التركيب الاجتماعي (الطبقي) في الضفة الغربية وقطاع غزة

غازي الصوراني
2016 / 6 / 15


 
1- البورجوازية الكبيرة:
إنها الطبقة التي تحتل أهم المواقع في البنى الاقتصادية والاجتماعية، لكونها تمتلك وسائل الإنتاج ومصادر الثروة وتسيطر عليها، وتنعم بالنفوذ في السلطة السياسية وبالجاه والمكانة في الحياة الاجتماعية، وتمارس الاستغلال والتسلط والقهر في علاقتها بالطبقات أو الشرائح الأدنى منها وخاصة الفقراء والكادحين في الريف والمدن والمخيمات.
 إن أهم ما تتسم به هذه العلاقات كونها قائمة على الاستزلام والخلل في نظام تبادل الخدمات، ولذلك توصف بأنها علاقة تابع –متبوع". وتتكون هذه الطبقة من شرائح عدة شملت كبار الرأسماليين من التجار والصناعيين والرأسمالية العقارية والمصرفية وشرائح صغيرة من ملاك الأراضي، إلى جانب شريحة الأثرياء الجدد من أعضاء الجهاز البيروقراطي المتنفذ في السلطة في الوقت الحاضر.
ومن الجدير بالذكر، أن هذه "الطبقة" العليا أو "البورجوازية" الكبيرة في الضفة والقطاع، التي تتوزع إلى عدة شرائح أو عناوين (كومبرادورية/ زراعية/ عقارية/ صناعية/ مصرفية ومالية)، لا ينطبق عليها لفظ أو مفهوم البرجوازية الكبيرة كما هو الحال في البلاد الرأسمالية،وهي أيضاً ليست بحجم أن تكون "بورجوازيات متعددة"، بل جلّ ما هنالك فئات وشرائح من البرجوازية قسمٌ كبير منها له ضلع في اكثر من نشاط ومصدر ارتزاق، كالذين يجمعون حصة في السلطة الى نشاط تجاري وآخر مالي أو صناعي ... إلخ، وبالتالي - كما يقول جلبير الأشقر- "لابد من ادراك ضعف تمايز الفئات داخل تلك البرجوازية، وهي على العموم "برجوازية رثّة" وفق المفهوم الذي صاغه اندريه غوندر فرنك في دراسته لأميركا اللاتينية، و"البرجوازية الرثّة" هي البرجوازية التي لا تجذّر لها في مصلحة تنموية بل هي راكضة وراء الربح السهل والسريع وتبيع نفسها، ومعها بلادها، للتسلط الكولونيالي مثلما تكون "البروليتاريا الرثة" مستعدة لبيع نفسها لمن يدفع. والحال ان برجوازية أوسلو في الضفة والقطاع هي على العموم، وعلى اختلاف مشاربها، أرَثّ برجوازية يمكن تصوّرها"[1].
  آخذين بعين الاعتبار، أن تطور ونشأة الفئات الرأسمالية والبورجوازية في إطار التطورات والتحولات الاجتماعية لواقعنا الفلسطيني، يعطي لهذه الفئات سمات وخصائص تكوينية تميزها نوعياً، من حيث الولادة والنشأة والدور عن مثيلاتها سواء في البلدان العربية أو بلدان العالم الثالث وأوروبا، إذ لعب تزاوج رأس المال الأجنبي (الإسرائيلي) مع رأس المال المحلي أدواراً مهمة في تسهيل عملية توسع ونمو معظم الشرائح العليا المحلية بأنواعها من جهة، وساهم بالطبع في ترسيخ جذور التبعية وما تعنيه من مصالح اقتصادية تعكس وتفسر طبيعة الهبوط السياسي للقيادة المتنفذة في بلادنا من جهة أخرى.
 وهكذا نتفهم كيف تهيأت الظروف الموضوعية لنشأة الجناح الأخطر من أجنحة الرأسمالية الفلسطينية، المعروف بـ "البورجوازية الكومبرادورية" (بالتحالف الوثيق مع بيروقراطية السلطة)، ومن شدة ما تحمله هذه الطبقة من أدوار خطيرة (سياسية اقتصادية) في فلسطين والبلدان العربية، تذهب بعض التحليلات إلى حد القول بظهور ما يسمى "بالدولة الكومبرادورية" في النظام العربي الراهن، نتيجة التداخل العضوي الوثيق بين جهاز الدولة، وبين البورجوازية الكومبرادورية، رغم التفاوت بين هذا البلد أو ذاك، ويطلق عليها في بعض هذه البلدان "البورجوازية السمسارية" أو "بورجوازية الصفقات" كما يقول د. محمود عبد الفضيل[2]، او الكومبرادورية من النوع الرخيص التي يمكن ان نسميها "كومبرادورية بازار" كما يقول د.سمير أميـن.
من ناحية ثانية، فإن الصفة المميزة لجميع شرائح "البورجوازية الكبرى" أو الشرائح الرأسمالية الكبرى - وهو الأكثر دقة – المسماة عموماً بالرأسمالية الطفيلية، هي عدم اشتغالها بالإنتاج المادي بصيغة مباشرة، ونظراً لإرتباط نشاطها ودورة أموالها بمجال التداول وليس الإنتاج (بالمعنى الرأسمالي المستقل والواسع) يكون من الادق الحديث عن شرائح للرأسمالية وليست للبورجوازية.
