عن دراما رمضان 2016.. بين كثافة الإنتاج، وغياب التوأمة بين الإمتاع والقيمة!

السيد شبل
2016 / 6 / 20

عن دراما رمضان 2016.. بين كثافة الإنتاج، وغياب التوأمة بين الإمتاع والقيمة!

1- أجتهد لأمنع نفسي من التورط في عملية تصنيم "أسامة أنور عكاشة" أو تحويله إلى رمز مبجل تحيط به هالة قداسة، تفرض على الناقد التردد قبل تناوله أو تشريح أعماله.. لكن الحقيقة أن الرمضانات المتكررة منذ غيابه تؤكد أن الفراغ الذي خلّفه يصعب ملأه، وأنه من أولئك الذين يصعدون درجات السلم للأعلى وهم في مراقدهم، وأن المكانة التي اكتسبها في حياته هي دون ما يجب، بل حتى من اعترفوا به كأب للدراما العربية قد أسقطوا منه زوايا هي العامود الفقري لتجربته.. حين ركزوا على موهبته التأليفية أو إصراره على تعديد الشخصيات داخل العمل، وما يتطلبه ذلك من تركيز ومهارة في التوفيق والربط بينها، لكنهم أهملوا –في المقابل- المشاعر الوطنية، والرؤى السياسية، والانحيازات الطبقية، بل حتى التساؤلات الفلسفية.. التي طرحها وناقشها ومررها في أعماله، وتلك التوليفة هي فعلا من صنعت حالة "عكاشة"، وخلاصتها: أن مادته النفية الممتعة كانت حُبلى – على الدوام – بمشروع.. هو ذاته ابن تكوينه السياسي والنفسي السابق والملازم لعمله في الدراما

2- أهم مكسب تم تحصيله من تضخم مشاركة القطاع الخاص في عملية الإنتاج الدرامي، هو غزارة المنتجات (عدد المسلسلات الكبير).. في المقابل، تسببت أنف الوكالات الإعلانية المغروسة في العمل الفني، منذ لحظة ميلاده: بالآتي:

أ- خفة التخريج الحواري للأفكار الرئيسية للأعمال الدرامية، والتكاسل عن تدعيمها وصقلها بأفكار ثانوية أخرى، وغرس -متعمد ومنفصل عن السياق الدرامي- لتنويعة من التعبيرات السوقية والايحاءات الجنسية (خاصة في الحلقات الأولى)، طمعًا في استفزاز المشاهد، ومن ثم جذبه وتنبيهه للعمل.. الدافع الرئيسي لتفشي الظاهرة، هو استئذان الكاتب للمنتج قبل الشروع في الكتابة، والذي لا يأذن حتى التعاقد مع الفضائية، والتي لا تُتم التعاقد، بدورها، إلا بعد إتمام التفاوض مع الوكالات الإعلانية.. والخلاصة، أن الحلقات يتم "سلقها" وتسليمها في وقت متأخر، كما أنها تاتي مختصرة زمنيًا (بين 20 و30 دقيقة).. ويتم مطها بعرض أجزاء من الحلقات السابقة تحت ذريعة تذكير المشاهد بأحداث العمل الردامي السابقة.

ب- عندما يشعرالكاتب في قرار نفسه أنه أداة بماكينة رأسمالية، لتحقيق ربح، فإنه يخضع -جبرًا- لعملية خصم وجداني من موهبته، ويكتسب منتوجه النهائي -رغمًا عنه- برودة، ويفقد روحًا وجاذبية وتماسكًا بين أجزائه، (وهذا واحد من أسباب تواري قصص الطبقة الوسطى، وغياب النَفَس المنحاز للطبقات الكادحة الذي كان صبغة الفن الرئيسية ومادته الخام، وتحوله في بعض جوانبه إلى تبنى أولويات أجندة رجال الأعمال).

هذه التركيبة تحتم دفع القطاع العام للقيام بدوره في العملية الإنتاجية، -على الأقل- بهدف المنافسة، وضرب المثل من خلال الأعمال الدرامية التي ينتجها، والحيلولة دون تسليع الفن بالكلية.

3- القيمة الفنية كالفيتامين، تُعطى للفرد لدعم منظومته القيمية والأخلاقية.. لكن "الفيتامين" الفني، لا يمكن أن يُقدم في صورة حقنة تحت الجلد أو ملعقة دواء أو حبة من شريط يصرفه الصيدلي.

"الفيتامين" الفني يجب أن يكون مثل ثمرة الفاكهة أو طبق السلطة الخضراء الذي يتم تقديمه ضمن وجبة طعام شهية، فتمر القيمة ضمن مكونات الإمتاع.. ذائبة فيها، لا يمكن تمييزها أو فصلها، وإلا صارت مباشرة فجة.

