من الطالب الشهيد عبدالحكيم الجراحي إلى الاحتلال الانجليزي: سيتولى الله عقابكم.. بقلم: السيد شبل

السيد شبل
2016 / 6 / 26

ليس أجمل من التاريخ مجالًا، تخوض فيه، لتقلب بين صفحاته.. وتستكشف منه ما أردات جهات بعينها حجبه حتى لا يمتد أثره من جيل إلى جيل.

حجب التاريخ أو تلوينه أو اجتزاؤه أو تجييره، جرم، لا يعادله في الكون شيء.. وهو السبب في ضعف الانتماء الحاصل اليوم، والذي انتكس بجيل شاب إلى درجة تمجيد فترة الاحتلال الإنجليزي، أو على الأقل تمييع الموقف منها!.

هذه الانتكاسة ليست ميلاد الصدفة، وإنما هي بتخطيط مدروس من منظومة إعلامية ولوبيات فكرية، انطلقت منذ السبعينات، منذ أن تخلت مصر (النظام) عن موقعها في جبهة المقاومة لقوى النهب الدولية، وارتضت بموقع الذيلية، والارتماء في أحضان أحلاف غربية.. روضتها واستأنستها وعزلتها عن محيطها العربي وعن بؤر المقاومة التي تشاركها همومها في العالم الواسع، وضيقت العالم في عينيها ليصير (الكونجرس) و(البنتاجون)، ومنظومة الشركات متعدية الحدود.. وصورت أن لا سبيل للعيش فيه إلا تحت سقف "كامب ديفيد" و"الكويز".. وإلخ، لكن تلك اللوبيات في الحقيقة لم تكن غافلة أو مضحوك عليها وهي تسير وتسيرِّ الآخرين إلى نمط حديث من الاستعباد، لكن أرباحها المادية، ومصالحها الذاتية كانت أكبر في عيونها من أغلال الاستعباد الحديث!.

انطلقت هذه اللوبيات في مشروعها لتمييع الانتماء الوطني والتسفيه من الخطاب المقاوم وتجيير أي انتقاد لصالح هدم تجارب التحرر الوطني.. حاولت ونجحت أحيانًا، وفاجأها الوعي الشعبي بحقيقة الصراع أحيانًا أخرى (تفاعل القوى الشعبية وفي المقدمة الطلبة مع الانتفاضة الفلسطينية بـ الـ 87 والـ 2000 - مظاهرات إبريل 2008 بالمحلة ضد تحالف رأس المال والسلطة - الشعارات التحررية والقومية، وصور جمال عبدالناصر التي رفعها المتظاهرون بميادين التحرير بالتزامن مع أحداث يناير2011.. وأخيرًا وليس آخرًا اقتحام سفارة العدو الصهيوني في 9 سبتمبر 2011).

لم تدع تلك اللوبيات الإعلامية (وكأنهم علماء نفس) حدثًا إلا ووظفته، فعندما رأت نفور الناس من تردي المستوى الحضاري والسلوكي في الشارع المصري، على الفور جيرته، لصالح تلميع الملكية والاحتلال الانجليزي.. رغم أن التحضر السلوكي والمدنية والحداثة وكل تلك المعاني قد بقيت على حالها، حتى السبعينات تقريبًا، بمعنى آخر أن يوليو 52 (منهجًا عامًا)، قد عممت السلوك الحداثي وأفسحت المجال للتصنيع والتوظيف والمدنية والفنون ومواكبة العصر أمام الطبقات الكادحة والمهمشة (أممته - جعلته ملكًا للأمة) بعد أن كان حكرًا على طبقة بعينها، بينما تعيش أغلبية الشعب في عزلة عن تلك المظاهر الحضارية، مغروسة في الوحل، تعمل في خدمة طبقة إقطاعية ناهبة مرتبطة بالاستعمار، ومعزولة عن التطور الحضاري، ولا تجد قوت يومها؛ بمعنى آخر لم تتحجر ثورة يوليو إزاء الآخر، وتفاعلت بالإيجاب مع أي تراكم حضاري إنساني، هي فقط رفضت أن يكون هذا التفاعل مرادف لذوبان الهوية، أو مدخلًا للاستتباع، أو دعاية عنصرية تمجد أهل الشمال الغربي وتحتقر سائر أجناس الأرض!، وعليه فقد لقحته بإرثها الحضاري ابن بيئتها العربية.