فمع توقيع اتفاق أوسلو وقيام السلطة 1994، تغيرت ملامح البنية الطبقية والسياسية في المجتمع الفلسطيني، إلى أوضاع نقيضة، أدت إلى تراجع مفهوم وتأثير المجتمع السياسي بثوابته وأهدافه الوطنية التي جسدتها الانتفاضة الأولى 87-92 لحساب شروط اتفاق أوسلو من ناحية، ولحساب مصالح ودور الشرائح الطبقية الجديدة في سلطة الحكم الذاتي من ناحية ثانية، حيث بدأت في الظهور متغيرات في البنية الطبقة الرأسمالية في المجتمع الفلسطيني، ترافقت مع سلوكيات وأفكار سياسية مغايرة أو نقيضة للسلوكيات والأفكار الوطنية التي سادت المجتمع الفلسطيني قبل أوسلو، وقد لعبت مصالح هذه الطبقة الهادفة إلى تكريس الثروات وجني الأرباح بطرق مشروعة وغير مشروعة، بالتحالف مع بيروقراطية السلطة أو رأس المال الإسرائيلي، درواً هاماً في تشكل ملامح هذه الطبقة باتجاه السمة الطفيلية، وهي سمة غير مستغربة بالنسبة للمساحة الأكبر من مكونات الرأسمالية الفلسطينية، ونقصد بذلك الكومبرادور أو السماسرة والوسطاء، الذين يركزون اهتمامهم على الخدمات الفندقية والمطاعم والملاهي والسلع الاستهلاكية وقروض التقسيط والاسكان والعمولات والربح السريع بعيداً عن العمليات الإنتاجية والتنموية.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أهمية التفرقة المنهجية – كما يقول د. محمود عبد الفضيل بحق– بين ما يمكن تسميته "بورجوازية الأعمال التقليدية[3]" التي تستند مقومات نشأتها ونموها إلى النشاطات التقليدية الخاصة، التجارية والعقارية، المالية، الصناعية، وبين ما يمكن تسميته "بالبورجوازية الجديدة" ذات الطبيعة البيروقراطية التكنوقراطية (العسكرية أو المدنية) التي تستند عملية نشأتها وتطورها إلى الامتيازات التي تمنحها السلطة أو الدولة الناشئة، وهذا هو ما يفسر حديثنا أو تحليلنا من أن السلطة الفلسطينية بصورتها الراهنة،- كما هي حال انظمة البلدان العربية والعالم الثالث عموما - هي جسر للثروة، لمجموعات غير قليلة من الشرائح العليا المتنفذة من الأجهزة البيروقراطية العسكرية والمدنية.
 ولذلك يصح أن يقال عن النظام السياسي الفلسطيني في ظل تفككه وانقسامه الراهن، (عبر حكومتي فتح وحماس) بأنه "نظام" السلطة أو "دولة" السلطة أو الأجهزة (سلطة أو حكومة شكلية لحساب الحركة السياسية المهيمنة واجزتها الأمنية والمدنية العليا والوسيطة والقاعدية) وليست سلطة ذات سيادة، أو حكومة كما هي الأعراف الدستورية الديمقراطية، خاصة بعد أن أودى الانقسام (حزيران 2007) إلى تدمير التجربة الديمقراطية، وفشل كل الأطراف عن التوصل إلى صيغة توحيد جامعة جديدة، حيث يبدو تمترس كل قطب منها حول رؤيته وحساباته في السلطة طاغياً، بحيث أدى هذا التمترس إلى إغلاق الطريق في وجه الرؤية الوطنية الشاملة الملتزمة بقواعد الديمقراطية والتعددية.
وفي مثل هذه الأحوال، تستشري بالطبع كل أطماع "أصحاب السلطة"، عبر تحالفهم – العلني والمستتر – مع كل الشرائح الرأسمالية العليا الأخرى من مالية وعقارية وزراعية ومصرفية وتجارية وكبار الملاك… إلخ، تحت مظلة البرنامج السياسي لحكومة رام الله أو حكومة غزة، ومن خلال استمرار الحوار والصراع السياسي بينهما دون أي نتيجة طالما ظل التناقض السياسي بينهما قائماً، عبر تمترس قيادة م.ت.ف وفتح على مطالبها في الالتزام بالاتفاقات المعقودة مع دولة العدو الإسرائيلي ورفضها القبول بنصوص وثيقة الوفاق الوطني كمخرج لهذا التناقض من ناحية أو بسبب عدم التوصل إلى تسوية سياسية (وفق الشروط الإسرائيلية الأمريكية بالطبع) من ناحية ثانية.
 وفي هذا الجانب نشير إلى أن الانقسام الفلسطيني شكل ذريعة أو فرصة مواتية أدت إلى تمكين العدو الإسرائيلي من تنفيذ مخططاته في الضفة الغربية، الأمر الذي جعل الحديث عن الدولة المستقلة نوعاً من الوهم، ليس بسبب الموقف الإسرائيلي الرافض لأية "تسوية إيجابية" أو "عادلة" أو "جادة" مع الفلسطينيين فحسب، بل أيضاً بسبب عوامل وتراكمات الضعف والتراجع السياسي والبنيوي في حركة فتح وأجهزة السلطة التي باتت خاضعة إلى حد كبير للسياسات الأمريكية – الإسرائيلية، وبالتالي فإن هذه الأوضاع أو العوامل الداخلية والخارجية المحكومة بمنهجية أو منطق الهبوط والتراجع السياسي، لا توفر المناخ الملائم لحركة حماس لكي تتقدم بالمزيد من التنازلات السياسية، حيث أنها – كما يبدو- تعتبر أن قبولها بإقامة دولة مستقلة على الأراضي المحتلة عام 1967 (كحل مرحلي) هو تنازل جوهري لم تحصل في مقابله – من الولايات المتحدة وإسرائيل خصوصاً- على أي رد فعل أو موقف "إيجابي" يضمن الاعتراف بها كقوة سياسية مشروعة في النظام السياسي للسلطة الفلسطينية، وهذا ما يفسر عدم استجابة حماس للأفكار المصرية والعربية والدولية المطروحة في إطار الحوار الفلسطيني، حيث تعاملت مع كل هذه الأفكار بأسلوب جمع بين الرفض والقبول بحذر إيجابي يأخذ بعين الاعتبار الحفاظ على استمرار تماسكها التنظيمي والسياسي من ناحية ويسعى إلى تحقيق مزيد من الخطوات المؤدية إلى توسيع علاقاتها الدولية والعربية الرسمية من ناحية ثانية، تضمن تحقيق مكاسب سياسية لحركة حماس، كمبرر لها في تقديم المزيد من التنازلات أو المخارج التوفيقية التي يبدو انها تمثل الخيار الوحيد أمامها طالما بقيت حريصة على الاستمرار في السلطة أو الحكم في غزة أو غيرها، وإلا فليس أمامها في حال استمرار رفضها سوى أن تترك السلطة وتذهب إلى صفوف المعارضة من جديد.
