عظمة بابل أبداً

كامل الدلفي
2016 / 6 / 20


الإمام الحسن (ع) عاش مظلوما ومات مظلوما، وراكم التاريخ هذا الظلم ولم يقرأ عبقرية التأسيس المدني، والحقوقي في فكره، وسلوكه، فظلمه فقهاء السنة: إذ أنهم يروون في استشهاده حكاية عابرة، ولا يستنكرون إرادة السلطة في تلك الجريمة، ويترضون على روح، وسيرة معاوية كخليفة لهم.
وظلمه الشيعة فهم ينظرون إليه بعدسة كربلائية، أي من زاوية الفعل المسلح لاستلام السلطة ومقاومة السلطة المضادة فحسب ..و الآن تخرج علينا غيوم سوداء نشم منها رائحة تاريخية صدئة ومتاجرة رخيصة بإسم هذا العظيم ،فيجتهد البعض لإطلاق اسمه الكريم على مدينة بابل ..لماذا وكيف؟
إن عملية التضاد بين بابل والتراث العلوي أمر مدسوس في الفكر العراقي وتحريض أجنبي يقصد منه تهشيم وتهديم الهوية العراقية ،و ادعاء يراد منه تصادم أطياف الهوية ببعضها و تقاطعها ونفيها لبعض، بدلا من التكامل الحقيقي للأجزاء.. فالإمام علي (ع )، سيرة وقولا، هو بابلي وعراقي، اذا توسعنا في النظر الى شخصه الكريم، وخاصة في سياق اجتماعي فكري، وليس حصر زاوية النظر إليه من زاوية الفقه والسياسة ، فعملية انتقال عاصمته السياسية من الحجاز إلى الكوفة لهي ظاهرة نادرة لم تلق كفايتها في البحث، فلم يكن قراره في ذلك ينطلق من منظور سياسي وعسكري (فهو إجراء أعقب معركة الجمل)، و إنما دليل صارخ على انتمائه البابلي وهاجسه الحضاري، و تلاقحه مع التراث الفكري والكتابي الموجود في العراق وفي الحيرة بوجه خاص ، ناهيك عن ما نقل عنه عليه السلام قوله بأننا قوم نبط من كوثي..فان إلغاء اسم بابل والحرب على تراثها لهو هم جزري وعالمي استمر قرون ويضمر في طياته أحقادا واضغانا كبيرة دينية وعرقية تثير ذكريات السبي اليهودي و إعادة ظاهرة سقوط الحضارة العراقية تشفيا، سقوط أور وسقوط بابل وسقوط بغداد، لإلغاء هذا التراث وإخراجه عن الذكر بحجة وثنيته، ولا تخلو من أسباب تنافسية يقودها أبناء حضارات قديمة أخرى تحس بضآلتها أمام التراث البابلي والرافديني
ما وجّه إلى العراق من سهام أكثر مما يتخيله أحد..لكن هذا السهم الجديد سيكون السهم المثلث في قلب هويتنا.
نسجل اعتزازنا باسم إمامنا الثاني في تسلسل أئمتنا ألاثني عشرية.
ونسجل اعتزازنا ببابل لأنها كينونتنا وسر بقائنا الزاهر في العصور، وجذر قوتنا في التجدد والنهوض القادم. فلا عظمة نرتقي لها إلا من بوابات عظمة بابل..