أما الانتكاسة الحضارية التي تثير دهشة الناس اليوم.. فهي ابنة النسخة الحديثة من الاحتلال.. ابنة استسلام نظام الحكم في مصر لقوى الغزو الثقافي والاقتصادي.. وإلخ منذ منتصف السبعينات - مستوى الإنتاج السينمائي أحد الأشياء الكاشفة لهذا التحول-.. ابنة أجندات البنك الدولي التي حرّمت على الدولة التدخل لتوظيف الموارد المادية والبشرية بالشكل الذي يسد حاجة الشعب المادية والثقافية.. ابنة تراجع دور الدولة التنويري.. ابنة التهويل والتضخيم من حجم "انتكاسة" يونيو 67 "العسكرية – والتي تمت بتآمر دولي" لدرجة تحويلها لمقصلة لقطع رأس المشروع التحرري والحداثي بالكلية.. ابنة الدعم للوهابية السعودية، والتحالف (الساداتي- السعودي -الإخواني).. هي ابنة الأنظمة الغربية التي تريد أن تفرض على واقعنا العربي التخلف، وتدعم أسبابه، بتفكيك بُنى الدولة المركزية اليوم، لصالح إنتاج كيانات طائفية وعرقية متحاربة.

وعليه.. فقد تنبهت - كما تنبه غيري- إلى هذا الوعي المزيف الذي صار يعاني منه قطاع من الشعب، محكوم بعقلية أنوية، ومدعوم بمعلومات مغلوطة وقصص وصور مجتزأة لتغذي لديه حالة الحنين المخنث إلى الاحتلال.. (العجيب أن هذا الموقف، دعمته قوى شبابية قفزت على أحداث ما بعد يناير وقدمت نفسها باعتبارها قائدة للمشهد "الثوري"، وهي في ضميرها تؤمن بنظام حكم ملكي كان يورِّث البلاد كما تورّث الأمتعة، ولا تجد إشكالية مع هيمنة جيش أجنبي على أرض وثروات وإرداة الوطن، وهذا القطاع من "الثوريين-خريجي مراكز التموّل الأجنبي" كان في الحقيقة هو السبب الرئيسي إلى جانب - قوى الثورة المضادة- في إجهاض التجربة!).

المهم أنه قد صار من الضرروي إعادة التذكير بجانب من سوءات هذا العهد، والتذكير بحجم المقاومة والتضحيات التي قدمها الشعب في هذا الوقت، لعله يستثير بقية ضمير عند هؤلاء، فلا يخونون تضحيات أجيال سبقتهم.

الآن.. سنسعى لتلخيص بعض ما جاء في كتاب للمفكر القومي، الذي تلح الأحداث دومًا على استدعائه لمكانته وعظيم اسهاماته، د/ عصمت سيف الدولة، متعلقًا بجولات النضال الوطني التي خاضتها قوى الشعب الحيّة منذ نكبة الاحتلال في 1882، وحتى تفجرت ثورة يوليو 1952.. كاستجابة طبيعية وتكليل وترجمة لهذا المسار النضالي (حين وجد دور البطولة.. من يؤديه وهو مؤهل له).

ويأتي من ضمن ما يعرضه سيف الدولة، رسالة الشهيد "عبدالحكيم الجراحي" التي وجهها إلى رئيس وزراء إنجلترا "روح الشر" قبل استشهاده، وبعد أن أطلق عليه الضابط الانجليزي "ليز" الرصاص، يصب فيها جام غضبه على الاحتلال، ويصيح فيها داعيًا.. بشكل يعكس حجم وجعه، وإحساسه بتجبر قوى الاحتلال وطغيانها " سيتولى الله عقابكم..":

يقول سيف الدولة بعد أن يثبّت حقيقة أن مشكلة مصر ولمدة 70 عامًا، كانت هي الاحتلال:

"منذ البداية في 11 يوليو 1882، لم يكف أي جيل من أجيال الشعب عن محاولة تحرير مصر، بداية من جيل عرابي ثم جيل مصطفى كامل ثم القوى التي تفجرت وخاضت ثورة 1919، ثم الجيل الذي أوفى بمسئولية المقاومة في عام 1935، ثم ما بعد الحرب الأوروبية الثانية عام 1946، وحتى الجيل الذي بدأ يخطط لثورة يوليو 52. وهكذا تطهرت كل الأجيال في نهر الحركة الوطنية".