المدرسة الليبرالية تدفع دومًا نحو التركيز على الجانب الإمتاعي للفن وتسفه من دوره التنويري والتقيفي.. وإلخ، والحقيقة أن منتوج المدرسة الليبرالية لا يتورع عن تقديم قيمه الخاصة ورؤيته للحياة، والتي تقوم على: أ) تنمية النزعة الفردانية الأنوية عند الفرد (وهي ليست تلك النزعة التي تجتهد للحفاظ على خصائص الشخصية الإنسانية الذاتية ضد طغيان المجموع –أحيانًا- أو العادات الاجتماعية الخاطئة)، وإنما هي تحريف لتلك النزعة لتصير إضفاء الشرعية على مبادرة الفرد للانسلاخ عن محيطه العام، والانعزال عنه، والتفريط في التزامه تجاهه، وتصوير الإنسان والجماعة على أنهما ضدان بالطبيعة – والحقيقة عكس ذلك، لأن الفرد لا يكتسب في الحقيقة إحساسه بذاته إلا بانغماسه في قضية عامة أكبر منه تنسيه نفسه وحظوظها أصلًا، كما أن الإنسان كما العالم "مكون من" أشياء تتوحد لتعطيه إحساس نهائي بالذاتية-، ويترتب على النزعة الأنوية شرعنة إضرارالفرد للمجتمع وإفساده تحت ذريعة الانتقام أو تحت دعوى تحميله أسباب الفشل الذاتي؛ ب) تقذير المجتمع (العالم الثالث) في عيون المتلقي، تحت لافتة مطاطة، وهي حق الفن في النقد، وعليه يكون المشاهد مخيرًا بين الهجرة أو الانتحار أو الانحدار السلوكي!، ج) دعم الفوارق الطبقية، بتطبيع التعامل الدرامي معها، وبالتالي تثبيتها في وعي المتلقي على أنها قدر أوحقيقة وجودية لا يصح مناقشتها أو محاربة التمييز المترتب عليها؛ في المقابل هناك محاولات فجة للترويج لقيم "أخلاقية أو وطنية - شعاراتية" منفصلة عن البناء الفني، وتلك الأعمال "المسلوقة" تكون سريعة السقوط من الذاكرة.. تجلب السخرية والنفور أكثر من أي شيء آخر، وغالبًا ما يفتقد صانعوها للصدق اللازم (كل كثير بغير الصدق إقلال. النفري) ، وينافقون موجة عامة لا أكثر (شهداء 25 يناير لحمادة هلال - تسلم الأيادي لمصطفى كامل).

في مقابل الطرفين، هناك قائمة طويلة من المبدعين نجحوا في عملية المزواجة بين القيمة والفن، وعززوا بانتقاداتهم دوافع الثورة والتغيير والرغبة في الحياة الأفضل، دون تمرير الإحباط والتشاؤم والحنق العام (مثلا: على مستوى الإخراج: صلاح أبوسيف، وعاطف الطيب..؛ على مستوى الكتابة الروائية والدرامية: يوسف إدريس ومحمد جلال ولينين الرملي وأسامة أنور عكاشة وكرم النجار وتجربة صالح مرسي في رأفت الهجان..).

لعل أغنيات الخمسينات والستينات التي دافعت عن قضايا التحرر الوطني، والوحدة القومية، والعدالة الاجتماعية .. تعتبر من أفضل الأمثلة على المزاوجة بين القيمة والفن

4- الحكم على عمل درامي قبل الاطمئنان إلى نهايته، ليس شيئًا محبذًا على الدوام، لكن تكفينا إشادة عابرة بمسلسل "ونّوس"، على مستوى القصة والإخراج والتمثيل (يحيى الفخراني – نبيل الحلفاوي).. ورغم بعض الأشياء التي يمكن أن يتوقف عندها متابع عادي شأنه شأننا سواء على مستوى اختيار أماكن التصوير كالملهى الليلي الذي يغني فيه "نبيل" وهو في أحضان الصحراء تحيط به الكثبان الرملية مثلًا، أو على مستوى أداء بعض الممثلين الذي سقط في طور المبالغات ، إلا أن فكرة العمل الرئيسية ومعالجة قضية الصراع بين الخير والشر بهذا المستوى الفني والنفسي العالي تستحق الإشادة، كذلك يحسب للعمل ومخرجه إعادة الاعتبار للطبقة الوسطى، وتحسين صورتها الدرامية – دون مبالغة أو تلفيق- بعد ان أهانها مخرجون آخرون عن عمد.. في المسلسل تظهر أسرة مكافحة دخلها متوسط، تسكن في حي مصري عادي بعيدًا عن المدن السكنية الحديثة التي ينعزل أهلها داخل أقفاص بأسوار حجرية!، هذه الأسرة تكونت على يد أم مكافحة، ويسكن الابن الأكبر الذي يعمل مدرسًا (وداعية مودرن!) في ملحق سكني على سطح العمارة، ويعمل الابن الذي يليه سائق تاكسي، والأصغر منه مطرب خريج معهد موسيقى، إلى جانب ابنة مطلقة تعمل مدرسة لديها ولد.. المهم أن هذه الأسرة تسكن في شقة نظيفة، ومرتّبة، ومساحتها جيدة، والعدسات التي استخدمها المخرج لتصوير الشقة، وتوزيع الاضاءة يترك في النفس قدر من الراحة عند متابعة أحداث الأسرة.. بمعنى آخر المخرج أبدع في تصوير الواقع، كما هو، أي لم يتكلف تشويهه وتقذيره، ليوحي بصعوبة أحوال الأسرة.. فالحقيقة أن أسر مصرية كثيرة، رغم صعوبات الحياة، ومحدودية الدخل، إلا أنها لا تزال تتحلى في مسكنها بكثير من الفضائل على مستوى المظهر ونظافة المنزل وترتيبه. وإصرار مخرجي الأعمال على الحط من صورة الطبقة الوسطى دومًا، ليس الهدف منه جلب التعاطف لها أو التحريض على التغيير الإيجابي، بقدر ما هو إشاعة الإحباط في أفرادها، وإفقادهم الثقة في ذواتهم، ودفعهم لكراهية واقعهم والاجتهاد للدوران في عجلة الرأسمالية بهدف القفز إلى أعلى، كما أنه يتضمن بالضرورة تلميع للطبقات الأكثر ثراءًا (مظهرًا وسلوكًا). إذن فصانعو "ونّوس" لم يهمشوا الصعوبات المادية التي تواجهها الأسرة لكن في المقابل لم يفرضوا على الأسرة مظهر البؤس، أو الانحطاط السلوكي.

