البطل المتكيف ونظرية الفن فى الدراما المصرية

حاتم الجوهرى
2016 / 6 / 24

منذ فترة طويلة؛ تشغلنى صورة البطل فى الدراما المصرية وعلاقتها بالقدوة أو النموذج السائد الذى يتم تنميط الناس عليه من خلال الدراما المتنوعة، التى تتمثل فى : الأفلام- المسلسلات- والمسرحيات بشكل رئيسى، وكذلك فى الأغانى- البرامج-الإعلانات بشكل فرعى..

نمط "البطل المتكيف":
منذ فترة ومن خلال متابعتى الطويلة –كمشاهد وباحث- للدراما المصرية؛ اكتشفت نمطا رئيسيا يتكرر فى الحدوتة المصرية، وهو نمط "البطل المتكيف"، الذى قد ينادى بمثل ومثاليات فى بداية الحدوتة لكنه سرعان وما يتخلى عنها، ويتبنى "القيم المضادة" السائدة لينتصر (وهذا له علاقة بأطروحتى عن فلسفة التكيف كنظرية تاريخية تحكم أغلبية الشعب المصرى، فى كتابى: المصريون بين التكيف والثورة)؛ لتكون فكرة النصر فى الحدوتة المصرية من خلال "البطل المضاد" أو "البطل العكسى" الذى لا يحمل صفات البطل التقليدى، بل يحمل سمة "الميوعة القيمية"، فيجمع بين الشر والخير، ويكون مبرره للشر دائما أن ذلك هو الطريق الذى من خلال يستطيع الانتصار داخل المجتمع، أى أن الانتصار يكون من داخل منظومة قيم الشر والفساد وليس بتغييرها، (راجع هنا فكرة "معيار التكيف" فى كتابى: المصريون بين التكيف والثورة).

نظرية الفن فى الغرب القديم والوسيط:
وإذا عدنا لنظرية الفن فى التاريخ الغربى سنجد أنها مرت بعدة مراحل رئيسية؛ قديما فى الدراما الإغريقية كانت تسود أفكار أرسطو عن المحاكاة والتطهر فى الفن، المحاكاة كشكل والتطهر كغرض أو هدف أو نظرية تأخذ المشاهد لذروة الدراما ثم تخلصه من الشعور بأزمتها مع نهاية الحبكة. وفى العصور الوسطى ومع الفن الدينى او الكنسى الذى ارتبط بالمسيحية، غلب على نظرية الفن فكرة الأمثولة أو العظة من خلال ربط الدراما بأحداث ومثل دينية.. ومع دخول أوربا العصر الحديث دخلت الدراما فى أتون المتغيرات الأوربية المتتالية مرتبطة بالأدب والفكر أيضا، فكانت الحالة الأوربية حالة متداخلة ومتراتبة يرتبط فيها الفن بالأدب بالسياسة بالأكاديمية ..الخ

نظرية الفن الغربى الحديث وسياقها الثقافى والاجتماعى:
فظهرت فى نظريات الأدب والفن: المدرسة الكلاسيكية التى حاولت محاكاة الآداب الأوربية القديمة، ومن بعدها الرومانتيكية كمحاولة للبحث عن الخلاص فى الطبيعة والفطرة الإنسانية، ومن بعدها الواقعية بتياراتها.. ثم جاءت صدمة ما بعد الحداثة ومحاولة تفكيك فكرة النظرية الواحدة أو القيمة الواحدة او النمط الواحد الذى يسود، ولكنها تحولت فى الأغلب لفكرة الفوضى كرد فعل لفشل مشروع الحداثة والعقل، ثم جاءت أفكار وتيارات ما بعد "ما بعد الحداثة" محاولة البحث عن نموذج معرفى وإنسانى جديد خارج المركز اللأوربى، فشهدنا دراسات ما بعد الكولونيالية ودراسات التعدد الثقافى وغيرهم..

فى انتظار البطل: النموذج القادم من بعيد
لكن يظل العالم فى حاجة لنموذج معرفى جديد ينتج بعيدا عن المركز الأوربى شكلا ومضمونا، ويكون نموذجا إنسانيا يحمل ظرفيته الخاصة، ويعبر عن مركزية حقيقية وواقعية، وليست مركزية رد فعل لأزمة المركز الأوربى وكدعوة نخبوية قادمة من ثواره ومفكريه.. والحقيقة أن أقرب النماذج التاريخية القادرة على تولى الأمر الآن، هو نموذج الثورات العربية، وتحديدا نموذج الثورة المصرية!