" ولقد استعملت تلك الأجيال المتعاقبة كل ما يخطر على البال من أساليب مقاومة الاحتلال.. فقد انضوت قوى كثيرة في خط الأسلوب السياسي السلمي: قبول الاحتلال كأمر واقع والتعامل معه إدرايًا، والتماس التحرر عن طريق التدرج الإصلاحي.. ومفاوضة المحتلين أنفسهم لاقناعهم بأن شعب مصر قد بلغ من رشد التمدين – على الطريقة الأوروبية-، ما يؤهله لحكم نفسه، وكونت تلك القوى أحزابا عدة: (حزب الإصلاح على المباديء الدستورية، الأحرار، النبلاء، المصري، الدستور،الوفد، الأحرار الدستوريين، الهيئة السعدية، الكتلة الوفدية)".

*- لم تكن الأحزاب على قدر طموحات الشارع، ولم ترقى في جديتها لمستوى تجسيد آمال الجماهير، وأعطت انطباعًا عامًا بأن قادتها باحثون عن مصالحهم الذاتية في طلب الوجاهة والرئاسة وغيرها من المنافع التي يجود بها عمل سياسي محكوم بسقف العرش والاحتلال، وكان دلالة رفض الشارع للنهج الذي تبنته الحزبية منذ لحظة ميلادها، هو هتاف القوى الشعبية التي خرجت يقودها الطلبة في 21 فبراير 1946.. "لا جلاء إلا بالدماء" و"لا حزبية بعد اليوم"-.

نعود لتسلسل رواية سيف الدولة، حيث يقول:

" أما عن القوى الثورية فقد اقتحمت المعارك قبل أن تفكر في الأحزاب ففي يوم الاحتلال 11 يوليو 1882، قصفت البوارج الإنجليزية مدينة الاسكندرية تمهيدًا لبدء الاحتلال، وسقط من أفراد الشعب أكثر من ألفين في يوم واحد. لا أحد يذكر هؤلاء، ويتركونهم كما لو كانوا ضحية القصف العشوائي أو العاجزين عن الهروب، لولا أن محمد عبده في كتابه عن الثورة أثناء ضرب الاسكندرية، يقول "كان الرجال والنساء تحت مطر من القنابل ونيران المدافع ينقلون الذخائر ويقدمونها إلى بعض الطوبجية (رجال المدفعية)، وكانوا يغنون أغنيات تلعن الأميرال – سيمور- ومن أرسله". تصوروا. الشعب. الناس العاديون.. ما أن يبدأ العدوان حتى يدخلوا ضده المعركة غير مجندين رجالا ونساءا، غير مسلحين فيحلمون إلى المجندين الذخائر تحت مطر القنابل ونيران المدافع، غير محصنين، غير هيابين، ويؤلفون الأغاني وحي اللحظة ويعنونها وينشدون للثورة".

" وفي عام 1900 تم إنشاء جهاز للتوعية والإعلام والتعبئة الفكرية لمقاومة الاحتلال، قوامه ثلاثة صحف تصدر كل منها بلغة (العربية والانجليزية والفرنسية) وأرسل (الحزب الوطني) بعض شبابه إلى "سويسرا" للحصول على جنسيتها والعودة محصنين ضد الاجراءات البوليسية للاحتلال الانجليزي كأنهم غير مصريين. وفي عام 1906 أُنشئت منظمة ثورية لمقاومة الاحتلال وعملائه بالعنف المسلح. كان أول المؤسسين إبراهيم ناصف الورداني ومحمود عنايت وعبدالحميد عنايت وخليل مدكور وشفيق منصور وعوض جبريل ونجيب الهلباوي. وبدأوا نشاطهم ردًا على مذبحة 13 يونيو 1906، حين حوكم الفلاحون في دنشواي على ما أسند إليهم من الدفاع عن قريتهم ضد الجند الانجليز، وأصدر بطرس باشا غالي قاضي المحكمة الصورية أحكام الإعدام والجلد، فأعدم أربعة من أهالي القرية أمام ذويهم. ففي يوم 20 فبراير 1910 أعدمت المنظمة بيد إبراهيم الورداني الخائن بطرس غالي، وأعدم الشهيد يوم 28 يونيو 1910، وهو يهتف "الله أكبر الذي يمنح الحرية والاستقلال".

