الدعوة لتقسيم العراق خيانة وطنية كبرى

حامد الحمداني
2016 / 6 / 19

الدعوة لتقسيم العراق خيانة وطنية عظمى
حامد الحمداني 19/6/2016
أثارت التصريحات الأخيرة للسيد مسرور البارزاني، التي عبر فيها عن حلمه بتقسيم العراق إلى دويلات ثلاث، دولة كردية، ودولة سنية، ودولة شيعية، وسعي القيادة الكردية لإنشاء جيش كردي الشكوك والقلق العميق حول الاهداف الحقيقية لهذا الجيش من لدن سائر العراقيين بمختلف أطيافهم، وزعزعت الثقة في نوايا السلطة القائمة في كردستان العراق حول مستقبل الفيدرالية، والتي تشير كل التوقعات إلى أن هذه الفيدرالية ليست سوى مرحلة انتقالية استهدفت من ورائها القيادات القومية الكردية تحقيق أقصى ما يمكن من المكاسب على الأرض، واستنزاف أقصى ما يمكن من مدخولات العراق النفطية من جهة أخرى، وترصين الكيان القائم في كردستان العراق، وتعزيز قوات ميليشيا البيشمركة تدريباً وتسليحاً، وإعدادها للمرحلة القادمة التي تستهدف الضم القسري لمساحات شاسعة من محافظات الموصل وديالى بالإضافة إلى محافظة كركوك الغنية بالنفط قبل إعلان استقلال منطقة كردستان عن الوطن الأم.

إن القيادات القومية الكردية كانت قد حسمت أمرها منذ حرب الخليج الثانية عام 1991، عندما تم فصل محافظات السليمانية وأربيل ودهوك عن الوطن العراقي تحت الحماية الأمريكية ومظلتها الجوية، بالانفصال عن العراق شعباً ووطناً، ومارست، وما تزال تمارس القطيعة بين الكرد والعرب، وعلى الأخص في مجال اللغة حيث نشأ في كردستان العراق جيلاً لايعرف العربية، بالتالي لا يستطيع التفاهم مع أخوته العرب العراقيين، مما شكل انفصالاً حقيقياً بين شعبين لا تربطهم أية رابطة، لغات منفصلة، وأرض منفصلة، وشعب منفصل، مع اشباع الأجيال الكردية الناهضة بروح التعصب والعنصرية، والكراهية لأخوتهم العرب الذين وقفوا إلى جانبهم منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921، والذين دعموا حقوق الشعب الكردي بكل ما أوتوا من قوة، بما فيها حملهم السلاح إلى جانب إخوتهم الكرد.

لقد تكشفت نوايا القيادات الكردية الهادفة إلى تمزيق الكيان العراقي منذ بداية الاحتلال الأمريكي عندما سيطرت قوات البيشمركة الكردية على أسلحة الفيالق الثلاث التي كانت مرابطة على تخوم كردستان، ولم تسلمها للجيش العراقي، بل على العكس بادرت إلى شراء ونقل مختلف انواع الأسلحة من بلدان أوربية مختلفة، فضحتها صحيفة نيويوك تايم. .
ومن جهة أخرى سعيها لإثارة النعرات القومية والتعصب الأعمى، واعداد الشعب الكردي للدخول في صراع مسلح ضد إخوتهم أبناء الشعب العربي، ومكوناته الأخرى من التركمان والآشوريين والشبك، حول ما يسمى بالمناطق المتنازع عليها، وتكررت لهجة التهديدات المتصاعدة والصادرة عن مسعود البارزاني ورئيس وزرائه نجرفان البارزاني مستغلين الأزمة العراقية الراهنة لتحقيق اقصى المكاسب على الأرض، وفي الوقت نفسه إعداد جيشهم للمعركة الفاصلة إذا لم تتحقق أحلامهم في الاستحواذ على مايسمونه بالمناطق المتنازع عليها!!

من حقنا أن نسأل السيد البارزاني السوآل التالي، وندعوه للإجابة عنه بصراحة:
مَنْ ستحاربون بهذا الجيش الموعود؟
هل ستحاربون به تركيا ؟ أم تحاربون إيران؟
لا شك في أن هذا الأمر مستحيل، ومهما تسلحتم واستعد جيشكم فليس لديكم القدرة على محاربة هذين البلدين.

إذا العدو الذي تستعدون لمحاربته هو الشعب العراقي بكل تأكيد، انها فرصتكم في تحقيق طموحاتكم في العراق الجريح، العراق المحتل، العراق الذي تتناحر فيه القوى السياسية الطائفية التي نصبها المحتلون لحكم البلاد في صراعها على السلطة والثروة، فلم تعد هذه القوى تؤمن بالوطنية العراقية، وهي التي شاركتكم في وضع هذا الدستور المسخ لكي تقسموا العراق على هواكم.