بالطبع تظل الإشكالية الكبرى بالنسبة لقبول حماس للمحددات السياسية لنظام سلطة الحكم الذاتي و م.ت.ف معاً قائمة ما لم يتم التوصل إلى آليات واضحة ومحددة – ضمن صيغ محاصصة سياسية تستجيب للحد الأدنى على الأقل لشروط المقرر الخارجي من ناحية، وتضمن إعادة بناء م.ت.ف والنظام السياسي أو الحكومة وقضايا الأمن والانتخابات ... إلخ من ناحية ثانية، بما يتيح استمرارية الدور المميز لحركة حماس إذا ما قررت تقديم التنازلات المطلوبة، وصولاً إلى نوع من التقاطع الواسع بينهما، بما يعزز من إمكانية تقريب المسافات بين حماس و م.ت.ف وفتح والسلطة لحساب برنامج الأخيرة وسياساتها واتفاقاتها، وعندئذ فقط يمكن الحديث عن إمكانية "نجاح" الحوار بين الفريقين ومن ثم تجاوز حالة الانقسام على قاعدة التوافق بينهما على مساحة معينة من الصيغ والشروط السياسية (الإسرائيلية والأمريكية والعربية الرسمية)، دون أن يعني ذلك انسجاماً أو توافقاً كلياً بينهما، حيث ستبقى العلاقة بين فتح وحماس محكومة بعوامل التربص والتوتر والصراع انطلاقاً من أن حركة حماس تحمل مشروعاً سياسياً بهوية إسلامية ليس من السهل أن تصبح جزءاً من النظام السياسي للسلطة رغم اعترافه بها، ورغم مشاركتها في الانتخابات ومن ثم وصولها للسلطة عبر آليات هذا النظام، ذلك أن حركة حماس تظل محكومة برؤيتها الإستراتيجية التي تتطلع إلى تحقيق مشهد الإسلام السياسي ليس في فلسطين وحسب بل في البلدان العربية الأخرى ضمن إستراتيجية الحركة الأم أو الإخوان المسلمين، وهي إستراتيجية مرهونة في تحققها بطبيعة الدور السياسي للإخوان المسلمين تجاه تطوير العلاقة الايجابية مع الولايات المتحدة الأمريكية والنظام الرأسمالي العالمي باسم الاعتدال السياسي أو غير ذلك من المفاهيم والأسس التي تضمن المصالح المشتركة، على أرضية النظام الاقتصادي الرأسمالي والسوق الحر من ناحية وخصوصية كل منهما من ناحية ثانية.
وفي هذا الجانب، نشير إلى أن الرأسمالية بكل شرائحها هي محل منافسة بين حكومتي رام الله وحماس، حيث تسعى كل منهما إلى استشارة المتنفذين فيها من كبار الرأسماليين في الضفة والقطاع، وارضائهم عبر تأكيد حرص كل من الحكومتين على مصالحهما، وهو أمر غير مستغرب انطلاقاً من التزام الحكومتين بقواعد وأسس النظام الرأسمالي والسوق الحر، رغم اختلاف الدوافع السياسية، وعند هذه النقطة يمكن تفسير صراعهما على السلطة والمصالح دون إيلاء الاهمية المطلوب في معالجة الظواهر الاجتماعية الداخلية المتفاقمة، التي تتجسد في اتساع الفجوة –بصورة غير مسبوقة- بين 5% من الشرائح الاجتماعية الرأسمالية العليا، وبين 95% من الشرائح الاجتماعية الفقيرة والمتوسطة في بلادنا، بسبب الحصار والانقسام، بل واستمرار ذلك الصراع بينهما عبر تغذية داخلية وخارجية، حيث نلاحظ تغير شكل وترتيب أنساق القيم المجتمعية، بحيث باتت قيم الثروة والثراء والأنانية والانتهازية وثقافة الاستهلاك تحتل قمة هرم القيم، في حين تأتي قيم الحق والخير والتكافل والدافعية الوطنية في أسفل سلم القيم، وهي أوضاع تكرست بسبب عوامل متعددة من اهمها التراجع الحاد لدور قوى المعارضة الوطنية الديمقراطية عموماً واليسارية خصوصاً.
اننا إذن، أمام حركة متسارعة من تراكم رأس المال الطفيلي القائم على الربح السريع والعمولات والصفقات –الداخلية والخارجية- البعيدة - إلى حد كبير- عن إطار التطور الاقتصادي الطبيعي بعدا شاسعا.
إن ما نود أن نؤكده في هذه الدراسة، أن التشابك والتداخل العضوي في المصالح بين كافة الشرائح العليا، الكومبرادورية التجارية والصناعية والزراعية والعقارية والمصرفية… إلخ، هو تداخل في المصالح الاجتماعية الاقتصادية والسياسية في الضفة وقطاع غزة ذات المنطلق والمصالح الجوهرية المشتركة،التي يمكن ان تسهم بدورها في تقريب المسافات بين القطبين المتصارعين، سواء عبر اصحاب رؤوس الأموال وطموحاتهم السياسية الجديدة أو عبر ما يسمى بالمستقلين الجدد من أبناء الشرائح "البرجوازية" العليا بكل أنواعها، الطامحين إلى دور سياسي توفيقي أو "معتدل" بصورة انتهازية في ظروف وفرت لهم هذه الإمكانية رغم ان أي منهم لا يملك أي تجربة أو لحظة تاريخية في صفوف الحركة الوطنية، مع ملاحظة الدور الذي يحاول أن يلعبه عدد غير قليل ممن تخلوا عن أحزابهم - اليسارية خصوصاً - لحساب البرنامج السياسي الهابط للسلطة في مقابل تأمين مصالحهم الانتهازية الخاصة.
 
إذن نحن في مواجهة خارطة سياسية جديدة، محكومة في مساحة كبيرة منها، بالمصالح الفئوية، إلى جانب الصراع والمنافسة غير المبدئية بين القطبين، وهي كلها عوامل ستسهم في المدى المنظور في زيادة الفجوة على الصعيد الاجتماعي بين المصالح الطبقية للشرائح العليا – في الحكومتين-، وبين الشرائح الشعبية الفقيرة من العمال والفلاحين والبورجوازية الصغيرة، كما أن تكريس الانقسام وفشل الحوار في التوصل إلى الحد الأدنى من الوفاق الوطني، مع بقاء الحصار ومظاهر الدمار والخراب الناجمة عن العدوان الصهيوني في يناير 2009/2012/2014، إلى جانب تفتيت الضفة الغربية عبر الجدار والمستوطنات والحواجز والاعتقالات، واستمرار التفاوض العبثي ومضامينه السياسية الهابطة، كل ذلك أدى إلى تراجع القاعدة الجماهيرية لكل من حركتي فتح وحماس بنسب متفاوتة، بحيث لم تعد هذه القاعدة قائمة على أساس الاقتناع والالتزام الفعلي والموضوعي بالشعارات او البرامج المطروحة من الفريقين (رغم التباين بينهما) بسبب مظاهر القلق والإحباط واليأس التي تزايدت تراكماتها منذ ما بعد الإنقسام، حيث أن هذه القاعدة الجماهيرية باتت –في الظروف الراهنة- محكومة إلى حد كبير للاحتياجات والمتطلبات الحياتية وسبل العيش المرتبطة بكلا الحكومتين في رام الله وغزة، ما يعني تراجع الولاء للوطن والنضال الوطني التحرري، ومن ثم تراجع الأفكار والأهداف الوطنية التوحيدية في الذهنية الشعبية في أوساط فقراء شعبنا لحساب لقمة العيش، في حين تراجعت هذه الأفكار والأهداف الوطنية في أوساط الطبقات "البرجوازية" والشرائح البيروقراطية العليا لحساب الهبوط بتلك الأهداف وفق متطلبات وشروط التحالف الإمبريالي الصهيوني والنظام العربي بما يضمن مصالحهم الطبقية الأنانية، على حساب مصالح فقراء شعبهم، عبر المزيد من مظاهر الجشع والاستغلال والاحتكارات البشعة.
