المشهد الاجتماعي الفلسطيني الراهن وتحولاته الطبقية

غازي الصوراني
2016 / 6 / 20


من المهم أن ندرك أهمية الدور الذي لعبته المتغيرات في البنية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، طوال المرحلة الممتدة منذ الاحتلال عام 1967، وترابطها، وصولاً إلى أوسلو وسلطة الحكم الذاتي المحدود عموماً، والتطورات التي صاحبت تلك الفترة، مع استمرار الصراع الفئوي على السلطة ومغانمها بين فتح وحماس، الذي أدى بدوره إلى هذا الانقسام غير المسبوق في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، والآثار الاجتماعية الضارة لقطبي الصراع وأدواتهما وبرامجهما، اللذان يدفعان – رغم اختلاف منطلقات كل منهما – إلى مزيد من عوامل الإحباط والقلق واليأس، ومن ثم انتشار ثقافة الاستسلام المجتمعي في صفوف شعبناً وشرائحه الفقيرة، وهي حالة يتابع تطورها العدو الإسرائيلي/ الأمريكي بارتياح كبير، علاوة على حرصه الشديد على تغذية أطرافها أو تكييفهم لمشاريعه بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
أما المسألة الأخرى في هذا الجانب، فهي تتعلق بطبيعة فهم قوى اليسار للواقع السياسي والاجتماعي الفلسطيني بكل مكوناته القديمة والحديثة والمعاصرة، وهي مسألة أكثر من ملحة أو ضرورية، من اجل بلورة إستراتيجية سياسية اجتماعية اقتصادية تستهدف تنوير وتطوير مجتمعنا الفلسطيني في موازاة تطوير دوره على الصعيد النضالي التحرري في الصراع مع العدو الإسرائيلي، ذلك أن هذا الفهم، ومن ثم التحليل الموضوعي والتخطيط ورسم السياسات الوطنية والبرامج التي تتشابك، مع ضرورات تقديم البديل الديمقراطي، المرهون بدوره بذلك الفهم المعمق للواقع الاجتماعي بكل متغيراته وتراكماته، بالاستناد إلى الماركسية ومنهجها المادي الجدلي ومنهج التحليل الاجتماعي الطبقي، في إطار الصراع الطبقي والانحياز المعرفي والسياسي والاقتصادي للطبقات والشرائح الفقيرة والكادحة وكل المضطهدين في إطاره، مع تحليل ومتابعة تأثير القوى اليسارية في أوساط هذه الجماهير، إلى جانب متابعة وتطوير دورها – باستمرار- في إطار الصراع القائم على المصالح المادية والمعنوية، بما يعني استيعاب هذه القوى للتأثيرات المتبادلة بين البنيتين التحتية والفوقية معا، وكذلك متابعة دراسة تشكل الطبقات أو الشرائح الاجتماعية ومتغيراتها، وتأثير ذلك على الحراك الاجتماعي، ذلك ان قدرة هذه القوى على التقدم في هذا المسار الديمقراطي والمطلبي، إلى جانب تمسكها بأهداف وآليات النضال الوطني التحرري، سيكفل بالتأكيد تقدمها وانتشارها بصورة ملموسة بما يمكنها- أو يمكن بعضها- من امتلاك المقومات المطلوبة للحزب الماركسي الطليعي والجماهيري القادر على التأثير والفعل ليس على الصعيد السياسي فحسب بل على الصعيد الاجتماعي أيضا.
