد العطلة الرسمية الأسبوعية أن أقضيها في مقهى كوستا في شارع الحمراء في قلب العاصمة بيروت أرتشف سيكارتي وأقرأ في الصحف اليومية ،الهدوء يسود المكان الا صوت ضحكات وهمسات بين بعض العشاق أو تقليب الورق من بعض المثقفين الذين يقطنون المقهى،ذكرتني "مقهى كوستا "في مقهى الشاهبندر في شارع المتنبي ملتقى المثقفون العراقيون ،حيث ضجيج الملاعق التي تدور في فلك أكواب الشاي أبو الهيل وتحايا من يجلس"الله بالخير أغاتي" لا أنكر انني اشتقت لذلك المكان كثيرا ،إشتقت لرؤية النوارس وهي تشرب من أمواج نهر دجلة ،إلى أصدقائي ورفاقي إلى رائحة الكتب التي تنعش حواس المتلقي العراقي.
في إحدى المساءات حيث كنت ارتشف فنجان قهوتي و دخان سيكارتي كنت أسبح في أحلام اليقظة الحلم في المستقبل السعيد الذي لم ياتي بعد في بيت جميل وزوج يكون وطني وحبيبي وأهلي ،فجأة استيقضت على صوت شاب لبناني
-كيفك ؟فيني أقعد معِك ع الطاولة
أومأت بالموافقة
طلب فنجان قهوة واخذ يرتشف السيكار ويطالع أوراق في ملف صغير ،لم أعره اهمية بقيت أدخن وأنا أتأمل المارة في شارع الحمراء وحركة السير وضجيج المنبهات للسيارت ثم قاطع خلوتي مرة أخرى
-حضرتكِ من أي بلد عربي؟
-عراقية
-تشرفنا انا أسامة مدير مكتب عام في إحدى الشركات التجارية
- اهلا بك
-لماذا عينيكِ حزينة هل تشتكين من المرض؟
-لا،لا أشكو من شيء مجرد تعب من روتين العمل
وأخذ يسأل سؤالا تلو الآخر حتى ضقت ذرعا به ،ماذا تعملين؟وكم عمركِ؟واين تسكنين؟ ومن معكِ في لبنان؟
"وهل هو تحقيق" قلت له
أنا آسف فقط أثارني فضولي الحزن في عينيكِ -
تركتُ له الطاولة و المقهى دون أقول له شيئا ،فالغربة علمتني الصمت على المتطفلين والفضوليين ،مر أسبوعان لم أذهب فيهما الى مقهى كوستا حتى ضجرت من جلوسي الدائم في الشقة وذهبت اليها تأملت في الوجوه هل هو موجود أم لا،أخذت نفسا عميقا بالراحة لعدم وجوده وبعد برهة قليلة إستمع لصوت "أنا آسف وهذا عربون أسفي"كان أسامة ويحمل باقةً من الزهور الطبيعية.
ضحكت وقلت له "ولكنني لا اقبل الهدايا من الغرباء"
-هل يمكن أن نكون أصدقاء أرجوكِ أنا بحاجة لرفقة إمرأة.
-هل يعقل بانكِ بدون رفقة نساء وكما ترى لبنان بلد الجمال والصبا
-هل ستصدقينني؟
-بالتأكيد
-أقسم لكِ بإنني يوميا أضاجع إمرأة ولكن لم أجد في أي منهن ممن تكون الى جانبي وقت مرضي ،أو لحظة شعوري بالألم من الحياة إنهنّ بائعات الهوى يبحثنّ عن المال والهدايا الفاخرة فقط ولكن انتِ تبدين فتاة خلوقة جداً
وهل في لبنان لا توجد فتيات ذو اخلاق عالية" قلت له
-بلا يوجد ولكن إرتحت لكِ فقط
مرت ساعتان وهو يحكي لي عن سبب تركهِ العيش في كندا وعلاقاته الغرامية ،شعرت بالراحة وأنا أتكلم معه قلت في سرّي حسنا المثل يقول ألفُ صديق ولا عدوٌّ واحد ،إعتدت لقاءه في البداية كل يوم أحد حتى اصبحت لقائاتنا شبه يومية الى جانب الاتصالات الخلوية والرسائل القصيرة ال أس أم أس" وفي إحدى المساءات إتفقنا ان نلتقي مجددا في مقهى كوستا أتيت قبل المعد بخمس دقائق فوجدته قبلي
-الموعد لديك مقدس يجعلني اشعر انك بريطاني الأصل
ضحك ضحكةً طويلة ثم قال "هل تلبين دعوتي الليلة على العشاء
- في أيّ مطعم؟عراقي أم لبناني؟
فضحك"بل في شقتي"
وضعت اصابع كفي على جبينه"هل تشكو من حرارة مرتفعة؟هل انت بكامل قواك العقلية" قلت له
- لماذا هل طلبي فيه بعض الجنون؟
-بل الجنون كله أنا لا التقي بأي رجل في مكان خاص ان كنت تريد ان نتعشى سوية فليكن في مكان عام
-هل تخافين مني؟الا تثقين بي؟
- المسألة ليست خوف أو ثقة، أنا لا أدخل الأماكن المغلقة مع الرجال
-أنت فتاة معقدة حقاً؟
غادرت المقهى وتركته يتوسل بي لأجل البقاء
غادرت مقهى كوستا وانا فخورة وسعيدة بأجمل لقب احصل عليه في لبنان انني فتاة ليست عصرية وليست متحضرة لأنني أجيد الحفاظ على نفسي،على عذريتي وسمعتي