 
 وفي هذا السياق فإن من المعروف أن حكومة رام الله تمثل رب عمل لما يقرب من 143 ألف موظف/أسرة في الضفة والقطاع والخارج، في حين أن حركة حماس وحكومتها تمثل رب عمل لما يقرب من 30 ألف موظف/أسرة في قطاع غزة[4]، إلى جانب تقديم الدعم والإغاثة إلى أسر الشهداء والأسر الفقيرة، ورغم ذلك فقد أدت العوامل المشار إليها إلى مزيد من إفقار القطاعات الشعبية للأسر الفلسطينية، التي لا تتقاضى أية رواتب من الحكومتين، علاوة على نسبة البطالة المتزايدة خاصة في قطاع غزة، علماً بأن مجموع الأسر الفلسطينية في الضفة وقطاع غزة يبلغ 675524 أسرة منها 445684 أسرة في الضفة و229840 أسرة في قطاع غزة أي أن 465524 أسرة في الضفة والقطاع لا يتقاضون أية أجور أو رواتب من الحكومتين (ما يعادل 2.8 مليون نسمة )، كما أن أكثر من 80% من هذه الأسر تعاني من الفقر والفقر المدقع والغلاء في ظل استمرار الدمار الاقتصادي والتراجع الحاد للقطاعات والأنشطة الاقتصادية الإنتاجية والخدمية، دون أي إمكانية لإعادة الاعمار أو التشغيل بسبب استمرار الحصار الذي فاقم من المعاناة، وبالتالي زاد في مساحة الفجوة بين الجمهور، وكل من الحكومتين، التي يبدو أن حرص كل منهما على حماية وتثبيت سلطتها أكبر بما لا يقاس من حرصها على إيجاد الحلول لمعاناة هذه الجماهير، واكتفت كل منهما بإعداد خطة اقتصادية للاعمار وإعادة البناء، تنتظر فك الحصار وتقديم الدعم الخارجي وهذا بدوره مرهون بعوامل كثيرة، خارجية وداخلية، من أهمها استعادة وحدة الصف الفلسطيني عبر إنهاء هذا الانقسام الكارثي انطلاقاً من الالتزام بجوهر الوحدة الوطنية المستند إلى الحق في مقاومة الاحتلال ورفض كافة مشاريع الاستسلام المطروحة، إلى جانب استناده إلى وحدة المؤسسات السياسية والتمثيلية الجامعة في النظام السياسي الفلسطيني وفق قواعد الديمقراطية والتعددية السياسية.
إننا ندرك رغم كل تعقيدات الظروف الراهنة، أن هذا الوضع، هو وضع مؤقت، رغم كل ما يبدو عليه من مظاهر القوة والاستبداد والتفرد، وذلك لقناعتنا بأن حكومتي رام الله وغزة، عبر ممارستهما، تبتعدا بصورة تدرجية وعميقة عن الجماهير، التي باتت تشعر بانفصامها وعزلتها عنهما، ولكن هذه الحالة المؤقتة، لن تصل إلى نهايتها دون تفعيل، وتوسيع، وتعميق دور القوى اليسارية بالمعنى الذاتي ليتوافق ويتفاعل ويستجيب للشروط الموضوعية التي باتت "تستجدي" قوى وأحزاب اليسار أن تتحرك للتفاعل معها، وفي هذا السياق أيضاً، فإن قطاعات هامة من الشرائح الاجتماعية الفقيرة باتت تنتظر وتترقب بشوق قوى اليسار لتقوم بدورها ألاستنهاضي على طريق التغيير الديمقراطي المطلوب.
المسألة الأخيرة في هذا العنوان، تتعلق بما يسمى بالحراك الاجتماعي الشاذ أو بالمتغيرات والتطورات الاجتماعية المتسارعة في مجتمعنا، راهنا، ودورها في توفير "الفرص" لشرائح بيروقراطية عليا، في الإثراء السريع، وهي متغيرات ذات سمات خاصة تشكلت ونمت في ظروف التخلف الاجتماعي وما يرافقه من ضعف تطور السوق الداخلية والعلاقات السلعية والنقدية، التي ظلت مرهونة – بهذه الدرجة أو تلك - للنفوذ السياسي/الاجتماعي/ الاقتصادي بدور رموز الكومبرادور والعائلات التقليدية من كبار الملاك والعشائر وتحالفها مع السلطة البيروقراطية الحاكمة، سواء خلال الحقبة الماضية من الاحتلال، أو في مرحلة السلطة، مما خلق هذه الطبيعة المشوهة للاقتصاد من جهة، وللعلاقات الاجتماعية من جهة أخرى، والأهم من ذلك، أن هذه الحالة، خاصة في قطاع غزة، بعد الانقسام، أنتجت صوراً مشوهة أيضا "للبرجوازي" في بلادنا، بحيث يصعب رسم الحدود بينه وبين بقية الفئات الاجتماعية ذات الدخل العالي الناتج عن التهريب هبر أنفاق رفح أو الاحتكار والسوق السوداء أو أي شكل من أشكال الدخل الطفيلي أو الثراء السريع، فكل هؤلاء يصبحون مكونات لصورة أو لوحة واحدة في إطار محدد خاصة مع توفر إمكانية "قبولهم" في المجتمع بحكم عوامل المصلحة والتخلف التي تبرر هذا الثراء غير المشروع باسم "النجاح والشطارة" أو في "مواجهة الحصار" وهو في كل الأحوال تبرير ظاهري لا يعبر عن حقيقة وعي الجماهير برموز ذلك الثراء ومصادره وأدواته، لان مواجهة الحصار والعمل على تأمين مستلزمات الحياة الضرورية للمواطنين، يتناقض مع هذا الانفتاح غير المنضبط في التهريب عبر الأنفاق من ناحية ويتناقض بصورة صارمة مع أشكال الاستغلال التي يمارسها تجار السوق السوداء من ناحية ثانية.