"وفي عام 1914 اندلعت الحرب الأوروبية الأولى، فأعلنت انجلترا "الحماية" على مصر وأفرغت مصر من رجالها العاملين، حيث صدرت الأوامر بأخذ العمال من الحقول بالإكراه، حيث يدخل رجال الحكومة القرية وينتظرون رجوع الفلاحين إلى منازلهم عند الغروب.. فيحدقون بهم كالأنعام وينتقون خيرهم للخدمة فإذا رفض أحدهم التطوع الإجباري، يتم جلده حتى يقر بالقبول (صحيفة الرائد البريطانية في 3 أبريل 1919)."

بلغ عدد من أجبرتهم سلطة الاحتلال على العمل في جبهة القتال وراء الخطوط، وفي الخنادق، وفي أعمال البناء المصاحبة للعمل العسكري، نحو مليون و700 ألف-* استشهد من المصريين في هذه الحرب التي لا تخصهم ولا تعني بلادهم في شيء، بقارات العالم المختلفة (شاركوا في فلسطين والعراق وجزر بحر إيجه وحتى فرنسا)، عشرات الألوف ويراوح البعض الرقم بين الربع إلى النصف مليون-، وحلّ مكان الشعب المنزوح من وطنه ما ملأ أرض الوطن من أشتات جند الجيش الانجليزي. كتبت "مس درهام" مقالًا يوم 2 أبريل 1919 في "الديلي نيوز" قالت فيه: "بلغ الجنود الانجليز من الجهل أنهم كانوا يظنون مصر بلدًا إنجليزيًا، وأن المصريين أجانب دخلاء، فيعجبون كيف سمح لهؤلاء العبيد بأن يأتوا إلى هذه الديار!".

**
(( يُلاحظ أنه، وبحسب جمال حمدان، فإن هجرات قدمت إلى مصر من الأوربيين تحديدًا منذ منتصف القرن التاسع عشر (قبل 1840 كانوا حفنة أو بضعة آلاف).. وفدوا مع ضعف قبضة دولة محمد علي على التجارة والصناعة –فك الاحتكارات كان إشارة الانطلاق فتضاعف عدد الأجانب 20 مرة في غضون عشر سنوات من 1836 إلى 1846-، ثم مع امتياز قناة السويس في عهد الخديوي سعيد، ثم بعده بالتزامن مع طموحات إسماعيل وتوسعاته ومظهريته وديونه!، ليقيموا – كنمط استيطاني، استعمار ديمغرافي- بالمدن المحيطة بالقناة والأسكندرية والقاهرة.. يقول المؤرخ صبري السوربوني: اتخذت حركة الهجرة الأوروبية "أبعاد الغزو"، وصل العدد في 1881 إلى 90 ألف.. تضاعف عدد الأوربيين تحت مظلة حامية شكلها الاحتلال البريطاني منذ 1882، والذي كان بمثابة الزناد والمحرك للموجة الثانية للهجرة، ليصل إلى أكثر من ربع ميلون في 1917.. فيما بعد ستؤثر ظروف الحرب وعمليات تجنيس الأجانب وتقييد عملية الهجرة على أعدادهم، بالسلب. كان القادمون من أوروبا، في غالبيتهم -الاستثناء شدوذ نادر- من الأفاقين وأصحاب السوابق والمجرمين الهاربين من العدالة "نفاية أوروبا – حثالة البحر المتوسط"، بلا تعليم أو مهنة أوحرفة، كانوا مرابين وسماسرة وأصحاب أعمال مشبوهة، استهدفوا تحقيق الربح السريع في ظلال المناخ التمييزي الذي صنعه الاحتلال لصالح العنصر الأوروبي. ورغم أنهم كانوا بمثابة مافيا للنهب إلا أنهم كانوا "مافيا فوقية"، وفرضوا نفسهم كطبقة أرستقراطية، ومجتمع فوق المجتمع، متميز عنه محتقر له!. حتى ما يمكن تسميته بالإيجابيات التي صاحبت العملية جراء الاحتكاك الحضاري والتلاقح الثقافي و"الأوربة"، فإن مصر قد دفعت مقابلها ثمًنا رهيبًا وباهظًا، ماديًا ومعنويًا، إنسانيًا وبشريًا، جراء هذه الحضارة الحديثة!. انعزلت الجاليات الأوروبية في عمومها عن المصريين، وتحاشوا الذوبان معهم أو الاختلاط بهم (كان مجتمعهم السكني أشبه بالمعسكرات). عاشوا في المدن الكبرى بالأساس (الأسكندرية – القاهرة – مدن القناة "ربع سكانها أحيانًا"). كانوا في المدن الكبيرة يتجمعون ككتل متراصة، وكانت لهم أحياء مميزة "معزولة" (الابراهيمية بالاسكندرية - المعادي بالقاهرة)؛ خرق هذه القاعدة –أحيانًا- اليونانيون (أقدم الأوربيين تواجدًا في مصر، تاريخيًا، منذ البطالمة) ثم الطليان، خاصة أقلهم ثرءًا، اختلطوا بالأحياء البرجوزاية المصرية وتواجدوا أحيانًا في الأحياء الشعبية والقرى، وعملوا في السمسرة والبقالة وأنشطة أخرى.