5- (التليفزيون الحكومي = ملكية عامة شعبية)، والدعوة لدعمه (ومتابعة الدراما المعروضة على شاشاته) ليست تجاوزًا، أو شيء يجب أن يستحي منه المثقفون (على اعتبار وجودهم!) في زمن "الحريات الربيعية!".

لأنه - رغم توليفة من التحفظات على فقر صورته، وتدهور مستوى مضمونه- إلا أنه ملكنا (وهذا مهم)، ومقاطعة الوكالات الإعلانية له، دلالة على تعمد إفشاله، والحط من قيمته.

فانتقاده، والدفع نحو تطويره وترقية حرفيته، وفضح حالات إهدار المال العام فيه (نفقات كثيفة بلا عائد متابعة)، هو بالضبط كما المطالبة بتحسين مستوى الخدمات في المستشفيات العامة والمدراس الحكومية، لكن نبقى متمسكين به كقطعة خشب أو فلين تنقذ المجتمع كاملًا من الغرق في بحر بلا قاع، ونصارع بكامل قوانا ضد من يجيّر أو يوظف النقد في اتجاه النقض والعمل لتصفيته كمؤسسة وإزاحته من طريق منافسة الإعلام الخاص، بالكامل!.

6- الدراما العربية السورية (ويمكن متابعتها على التردد التالي 10922 رأسي) تستحق المشاهدة -ولو من باب التنويع وتوسيع مساحة الاطلاع وضبط المزاج-، ويمكن اعتبارها دلالة على حيوية الشعب العربي السوري، وقدرته على تجاوز الأزمات وتذويبها، بل وأمارة، من زاوية أخرى، على أن سورية ككيان مجتمعي ومؤسسي لا تزال متماسكة رغم ما تلقته من ضربات، وأن المبالغة في تصوير مأساوية الوضع هناك وتظليم الصورة، هدفها إشاعة الإحباط لا جلب الدعم أو التصدي للخطر!؛ أهم مأخذ عليها هو استمرار وجود جرثومة (التتريك): التكلف في الاهتمام بالشكل، وتفريغ مساحات في العمل يتم تعبئتها بالموسيقى التصويرية المعلّبة، واستخدام التقنيات المتطورة بالسلب لتبدو الصورة دومًا معتمة، على حساب المضمون.

7- (تخابُث الـ إم بي سي.. للهيمنة على السوق الفضائي)
وفرة مصروفات فضائية "إم بي سي" السعودية، التي انطلقت من لندن في مطلع التسعينات ويديرها بريطاني "سام برنيت"خبير في خصخصة قطاع الاتصالات، والتي قفزت في غفلة إلى السوق المصري.. وفرة مصروفاتها على برنامج مقالب رامز جلال (تافه المضمون، أولًا؛ الجذاب لأنه مستفز للمشاهد، ثانيًا؛ الذي يقدم مادة إثارية -النسخة المرمضنة من وائل إبراشي-، ثالثًا؛ والمعتمد على خفة ظل مقدمه مقارنة بغيره.. حتى ولو كان يعتمد على تشكيلة من الإفيهات المكررة، خامسًا)، هدفها هو تثبيت المتابع أمام القناة منذ لحظة الإفطار، خاصة أن البرنامج ينطلق بعد الآذان، مباشرة.. وعليه فالوفرة في الإنتاج لا تعوضها إعلانات البرنامج وحده، وإنما يعوضها بالإضافة، ترقية مكانة القناة في حلبة المنافسة، وضمان عدم الانتقال منها لغيرها (لاحظ أن، قطاع واسع من المقاهي تبدو - لما سبق- وكأنها متعاقدة مع "إم بي سي مصر" ولا تتحول عنها).
(الرأسمالية الخبيثة)