وبالتالي فإن هذا "البرجوازي" الجديد أو الطارئ (الطفيلي والمشوه) يتوافق بسرعة مع الطبيعة الرجعية للبورجوازية التابعة التي لا تؤمن بالديمقراطية أو التقدم، ومن هنا تفسير موقفها التحالفي الموحد للنظام الاستبدادي الفردي في كلا الحكومتين، الآن أو أي نظام أو مجموعة قيادية أخرى قد تفرض على شعبنا في مرحلة قادمة، كإطار ينسجم مع تشوه وتبعية علاقاتهم الطبقية وتخلفها، بمثل ما يحمي ويعبر عن مصالحهم.
في كل الأحوال، فإن استمرار البحث والمتابعة لمكونات واقعنا الاجتماعي، مسألة في غاية الأهمية ارتباطا بدواعي التغيير المستقبلي المنشود، ذلك إننا وإن كنا نلتزم في تحليلنا بالماركسية ومنهجيتها، ونتفق معها، في تحليلها لمؤشرات الانتماء الطبقي، إلا أننا –وبمنهج الماركسية أيضا- يجب أن نتعاطى مع واقعنا، برؤية وتحليل موضوعي يعكس تفاصيل هذا الواقع وإلا وقعنا في خطأ التطبيق الآلي أو نقل التجربة بصورة ميكانيكية ضارة ومعوقه.
 
 
2- الشرائح الاجتماعية المتوسطة أو طبقة البرجوازية الصغيرة:
أولا: حول مصطلح ومفهوم الطبقة البرجوازية الصغيرة:
بداية نشير إلى أن استخدامنا لمصطلح "طبقة" سواء في الحديث عن العمال أو البرجوازية بأنواعها، هو استخدام مجازي، حيث لا وجود لطبقات محددة بالمعنى الوجودي الذاتي في بلادنا، الذي يعبر عن مصالح ورؤى ومواقف أيديولوجية محددة، بحيث ينطبق عليها تعبير ماركس بأنها طبقة في ذاتها لا طبقة لذاتها، فطالما تعيش آلاف العائلات عند خط الفقر أو دونه في ظروف اقتصادية واجتماعية تسودها كل أشكال المعاناة والحرمان، وطالما بقي التخلف أو النمط القديم مسيطرا، ولا تتوفر لهم الأطر السياسية والنقابية، المعبرة عن حقوقهم، كما تتوفر مقومات التجانس الفكري والسياسي أو الوعي المشترك بالظلم الواقع عليهم، فهم لا يشكلون طبقة بأي حال من الأحوال، فالطبقات الاجتماعية هي مجموعات من العاملين الاجتماعيين الذين يحددهم بشكل رئيسي كانعكاس وعيهم وشعورهم المشترك بمصالحهم الطبقية المشتركة، لدورهم وموقعهم في مسار الإنتاج، أي في الميدان الاقتصادي بصورة أساسية.
والواقع أنه يجب أن لا نستنتج من الدور الرئيسي للموقع الاقتصادي أن هذا الموقع يكفي لتحديد الطبقات الاجتماعية، صحيح أن للعامل الاقتصادي، الدور الحاسم في نمط معين من الإنتاج وفي التشكل الاجتماعي، ولكن العامل السياسي والوعي بالمعاناة المشتركة، كشعور جماعي، إلى جانب عوامل ثقافية واجتماعية أخرى في إطار البنية الفوقية لها دور بالغ الأهمية، إذ أن الطبقات الاجتماعية تنطوي على ممارسات طبقية أو صراع طبقي، ولا تتبدى إلا في هذا الصراع والتناقض، وهو مضمون ما زال خافتا في مجتمعنا بحكم عوامل التناقض الرئيسي مع العدو، وعوامل التخلف الاجتماعي والاقتصادي، في سياق استمرار علاقة التبعية والحصار، علاوة على الصراع والانقسام الداخلي، وهي كلها عوامل ساهمت في عدم إنضاج الظرف الذاتي للتبلور الطبقي في بلادنا، وفي هذا السياق يمكننا الاجتهاد في تحديد مكونات البنية الطبقية للمجتمع الفلسطيني في المدينة أو الحضر كما يلي:
 (أ) الرأسمالية المحلية في القطاع الخاص بكل تفريعاته وأنشطته الاقتصادية.
(ب) البيروقراطية المبرجزة تقوم باستغلال علاقاتها وتحالفاتها مع المواقع الطبقية الأخرى من رأسمالية المدن أو أثرياء الريف (في الصناعة والزراعة والتجارة والمقاولات ... إلخ).
 (ج) المواقع الوسطى أو البورجوازية الصغيرة في المدينة والريف في القطاعين العام والخاص والحرف والورش والمحلات الصغيرة.
 (د) العمال الاجراء، والعاطلين عن العمل.
وفي تناولنا لطبقة "البرجوازية الصغيرة" نقول –في السياق النظري العام- إنها طبقة محددة ولها تاريخها القديم (كمهنيين وحرفيين منتجين للسلع)، وهو تاريخ أعرق من تاريخ القوتين الرئيسيتين للمجتمع الرأسمالي (الرأسمالية والبروليتاريا)، ولكن تطورها الحديث –في القرن السادس عشر- عبر التراكم الواسع في نظام الإنتاج السلعي الصغير والحر، وفَّر إمكانية انتقال المجموعات المنتجة فيها، إلى الطور أو المرحلة الرأسمالية التي تخطت بصورة هائلة كل إمكانات البرجوازية الصغيرة وإنتاجها المحلي الصغير، أما على صعيد دورها السياسي، فمنذ الثورة الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر، شكلت البورجوازية الصغيرة المصدر الرئيسي لعملية تأسيس الأحزاب السياسية بمختلف منطلقاتها الفكرية، من اليمين المعتدل إلى اليمين المتطرف أو النازية وأحزاب الوسط، إلى الأحزاب اليسارية والراديكالية بكل أنواعها.