المرحلة البينية: دراما ما بعد الثورة مباشرة
اعتمدت دراما ما بعد الثورة مباشرة على فكرة الكشف والمواجهة لكل وقائع المجتمع المصرى الصادمة، وقدمت أبطالا بينيين فى مرحلة ما بين منظومات القيم، يشدهم ماضى مشوه ويطاردهم حلم دفع ثمنه الثوار بدمائهم.. ومن أبرز النماذج لتلك الفترة مسلسل "طرف ثالث" وكان المفترض أن تنتقل نظرية الفن والدراما المصرية بعد ذلك، لمراجل أكثر مواجهة، فتقدم مثلا البطل الذى يواجه منظومات القيم القديمة وينجح فى ظل جماعته فى إنتاج منظومة قيم جديدة والانتصار على القديم، ليكون ذلك انتصار الثورة..

المرحلة الحالية: الردة و عودة "البطل المتكيف"
لكن الذى حدث أن الدراما واكبت تراجع الثورة، فتراجعت فكرة البطل الذى كان يواجه ويكشف عن المسكوت عنه، وعدنا للبطل المتكيف، ولمجتمع العينة المختارة المحدودة، التى تناقش قضايا نمطية ومكررة لا تقدم جديدا! والأسوأ لنموذج البطل المتكيف أو البطل السلبى (المعروف بـ anti-hero)، ذلك الذى تكون فكرته عن الانتصار هى الانتصار من خلال نفس منظومة القيم.. فى تشويه لفكرة منظومة القيم ومعيار القيمة، فيتعامل مع ذلك البطل بفكرة "معيار التكيف" أى يسعى للنجاح من خلال منظومة القيم المشوهة السائدة نفسها..
وكان ذلك حاضرا بشدة فى مسلسل "الأسطورة" الذى يقدمه محمد رمضان، وهو النسخة المعاصرة من "عادل إمام" النموذج التاريخى الأبرز لفكرة البطل المتكيف الذى ينتصر من خلال منظومة الفساد نفسها، وكذلك أعادت الدراما تقديم أحد أساطير وكلاسيكات فكرة "التكيف" فى الدراما المصرية، وهو مسلسل "الكيف" الذى كان فيلما يملك حوارا صادما وواضحا شديد الوضوح لفكرة التكيف وتنميط الناس وخلق منظومة القيم المشوهة.

صنع النموذج وتنميط الناس على التشوه
خطورة وسائل الإعلام المعاصرة؛ أنها تصنع النمط على مدى واسع، وتؤثر فى سلوك الناس بشكل فورى! وعودة نموذج البطل المتكيف، سيؤدى لعودة الانقسام التاريخى فى المجتمع المصرى، مجتمع المهمشين الذين يأكلون بعضهم بعضا ويحاولون التشبه بالأسطورة ذلك البلطجى الذى يأخذ حقه بيده لفشل منظومة المجتمع.. ومجتمع السادة سدنة السلطة، طبقة ملاك الأراضى وتجار الخدمات والمصالح السيادية، الذين يملكون القوة والنفوذ لتسيير حياتهم بعيدا عن صراع المشوهين والمهمشين..

خاتمة: المثقف الفاعل والفن والمجتمع
والحقيقة أن دور المثقف الفاعل الحقيقى فى مرحلة مثل التى تمر بها البلاد حاليا؛ هو الكشف عن الأبنية الثقافية المشوهة التى تنخر فى عظام الأمة المصرية؛ وتعيدها لمنظومة قيم "التكيف" والتنميط والتشوه.. دور الفن فى أبسط صوره هو تأكيد النمط أو تغييره! إذا عُرضت فكرة ما من خلال الدراما، ولم يتم التصدى لها؛ فذلك يعنى تأكيد النمط!
من هنا كانت خطورة صورة "البطل المتكيف" الذى يعيد المجتمع المصرى لحظيرة الصراع بين المقهورين و"خلق التناقض" كأداة للسيطرة وكبح تطلعات المجتمع للتغيير والحلم والأمل.