وفي هذا الجانب، لابد من أن نشير إلى أن امتلاكنا للفهم الموضوعي العميق لواقعنا الاجتماعي، لا يعني أن الطريق إلى هذا الفهم ممهدة وسهلة أو واضحة المعالم، إذ لابد لنا من الاعتراف بان الواقع الاجتماعي الفلسطيني مملوء بالتعقيدات النظرية إلى جانب التعقيدات في مكوناته أو خارطته الطبقية، حيث نواجه بسؤال جوهري حول المجتمع الفلسطيني، وهل نحن مجتمع موحد، أم أننا مجتمعات موزعة في الضفة، في قطاع غزة، في المنافي أو اللجوء، وفي دولة العدو الإسرائيلي ؟ الجواب ان شعبنا الفلسطيني رغم كل ما لحق به من أشكال التشرد والمعاناة والحرمان واللجوء والتشتت، إلا انه اثبت في كل محطات الصراع، طوال الواحد وستين عاماً الماضية، انه أقوى من كل المخططات والممارسات العدوانية التي استهدفت تفكيكه وتشريده وتحطيم شعوره العميق بهويته الوطنية والقومية، وحرصه الدائم على حمايتها وامتدادها في كل الأجيال، إذ أن ما جرى لشعبنا وحركته الوطنية طوال التاريخ المعاصر من محاولات التصفية أو الطمس لهويته وأهدافه الوطنية المشروعة، في العودة وتقرير المصير والحرية والاستقلال، لم تنجح أبدا في تحطيم الإجماع الذاتي في أوساط شعبنا على الالتفاف الطوعي والعفوي حول الفكرة الوطنية التوحيدية المركزية في ذهنيته وممارساته السياسية، بل على العكس، فقد كان من أهم نتائج تلك الممارسات العدوانية، انها راكمت وبعمق مشاعر الحقد الوطني والطبقي في أذهان شعبنا ضد كل أشكال العدوان والاستبداد والاضطهاد والحرمان، التي تعرض لها من العدو الإسرائيلي، ومن مختلف المصادر والقوى العربية والدولية المعادية، بالرغم من توزع أبناء شعبنا، في الجغرافيا الفلسطينية والعربية والدولية، عبر مجتمعات وعلاقات اجتماعية تختلف باختلاف الجغرافيا أو أماكن اللجوء والشتات، ومن هذه الزاوية لا نستطيع القول ان هناك مجتمعاً موحداً ينضوي في إطاره كل أبناء شعبنا، بل هناك مجتمعات يتمايز كل منها على الآخر بسمات تعود إلى طبيعة وظروف تطور تلك المجتمعات والعلاقات الاجتماعية الخاصة بها، وهنا يمكن الإشارة إلى هذا التمايز بين الواقع الاجتماعي/ الاقتصادي للفلسطينيين في فلسطين 1948، ومن كل من الفلسطينيين في الضفة والقطاع والتجمعات الفلسطينية في البلدان العربية والأجنبية.
وفي هذا السياق نقول، ان التباين بين سمات وخصائص هذه التجمعات ومجتمع الضفة والقطاع لا يلغي حقيقة الوحدة السياسية والاجتماعية للشعب الفلسطيني بمدلوله السياسي، وبخاصة الفقراء والعمال والفلاحين، وكل الكادحين والمضطهدين، ومعظم الفئات الوسطى في الوطن والمنافي، الذين يشكلون اطاراً وطنياً – معنوياً - توحده الاهداف السياسية الكبرى من ناحية واطاراً لعلاقات وأوضاع اجتماعية متشابهة – رغم توزع وتشتت المكان – توحده عناصر واسباب المعاناة والقهر والاستغلال والاستبداد التي تمثل عاملاً توحيدياً معنويا وماديا مشتركاً لمعظم ابناء شعبنا، بما يشير بوضوح إلى توفر وحدة العوامل السياسية والاجتماعية الداخلية والخارجية، ارتباطاً بتداخلهما وتشابكهما رغم كل المتغيرات في بنية هذه المجتمعات في الضفة والقطاع وفلسطين 48 أو الخارج، لأنها تصب في خدمة الفكرة التوحيدية الوطنية السياسية المجتمعية لشعبنا الفلسطيني، لكن هذه الفكرة تتعرض اليوم –بسبب عوامل داخلية فلسطينية - إلى نوع من التراجع والتفكك الذي يهدد بتكريس انقسامها إلى فكرتين "توحيديتين" أو هويتين متناقضتين، كما هو الحال في ظل الانقسام والصراع الراهن بين فتح وحماس، الذي أدى إلى هذه الحالة من تفكك وتراجع الفكرة الوطنية التوحيدية الجامعة لشعبنا بصورة غير مسبوقة في تاريخه الحديث والمعاصر.