إن إحدى أهم الميزات الاجتماعية للمدينة في البلدان النامية على سبيل المثال تكمن في الوزن النوعي الهائل لفئات البرجوازية الصغيرة في المدن (ولمختلف شرائح أشباه البروليتاريا الملتصقة بها). وان التشتت المكاني –هو أهم عامل في الحياة الاقتصادية والسياسية للبرجوازية الصغيرة. ولذا يجب ألا ينظر المرء إلى البرجوازية الصغيرة كشيء ما ثابت ولا يتغير، إذ يكون في هذه الحالة قد غامر بعدم معرفتها في الحياة الواقعية.
"إن مشكلة التشغيل والخوف من البطالة، ومن الإبحار المجهول في المحيط الرأسمالي أرغمت "هذا الإنسان الصغير" على التشبث بأية قشة والإقدام على أي شيء والإيمان بأي شيء كان من اجل أن يبقى على حاله السابق ليس إلا، إن الفئات البرجوازية الصغيرة والمنفصلة عن طبقتها المنتقلة (نحو البروليتاريا) تقع في حالة بائسة لا توصف. ومن المعلوم جيداً بان حالة هذه الفئات (مختلف مجموعات أشباه –البروليتاريا)، أسوا من حالة البروليتاريا من كل النواحي تقريبا، وهذا الفرق كبير بشكل خاص في البلدان النامية"[5].
"إن التشتت الاقتصادي والمزاحمة المتشابكة وغير المنتظمة، تسببان كذلك في ظهور الكثير من الآراء والتيارات والتنظيمات البرجوازية الصغيرة المتضاربة، والطبقة بأكملها لا تتمكن بأي حال من التكاتف لوحدها، إذ يجري فيها باستمرار مخاض، وتحرك غير منظم لفصائله المنفردة وتنوعها وتناقضها (وطنية، قومية، يسارية، دينية مستنيرة، دينية أصولية ... إلخ). حيث تتميز الشروط الاقتصادية لوجود البرجوازي الصغير بمنتهى عدم الاستقرار والتقلب، ولذلك يتنامى أيضا في الحياة السياسية لهذه الطبقة عدم الاستقرار وعدم القدرة على النضال الجماهيري المنتظم الدائب والراسخ والمتكاتف، هذه الأسباب الموضوعية، تولد في المحيط البرجوازي الصغير حتماً –تتابع الجزر والمد- تارة مزاج اللامبالاة وانهيار القوى وتارة تدفقاً هائلاً للعزائم واستعداداً لشتى الأعمال، وتُولِّد أيضاً روحية ما فوق الثورية (أو العدمية) والجنوح إلى القفز متجاوزة حدود طاقاتها، وبشكل عام فوق الواقع"[6].
ويكاد يستحيل فصل أو عزل أيدلوجية البرجوازية الصغيرة عن الدين أو التدين، فالبرجوازي الصغير في كل بلد هو إما مسلم أو بوذي أو هندوسي أو مسيحي، وهو إضافة لذلك، العمود الفقري الأساسي للهرطقات والأشياع الدينية التي لا تحصى، وكل هذه الفوضى الدينية ظاهرياً تتفق تماماً مع جوهر البرجوازية الصغيرة الموحد والمتشتت في أوجه متعددة.
"أما بالنسبة لفئة المثقفين التي هي عموماً برجوازية صغيرة حسب مكانتها، فهي تتميز بانقسامها، ومشاركتها في حركات سياسية من مختلف الأطياف والألوان، وكثيراً ما ينتقل ممثلوها من معسكر إلى آخر، وهذه الفئة تتمتع في هذه البلدان باستقلال اكبر بكثير مما تتمتع به في البلدان المتطورة رأسمالياً، وهي تؤلف في الواقع النواة القيادية لكل الأحزاب والتنظيمات الاجتماعية المماثلة (من اليمين والوسط واليسار ... إلخ)"[7].
لذلك فإن قضية البرجوازية الصغيرة، هي قضية تتناسب أو ترتبط بالملكية الصغيرة، فالبرجوازي الصغير، صاحب ملكية (حرفة أو ورشة أو منشاة مزرعة صغيرة) لكنه يعمل بنفسه، وهو موجود في بلادنا بشكل رئيسي في مجال الخدمات والتجارة والزراعة، وبالتالي فهو مالك وشغيل، رب عمل، وعامل، مهني صغير، موظف، أو ضابط، أو طبيب أو محامي أو مهندس، طالب جامعي أو مثقف… إلخ، ولذلك فإن التردد، أو الموقف التوفيقي والحلول الوسط والتقلب وعدم الاستقرار، والتذبذب، والانتهازية والتطرف أو الاندفاع السريع، والهبوط أو التراجع السريع أيضا، والتسويات والمواقف اللامبدئية، من اهم مواصفات البرجوازي الصغير، حسب الظرف الزماني وحسب المكان والعلاقات المحيطة به، فهو مسلم متعصب في ظروف معينة، وهو يساري متطرف في ظرف آخر، أو هو توفيقي وسطي انتهازي أو سريع الاستسلام والهروب من الواقع، في ظروف الانقسام الراهن، حيث أن عدداً كبيراً من هؤلاء لم يتحمل قسوة أو مرارة هذه الظروف وانسداد الآفاق السياسية وتفاقم الأوضاع الاجتماعية مما جعلهم يشعرون بحالة من الإغتراب، ظهرت بصورة واضحة في السنوات الخمس الأخيرة –قبل وبعد الانقسام- وتعززت في أوساطهم قيم اللامبالاة واليأس أو النفاق وتمجيد المصالح الشخصية والبحث عن أي مصدر للكسب السريع، مما دفع بالعديد منهم إلى ترك أحزابهم والذهاب إلى تحقيق المصالح الخاصة عبر العلاقة مع سلطة رام الله، أو حكومة غزة أو عبر منظمات NGO S أو مغادرة بعضهم إلى الهجرة للخارج هروباً من الواقع الذي لم يعد قادراً على احتماله! والأمر لا يتوقف –على هذه الشاكلة- عند غير المنتمين لأحزاب ديمقراطية أو يسارية فحسب، بل إننا يمكن أن نلاحظ هذه الظاهرة المتناقضة داخل أحزاب أو فصائل يسارية لها تاريخ نضالي، حينما تتراجع الهوية الفكرية لهذه الفصائل، أو لا تتوافر الأسس التنظيمية والفكرية والسياسية المُوَحِّدة للعلاقات الداخلية والتجانس والتوافق الموضوعي في العلاقات الداخلية بين اعضائها، إذ أن غياب هذا التوحد التنظيمي والسياسي والفكري الداخلي يوفر كل الفرص لتوليد روح الشللية والمغامرة والتكتل وما تشكله هذه المظاهر من مخاطر جدية على حياة ومستقبل الحزب، باعتبارها مظاهر أو تجليات لروحية وممارسات البرجوازية الصغيرة في أبشع صورها، لأنها تفسد الوعي والانتماء الطبقي للكادحين والفقراء والجماهير الشعبية، وتجعل الحزب غير قادر على اتخاذ موقف متماسك في مواجهة التناقضات والصراعات الداخلية والخارجية، نقول ذلك، لأن التغلب على هذه المظاهر الضارة –للممارسات البرجوازية الصغيرة لا يقل أهمية- وضرورة عن مواجهة الخلل والفساد الداخلي الذي نتحدث عن مواجهته في مجتمعنا.