كان نشاط الأوربيين ترس في ماكينة التغلغل الاقتصادي وبالتالي الامبريالية والاستعمار، محصور على الغالب في التجارة (لهم السطوة على قلب المدينة التجاري، اجتماعيًا واقتصاديًا) والخدمات والسمسرة، وسائر النشاطات الكمبرادورية، بداية من التصدير والاستيراد، خاصة القطن، وحتى الأعمال المالية والسمسرة والرهونات.. إلى جانب عدد من النشاطات غير الشرعية أو غير الأخلاقية؛ كان لهم دور في إدخال عدد من الصناعات الاستهلاكية كالتقطير والخمور.. كانوا يحتكرون نصف النشاط الصناعي!، قليلًا ما انصرفوا إلى الحرفة الأولى (الزراعة)، واقتصر تدخلهم فيها على كبار الملاك وشركات الاستصلاح الاستغلالية (1500 أجنبي من فئة الملاك يملكون 600 ألف فدان).

وظيفة الجاليات الأجنبية في مصر، كانت هي التجسيم المباشر للاستعمار الاستيطاني، كانت الأداة المباشرة لاستعمار الاستغلالي، الذي كان بلا مواربة استغلالا هدميا وابتزازيا انتهازيًا.. "نزع قشدة" الاقتصاد الوطني، فلهم الزُبد وللوطنيين الزَبد.

* يمكن التزود بمعلومات أكثر عن الأجانب في مصر أوروبيين بالأساس وغير أورببين الكتلة الشرقية، ونشاطاتهم؟ ونسبتهم؟، ومدى ارتباط هجرتهم العكسية (الأوروبيين، تحديدًا) باكتمال عملية التحرر الوطني، في الصفحات (من 664 إلى 689).. شخصية مصر الجزء الثاني. ))

نعود لسيف الدولة، حيث يقول:

"وما أن انتهت الحرب حتى اندلعت الثورة في 9 مارس 1919 لم يتخلف أحد عن الإسهام فيها حتى النساء وتعرضت القرى في الريف للاجتياح المسلح. قتل أكثر من مائة مواطن فلاح ثائر من قرية ميت قرشي، وقتل شنقًا 51 مواطن فلاح ثائر من قرية دير مواس. وقتل من لم يهتم أحد بحصرهم في قرى أسيوط والواسطى وصنبو وملوي والمنيا وفاقوس ورشيد وقليوب والاسكندرية، فنكاد نقول إن ثورة 1919 كانت في الأساس ثورة فلاحين، أخوة وآباء الذين انضموا جبرًا للتخديم على إنجلترا في حربها، وأصحاب المحاصيل التي نهبها جيش الاحتلال. وحدد الفلاحون أهدافهم الثورية في قطع شرايين الاتصال بين قوات الاحتلال (الطرق والكباري والسكك الحديدية) فأصدر القائد العام للقوات البريطانية يوم 20 مارس 1919 بلاغًا يقول: "كل حادث من حوادث تدمير محطات السكك الحديدية يعاقب عليه بإحراق القرية التي هي أقرب من غيرها إلى مكان التدمير وهو آخر إنذار".