لكن الشعب العراقي قد افاق من غيبوبته بعد هذه السنوات العجاف التي تلت الغزو الأمريكي للعراق، وبعد كل الويلات والمآسي والدماء والدموع التي شهدها وتجرعها، وقد ادرك كم هو أخطأ عندما صوت لهذه القوى الطائفية والعنصرية في الانتخابات السابقة، وفي الاستفتاء على الدستور الذي جرى تفصيله على مقاسكم، والذي بات اليوم يشكل مشروع حرب أهلية وقومية!

لكن الحلم بتمزيق العراق قد بات عسيراً بعد أن وعي الشعب العراقي لما يخطط له، وهو سوف يقف بالمرصاد لأفشال هذه المخططات الشريرة، وإن من يفكر في اشعال نار الحرب الأهلية سيكون أول المحترقين فيها، وإن هذه الحرب سوف لن تكون نزهة، ولن تكون محصورة في نطاق العراق، بل ستمتد لتصبح حرباً أقليمية قومية، وستحل الكارثة بالجميع، وعلى القيادات القومية الكردية أن تكون أكثر حرصاً على مصالح الشعب الكردي، وتتجنب زجه في حرب كارثية لن يجن منها الجميع سوى الدماء والدموع، والخراب والدمار.
ويبادر إلى الذهن السوآل التالي:
هل من مصلحة الشعب الكردي الانفصال في هذه المرحلة؟ وما تأثير ذلك على مستقبل قضية الشعب الكردي في كل من تركيا وإيران وسوريا؟

واستطيع الإجابة بكل ثقة أن الانفصال في هذه المرحلة، وخوض الصراع المسلح مع الشعب العربي في العراق، سيؤديان إلى نتائج خطيرة بالنسبة لمستقبل القضية الكردية في تركيا وإيران وسوريا، وستؤخر إلى أمد بعيد مسألة تحقيق الحقوق القومية للشعب الكردي، ويزعزع ثقة حكام هذه الدول بنوايا الكرد، وتؤدي إلى تدهور العلاقة القائمة حالياً نحو الأسوأ من الصراع المسلح، حيث ستؤدي التجربة العراقية إلى رد فعل شديد من قبل حكام البلدان الثلاث تجاه نوايا الكرد في بلدانهم، ولنا فيما يجري الآن في تركيا من أحداث دامية بين الجيش التركي وحزب العمال الكردستاني خير مثال على ذلك.

إن سياسية حرق المراحل لتحقيق طموحات الشعب الكردي لن تجلب الخير له أبداً، بل على العكس من ذلك يمكن أن تسبب له كارثة حقيقية، وإن حصول الشعب الكردي في البلدان الثلاث المجاورة سيتوقف على سلوك القيادة الكردية في العراق تجاه الدولة العراقية، وبقدر ما تعزز القيادة الكردية في العراق علاقات الأخوة بين الشعبين، واعادة الروابط التاريخية والكفاح المشترك من أجل تحقيق الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، بقدر ما تتفهم حكومات الدول المجاورة لحقوق وحريات الشعب الكردي في بلدانها اسوة بالعراق الذي نال حقوقه وحريته على اوسع نطاق، وتستفيد من التجربة العراقية في حل المشكلة الكردية في بلدانها لتبلغ ما بلغه الشعب الكردي في العراق من حقوق قومية، وهذا ما طرحته في كتابي الموسوم [ لمحات من تاريخ حركة التحرر الكردية في العراق ] في الفصل الأخير تحت عنوان {الشعب الكردي وحق تقرير المصير وآفاق المستقبل}.

أما مسألة اقامة الدولة الكردية بنطاقها الواسع فتلك مسألة تتطلب وقتاً ليس بالقصير عندما تقام انظمة ديمقراطية متطورة في هذه البلدان تمكنها من حل القضية الكردية حلاً جذرياً باسلوب سلمي ديمقراطي، بعيداً عن اساليب الفرض بالقوة والحروب والعنف التي لن تجلب الخير لأحد.

ولآمد طويل سيبقى العراق خيمة للشعب الكردي يعيش جنباً إلى جنب مع إخوته العرب والتركمان والاشوريين، وسائر المكونات الشعب الأخرى، فلا تدعوا مجالاً للتعصب والكراهية، ولنعمل جميعاً جاهدين على إعادة اللحمة بين سائر مكونات الشعب العراقي، ولنمد أيدينا إلى بعضها، ونصفي القلوب من الضغائن، فهذا هو الطريق، ولا طريقاً غيره لخير وسعادة كافة ابناء الشعب العراقي بكل أطيافه تغمرهم المحبة، ويسود التآخي بين الشعوب جميعاً دون تمييز.