فقد تعرضت هذه الطبقة لمتغيرات طرأت على نموها الكمي والنوعي خلال هذه المرحلة حيث وَجَد العديد من ابنائها فرصته- بطرق مشروعة وغير مشروعة – في الوظيفة الحكومية التي شكلت من خلاً لدى العديد من هؤلاء لتحقيق مصالحه الخاصة بوسائل انتهازية عبر تحولهم إلى أداة طيعة ورخيصة في يد البيروقراطية الحاكمة وأجهزتها في السلطة، على حساب انتماءهم السياسي أو التنظيمي.
أما الحرفيون من أصحاب الورش وصغار التجار، فقد استفادوا من الوضع الاقتصادي السائد، خاصة خلال السنوات الأولى للسلطة، ولوحظ زيادة دخول بعضهم وارتفاع اجورهم، ولكن مع تفاقم الأوضاع السياسية، وتزايد حالات الحصار والاغلاق الإسرائيلي منذ عام2001 وما تلاه من أزمات داخلية، عبر الفلتان الامني والاقتصادي، وصولاً إلى الصراع الدموي والانقسام في حزيران2007، تعرض العديد من هؤلاء إلى الافقار والافلاس والانهيار واصبح البعض منهم على حافة الانحدار إلى صفوف الطبقة العاملة والعاطلين عن العمل.
إن قضية البرجوازية الصغيرة إذن، هي قضية الحرفيين، وصغار المنتجين وصغار الموظفين والفلاحين والمهنيين بمختلف أنواعهم، والطلاب الجامعيين، والمثقفين عموما، وكل هذا الكم الواسع من الناس يشكلون هذه الطبقة، أكثر الطبقات عددا وأوسعها نفوذا وأثرا، فمنها – على الأغلب الأعم - تتشكل بنية جميع الأحزاب في بلادنا، اليمينية الدينية السلفية الرجعية، والمستنيرة، والأحزاب الوطنية الوسطية المهادنة للسلطة أو النظام، والأحزاب الوطنية/القومية الديمقراطية، والأحزاب والحركات اليسارية، وليس معنى ذلك أن هذا الوجود والانتشار الواسع لهذا الحزب اليميني الديني أو الوسطي السلطوي يعود إلى وعي البورجوازية الصغيرة وقرارها الالتحاق بهذا التيار الديني أو ذاك، المسألة ليست كذلك، إذ أن الظروف الموضوعية، ظروف الهزيمة والأزمات المتلاحقة الوطنية والداخلية الاجتماعية بكل مظاهرها الرجعية والدينية الغيبية، والتراجع الملحوظ في بنية ودور فصائل واحزاب اليسار، في ظروف او مناخات تزايدت فيها مساحات القلق أو الافق المسدود أو اليأس، إلى جانب الهيمنة والسيطرة غير المسبوقتين للتحالف الصهيوني الإمبريالي، وتعمق تبعية سلطة الحكم الذاتي والنظام العربي عموماً وارتهانه للمصالح الإمبريالية الى درجة الاحتواء، كل هذه العوامل كانت المقدمات والأسباب التي انتجت وعمقت عوامل الاحباط واليأس التي تعيشها أمتنا اليوم عموماً وشعبنا الفلسطيني خصوصاً.
ففي هذا المناخ توفرت كل مقومات وعوامل وأدوات "بناء" الأحزاب والحركات اليمينية الدينية الأصولية، التي نجحت في استخدام التجربة الديمقراطية للوصول إلى السلطة، ومن ثم تفاقم الصراع مع قوى اليمين السياسي، الذي أدى إلى الانقسام بحيث يبدو أن الديمقراطية بدلاً من ان تكون مهداً للوحدة الوطنية والتحرر والتقدم باتت لحداً لكل هذه الأهداف بعد ان بات الصراع على السلطة هو الهدف الرئيسي.
إننا إذ نعي هذه الحقائق، ندرك صعوبة وتعقيدات الواقع الراهن، وحجم العبء الثقيل الملقى على عاتق القوى الوطنية الديمقراطية عموماً وقوى اليسار خصوصاً، لكننا ندرك –وبعمق أكثر- أن تفعيل وجود هذه القوى هو الشرط الاول في عملية تغيير هذا الواقع، إذ أن هذا الوجود هو وجود تغييري لهذا الواقع، وجود يجسد التعبير الحقيقي عن المستقبل الذي تتطلع اليه الجماهير الشعبية، وهذا يعني إعادة بناء قوى اليسار من قلب هذه الجماهير الفقيرة بعيدا عن برامج وسياسات البرجوازية الصغيرة، التي تتأرجح دوما بين موقفين متناقضين، بين التقدم والتراجع، وبين التغيير الديمقراطي والجمود، بين الثورة والاستسلام، وبالتالي فإن موقفها تحسمه دائما الظروف التي تحدد تلك المواقف سلبا أو إيجابا، وذلك يعتمد - إلى حد كبير - على الدور الراهن والمستقبلي لقوى اليسار الفلسطيني،ودورها المنتظر أو المأمول في التغيير التدرجي لهذه الأوضاع، بصورة نوعية، لكي تصبح هذه القوى في واقعها ومكوناتها التنظيمية والفكرية الداخلية وفي ممارساتها اطارا معبرا بثبات ووضوح وحزم عن مصالح الجماهير الشعبية الكادحة وكل الفقراء والمضطهدين في بلادنا.