طاردت المنظمة الثورية كبار المتعاونين مع سلطة الاحتلال قذفًا بالقنابل اليدوية: يوسف وهبة باشا رئيس الوزراء، الوزير إسماعيل سري باشا، الوزير محمد شفيق باشا، الوزير حسين درويش باشا. وكسبت المنظمة الثورية دماء جديدة: عبدالخالق عنابت (الأخ الرابع من أولاد عنايت)، وعبدالعزيز علي (*كان من أوائل المحرضين على ظهور تنظيمات داخل الجيش لإحداث التغيير والتحرير، وأنشأ خلية في وقت مبكر بهذا الهدف)، وتولى وزارة البلديات في أول حكومة لثورة يوليو 1952، ومحمد راشد، وراغب حسين، وعلي إبراهيم، والعامل محمد فهمي، وابراهيم موسى.

"كان عبدالعزيز علي رئيسا للمنظمة الثورية، حين قامت ثورة 1952، وقد كان معجبًا إعجابًا فائقا بالعامل إبراهيم موسى، ولا يترك مناسبة إلا وذكره وضربه مثلا للناشئين من أمثالنا –الكلام بدكتور عصمت سيف الدولة-. وقد كان وطنيًا متصوفًا لا يتحدث في السياسة ولكن يطارد الانجليز ويقتلهم حيث يثقفهم. وكان قناصًا لا يخطيء الرماية."

"استمر نشاط المنظمة ثلاث سنوات مليئة بجثث كبار رجال الإدارة من الانجليز.. (براون) مراقب وزارة المعارف، (كييف) وكيل حكمدار القاهرة الذي كان يجبر من يُعتقل على أكل روث الخيل، (بيجوت) مدير مالية الجيش الانجليزي، (بون) الأستاذ في مدرسة الحقوق الذي كان يدرّس للطلبة عدم استحقاق مصر للاستقلال، وأخيرًا وليس آخرًا (السير لي ستاك) "سردار" قائد الجيش المصري.. وقد أعدمه عبدالحميد عنابت وإبراهيم موسى وراغب حسين ومحمود راشد وعبدالعزيز علي.. يوم 19 نوفمير 1924. خان نجيب الهلباوي المنظمة فقبض عليهم وعلى بقية أعضاء المنظمة الثورية وفي 7 يونيو 1925. استشهد شنقًا عبدالحميد عنايت وإبراهيم موسى ومحمود راشد وعلي إبراهيم وراغب حسين وشفيق منصور ومحمود إسماعيل."

"ثم جاءت ثورة الطلبة عام 1935، تحديًا لتصريح صميول هور وزير الخارجية البريطاني الذي اعترض على عودة دستور 1923، وانتهت الاحتجاجات بإرغام الملك فؤاد على إعادته.. وفيها استشهد الطلبة (محمد عبدالمقصود شبيكة، ومحمد محمود النقيب، وعلي طه عفيفي -*لاحظ: هو ذات الاسم الذي استخدمه نجيب محفوظ في "القاهرة 30" اسمًا للشاب الوطني الذي تجسدت فيه حزمة من المثل العليا-، وعبدالمجيد مرسي، ومحمد عبدالحكيم الجراحي) وأصيب 168 طالبًا من بينهم "جمال عبدالناصر" –*قائد ثورة يوليو 52 فيما بعد- الطالب في مدرسة النهضة الثانوبة (جريدة الجهاد في 14 نوفمبر 1935)".

"أطلق الضابط الانجليزي "ليز" أربع رصاصات على الشهيد عبدالمجيد مرسي الطالب بكلية الزراعة فقتله، فتقدم محمد عبدالحكيم الجراحي الطالب بكلية الآداب، وخاطب القاتل بثبات وجرأة، قائلًا: "أمن الشجاعة أن تضرب بالرصاص شابًا أعزل فتقتله"، فقال ليز: "أتود أن تلحق به"، فتقدم إليه عبدالحكيم، قائلًا: "أتريد أن تقتلني أنا أيضًا.. هل هذه هي شجاعتكم التي تتشدقون بها، هاك صدري، إننا لسنا جبناء مثلكم"، فأطلق عليه الجبان الرصاص، ومات شهيدًا بوم 19 نوفمبر 1935".