وفي هذا الجانب، تتبدى الأهمية الموضوعية (بالمعنى النسبي) لدراسة التكوين الطبقي/الاجتماعي، خاصة ما تضمنته من الإشارة إلى الطابع الهش والضعيف غير المتبلور لهذا التكوين في المجتمع الفلسطيني، المحمول بتناقضات ومصالح ومكونات اقتصادية اجتماعية ثقافية غير معاصرة أو حداثية، بل هي اقرب إلى التشوه والتخلف، في الكثير من مستوياتها، الأمر الذي أسهم في عجز الشرائح أو "الطبقات" الاجتماعية عن وقف أو معالجة أسباب الهبوط السياسي والمجتمعي وتفاقم مظاهر الصراع الداخلي، ومن ثم إفساح المجال لقطبيه الرئيسيين، الاستمرار في الصراع والوصول إلى ذروته التي كرست الانقسام واستفراد حماس في غزة، وفتح في الضفة، دون أي دور ملموس للشرائح الطبقية الاجتماعية في أي منها. وهذه الظواهر ليست غريبة في سياق تحليلنا، إذ أن أي تغيرات مجتمعية لا تحدث متساوية "في لحظات واحدة، وإنما تأتي متفاوتة، سرعة وعمقاً، بتفاوت تبلور الطبقات الاجتماعية، ووعي كل طبقة لذاتها أو لمصالحها ووجودها، حيث ينعكس ذلك على التعامل مع تلك التناقضات، وعلى الأوضاع المتفاوتة للمواقع الطبقية"، فإذا لم تكن مستويات التكوين الاجتماعي المحدد مؤهلة للتغيير، فإنها لن تكون مؤهلة أو قادرة على التدخل لوقف الصراعات الداخلية، بل تنأى بنفسها عنها، كما حصل – ويحصل حتى اللحظة – في الضفة وقطاع غزة، بحيث تصبح قوة كل طرف من قطبي الصراع مرهونة بما يمتلكه من مقومات القوة الإكراهية الذاتية (المسلحة والسياسية بالمعنى التنظيمي) إلى جانب اجهزة سلطته وإمكاناتها او قدرتها على فرض السيطرة.
إن هذا المآل الذي وصل إليه شعبنا وقضيتنا ومجتمعنا، يفرض العمل على قطع كل طريق لإستمرار مهزلة التفاوض مع العدو من موقع الخضوع لشروطه، والانطلاق من أن ليس لدى الدولتين الأميركية والإسرائيلية أي حل للقضية الفلسطينية بل إن حلهما لها هو خارج فلسطين، وفي سياق إعادة صياغة الجغرافيا السياسية للمنطقة العربية، وهكذا يمكن ان تصبح الحلول المشبوهة المقترحة مثل "الدولة القابلة للحياة"، او "الدولة المؤقتة"، او الحكم الذاتي الموسع أو الدويلة المسخ فاقدة السيادة، كما يريد نتينياهو وأوباما، كلها أدوات تخدير على هذا الطريق طالما بقي ميزان القوى (العربي والفلسطيني) مختلاً مع العدو الإسرائيلي.
وإذا كانت طغمة فتح قد أسست مصالح لها استناداً الى أنها هي التي شكّلت السلطة، (ورفضت او لم تعرف كيف تتعاطى مع السياسة من أرضية المعارضة) وبالتالي أصبح وجودها يقتضي الاستمرار في السلطة وتحت الاحتلال، فإن خطأ حماس هو أنها دخلت اللعبة ولم تتنبه الى المشكلات التي سوف تنتج عن ذلك، والنتيجة التي سوف توصل إليها. ويبدو أن العقل الأصولي (لدى حماس وقيادة الإخوان المسلمين) هو الذي أنتج ذلك، حيث بدا لهذا العقل، ومن ثم لحماس أنه يمكنها تحقيق مشروعها الاسلامي، وبالتالي تعميمه في المنطقة. لهذا تناست – أو قررت بحكم حسابات تخصها- أن السلطة هذه خاضعة للاحتلال وللدول المانحة، وتبدى لها انها قادرة على التكيف عبر الهدنة او غير ذلك من الشعارات، وهو ما يضع حماس في وضع صعب: فإما التوافق مع الشروط الأمريكية – الإسرائيلية- العربية في إطار ما يسمى بالحوار الثنائي أو العمل على تأسيس "إمارة" غزة، أو الاستفراد الاسرائيلي بها واستغلال سيطرتها على قطاع غزة لتصعيد الضغط الاقتصادي والمعاشي، وتشديد الحصار، وأيضاً التدمير اليومي، ومن ثم العودة الى الاقتتال، بمعنى أن حركة حماس وضعت ذاتها في الرمال المتحركة أو هكذا تبدو الصورة كما هي اليوم.
ان المرحلة الراهنة، بكل محدداتها ومتغيراتها الفلسطينية والعربية والإقليمية والدولية، تشير بوضوح إلى أن آفاق النضال القطري الفلسطيني مسدودة، مهما كانت بطولة المناضلين وجدية القادة، فكيف إذا كانت البنية والنهج يعانيان من أزمات مستعصية مرتبطة اما باليمين السياسي/ فتح او باليمين الديني السياسي/ حماس او بكليهما معاً، الأمر الذي يفرض على القوى اليسارية ان تخرج من أوهام "الحل المرحلي" وتعيد صياغة الرؤية الإستراتيجية التي تستند على النضال من أجل تحقيق هدف إقامة فلسطين الديمقراطية لكل سكانها وحل المسألة اليهودية وفق هذا المنظور .