"قبل أن يموت الجراحي أرسل برقية إلى رئيس وزراء إنجلترا "روح الشر"، قال فيها: "أحد رجالكم الأغبياء أصابني برصاصة وأنا أموت الآن شيئًا فشيئًا، ولكني سعيد للغاية أني ضحيت بنفسي. إن الموت أمر صغير وآلام الموت عذبة المذاق من أجل مصرنا. فلتحيا مصر. وليسقط الاستعمار، ولتسقط إنجلترا، وسيتولى الله عقابكم قريبًا، أنتم وإنجلترا روح الشر.. فلتحيا التضحية".

ثم بدأت الحرب الأوروبية الثانية عام 1939

"وبدأ دخول ضباط الجيش حركة المقاومة. أول مجموعة منظمة كانت من ضباط الطيران...، إلى جانب طلبة المدارس الثانوية: في القاهرة قتلوا أمين عثمان، وفي الأسكندرية هاجموا معسكرات الإنجليز أربع مرات.. في الأنفوشي، وفي الشلالات، وفي معركة حملت اسم إسحاق نديم، والنادي البريطاني.. أسفرت عن قتل وإصابة 138 بريطانيًا قبل أن يقبض على المنظمة الطلابية الثورية ويُزج بالثوار إلى السجون."

يوم "21 فبراير" من كل عام هو يوم الطالب العالمي

"ففي 21 فبراير 1946، اجتاحت شوارع القاهرة المحتلة عشرات الألوف من الطلبة والعمال والتجار وصغار الموظفين في مظاهرات كثيفة تردد هتافين متميزين، الأول: "الجلاء بالدماء"، والثاني "لاحزبية بعد اليوم". من أجل الدلالة التاريخية لهذا الهتاف الأخير نكتب ما نكتب، لم يحدث من قبل أن أجمعت القوى الشعبية الثائرة ضد الاحتلال، على الربط بين التحرير وإلغاء الأحزاب. إنه حكم بانتهاء مرحلة تاريخية كاملة بدأت منذ أول حزب تكون عام 1907، وهو أذان الشعب ببزوغ ثورة 1952.. استشهد في القاهرة 24 وأصيب 130".

"أضرب الشعب جميعه في اليوم التالي، واستؤنفت المعارك في الاسكندرية، استشهد في الاسكندرية 28 وأصيب 342".

1947 و 1948 اندفاع قوى الثورة على أرض فلسطين دفعًا للعدوان الصهيوني..

"8 أكتوبر 1951، حكومة الوفد ألغت المعاهدة.. معاهدة "الشرف والاستقلال"!! كما كان مصطفى النحاس قد وصفها عام 1936. انسحب تلقائيا انسحابًا جماعيا من العمل بمعسكرات الإنجليز 60 ألف عامل مضحين بلقمة العيش من أجل.. الوطن، فلا شيء غيره ينتظر العاطلين. بدأت الحرب الشعبية المنظمة. وانخرط آلاف من الشباب والكهول في "كتائب التحرير" المدربة المسلحة يحيطون بالقوات الإنجليزية في مناطق القناة وشرق الدلتا.

المعارك ضارية والشهداء يتساقطون.. في السويس 68 شهيدًا و190 جريحًا (3و4 ديسمبر 1951). هدم 156 منزلًا في قرية أم عبده (7 ديسمبر 1951)، معركة مروعة في فنارة (14 ديسمبر 1951)، تدمير محطة اتصال لاسلكي أقامها المحتلون في فردان ( 16 ديسمبر 1951)، مهاجمة مساكن الضباط الانجليز في نقطة المحجر (28 ديسمبر 1951)، مذبحة الإنجليز أثناء احتفالهم برأس السنة في الإسماعيلية (31 ديمسبر 1951)، 12 قتيلًا و1 8 جريحًا، موقعة التل الكبير (12 يناير 1952). أسر الإنجليز سبعة ثوار ثم ردوا جثثهم وقد نهشتها الكلاب، وكانت أول مرة يستخدم الإنجليز الكلاب المدربة في المعركة.. في اليوم التالي تم قتل 12 ضابطًا وجنديًا انتقامًأ للشهداء السبعة. معركة الاسماعيلية ضد رجال البوليس في مبنى المحافظة (22 يناير 1952) استشهد 50 جنديًا وجرح أكثر من 90..".

الصحف البريطانية تعلق على أحداث معركة التل الكبير.. تقول التايمز: "إنه من المدهش والغريب أن القيادة البريطانية تعترف صراحة بأن جميع الفدايين المصريين قد تصدوا لها أثناء معركة التل الكبير وواجهوا القوات البريطانية بكامل أسلحتها وحاربوا ببسالة منقطعة النظير".

والديلي ميرور، والنيوز كرونيكل: "إن معركة التل الكبير تعتبر من أعنف المعارك التي واجهتنا في مصر إذ أنها تفوق في عنفها جميع المعارك التي خضناها في فلسطين. وإنه لعجيب أن يصمد الفدائيون للقوات البريطانية يوم السبت 12 يناير 1952، ويحاربون ببسالة وشجاعة الفرق الميكانيكية والأسلحة الثقيلة وجنود المظلات وفرق الكاميرون والهايلاندرز".

"وفي 26 يناير 1952 "حُرقت القاهرة، وأعلنت الأحكام العرفية. أقيلت حكومة النحاس التي أعلنت الأحكام العرفية، فور أعلانها.. وانفضت الأحزاب عن دعم كتائب التحرير، لما قبل لهم انفضوا عنهم".

"لمدة سبعين عامًا لم يتخلف جيل.. لمدة سبعين عامًا استعملت كل الوسائل.. سبعين عامًا والأحزاب تحكم وتفاوض وتستقيل أو تقال.. سبعين عامًا والشهداء يتساقطون المشكلة (الاحتلال) باقية، وتزداد حدة بدون حل (الاستقلال).. إذن فإن حركة التطور الاجتماعي في مصر قد أصبحت في حاجة موضوعية إلى "بطل" أو - على الأصح- هناك دور بطولة يبحث عمن يؤديه وكل الظروف وكل القوى تستدعيه".. فجاء جمال عبدالناصر وفريقه.

* تلك قصة صمود أجيال متعاقبة في وجه آلة الاستدمار الغربي (الاحتلال البريطاني).. وإنه لمن العيب الكبير، أن يخون الأحفاد دماء أجدادهم (إبراهيم الورداني، وعنايت، وإبراهيم موسى، وعلي طه، وفلاحي دنشواي، وشهداء الأسكندرية، وميت القرشي، ودير مواس، والطلبة الشهداء الغرقى بعد فتح كوبري عباس وتلقيهم الرصاص زخات، والفدائيين في مدن القناة..)، أو يسقطون منذ ذاكرتهم دعوة (الجراحي) على ظالميه، وهو ينازع على فراش الموت. فيمجدون قاتليهم.. ويتغنون بمحاسن الاستعمار!.

إن هذا الموقف لهو مخزي لدرجة أنه يصطدم حتى بطاقم من الباحثين والمؤرخين الغربيين المنصفين (ذوي الضمائر) الذين يتنكرون لما فعلته بلادهم يومًا، ويحاربون بأقلامهم مواقف سياسية تدعو لتمجيد هذه الفترات، أو للبحث وسط ركام السلبيات عن ثمرات إيجابية هامشية (من تلك الصنوف التي تلحق -بحكم طبيعة الأشياء- بذيول أي فعل خاطيء.. مثلًا: كإنشاء خط سكة حديد في بلد مستعمَر بهدف ربط وحدات جيش احتلال "ينهب ويقتل ويستعبد ويعطل حركة التطور الطبيعي للشعب المحتل..")، هذا الصنف من "الهوامش" يتم تجييره لصالح مسح صفة الخطأ عن الفعل الأصلي، أو معادلة صوابه مع خطأه وتمييع الموقف منه، وإن هذا لهو الشر بعينه والتلبيس بصفته!.

وصدق أمل دنقل حين قال: "هي أشياء لا تشترى"