 
ثانياً:الشرائح البورجوازية الصغيرة في المجتمع الفلسطيني
تشكل هذه الشرائح، المساحة الأوسع، والحجم الأكبر، في مجتمعنا الفلسطيني، فهي تتكون – كما سبق أن أوضحنا – من جموع صغار الحرفيين والموظفين المدنيين والعسكريين، وصغار التجار والمهنيين بكل انواعهم …. إلخ في الضفة والقطاع، مع مراعاة الخصائص والسمات التي ترتبط بهذه الطبقة في مجتمعنا، ونقصد بذلك المستوى المتدني من التطور الرأسمالي من جهة، والمستوى المتدني لحياة أو مستوى معيشة الغالبية العظمى لشرائحها، بما يؤثر في التركيب الاجتماعي عموما، وفي تركيب هذه الطبقة بصورة خاصة من جهة ثانية، لان طبيعة تكوينها وتشكلها، تتميز بضعف إنتاجيتها الناجم عن عدم امتلاك البورجوازية الصغيرة عموما، قاعدة اقتصادية منتجة، إذ أن هذه الطبقة – رغم ضخامة حجمها واتساعها، لا تسهم بأي دور مركزي أو مؤثر في إطار الطبقة أو السلطة المسيطرة، رغم انصياع القطاع الأكبر منها، للدفاع عن سياسات السلطة وحكومتيها(في رام الله أو غزة) والمجموعات المسيطرة فيها، وتفسير هذا الموقف يعود إلى أن السلطة هي رب العمل – المباشر وغير المباشر - للبورجوازية الصغيرة، بحكم ارتباطها الوثيق بالسوق المحلي بجانبيه العام والخاص، وبحكم الحرمان المادي والاضطهاد الاقتصادي والسياسي الواقع عليها، والناتج عن ضعفها وعدم تماسكها الداخلي وتذبذبها.
وإذا اخذنا بعين الاعتبار ان القطاع الحكومي سواء في حكومة السلطة / رام الله أو في حكومة حماس/غزة، يشكل 27.4% من مجموع القوة العاملة بالفعل، يبين لنا التأثير السلبي الذي يحدثه هذا الواقع على دور ونشاط البورجوازية الصغيرة بسبب القيود القانونية والإدارية من ناحية والطبيعة المتذبذبة لهذه الطبقة وحرصها على مصالحها الخاصة من ناحية ثانية، بما يؤدي إلى شل وتعطيل القسم الاكبر من هذه الطبقة، من العاملين في الجهاز الحكومي، عن ممارسة دور سياسي رئيسي خارج إطار الحزبين الرئيسيين ارتباطاً بحكومة كل منهما، وهنا تكمن انتهازية العديد من أفراد هذه الطبقة أو خوفها او لامبالاتها، أو غير ذلك من المواقف السالبة التي تحكم ممارساتها السياسية في هذه المرحلة بالذات، لما تثيره من نوازع القلق والخوف والتردد والانتهازية في نفوس ووعي هذه الطبقة، إلى جانب حرص حكومتي رام الله وغزة على تأمين رواتب موظفيها لضمان ولائها السياسي، ادراكاً من الحكومتين أو من القطبين الرئيسيين "فتح وحماس" (في اطار الصراع والانقسام الراهن) ان امتصاص هذا القدر من افراد البورجوازية الصغيرة، هدف ضروري، لتعزيز مكانة أي منهما السياسة، نظراً لوعي القطبيين بأهمية دور هذه الطبقة التي تشكل غالبية السكان في الضفة والقطاع، إلى جانب اضعاف امكانات هؤلاء البورجوازيين الصغار في ممارسة دورهم في النضال الوطني والديمقراطي عموماً واضعاف وتهميش دورهم في صفوف القوى اليسارية بشكل خاص حيث يبدو ان هذا الهدف يشكل احد اهم جوانب "الاتفاق" بين فتح وحماس.
بالطبع إن إيقاظ الوعي الوطني والطبقي لدى البورجوازية الصغيرة في مدننا وقرانا ومخيماتنا أمر بالغ الأهمية بحد ذاته، لأن قطاعات كبيرة منها يمكن أن تظل عبر جدلية الاضطهاد والمصالح الحياتية، مرتهنة وخاضعة عموماً للقطبين المتصارعين حسب النفوذ الجيوسياسي لكل منها في الضفة أو قطاع غزة، وهو ما يدفعنا إلى الاهتمام بقضايا هذه الطبقة، وتفعيل دورها خاصةً وأنها تتجاوز بحجمها الواسع نسبة 60% من مجموع السكان في الضفة والقطاع أو حوالي 2.34 مليون نسمة يتوزعون على حوالي (390) ألف أسرة بواقع 6 أفراد (كمعدل متوسط) للأسرة الواحدة، وهو إطار أو تجمع غير متجانس من حيث الدخل أو مستوى المعيشة وينقسم إلى ثلاثة شرائح أو فئات:
الفئة الأولى أو العليا من هذه الطبقة التي تملك دخلاً شهرياً يبدأ من 2500 دولار شهرياً ولا يتجاوز 5000 دولار، ولا تتجاوز نسبتها أكثر من 2.5% من أصل المجموع التقديري للطبقة البورجوازية الصغيرة، وهذه النسبة تشمل المعيلين من الفئات العليا من أساتذة الجامعات والمحامين والمهندسين والصيادلة والأطباء ومسئولو ومدراء المراكز ومؤسسات المنظمات غير الحكومية ونواب المجلس التشريعي والتجار وأصحاب المشاغل المتوسطة وكبار الموظفين (المدنيين مدير عام فما فوق، والعسكريين، عقيد وما فوق) والفلاحين الذين يملكون 20-50 دونم، وهذه الفئة منقسمة في ولائها بين حكومة رام الله أو حكومة غزة حسب ظروف وطبيعة العمل أو الانتماء السياسي أو ألمصلحي الانتهازي.
الفئة الثانية أو المتوسطة، التي تملك دخلا شهريا يبدأ من 1000$ ولا يتجاوز 2500$ وتمثل تقريبا حوالي 5% من مجموع التعداد التقريبي للبورجوازية الصغيرة، وبالتالي فإن مجموع هذه الشريحة المتوسطة يبلغ 117 ألف نسمة، وتشمل المعيلين أو أصحاب الدخل من الفئات الوسطى من المهنيين والأكاديميين وأساتذة الجامعات والعاملين في المنظمات غير الحكومية وصغار التجار وأصحاب المشاغل الصغيرة والفلاحين المالكين من 5 – 20 دونم، والموظفين المدنيين من درجة مدير إلى مدير عام، والعسكريين من رتبة مقدم إلى رتبة العقيد، وهي فئة يمكن أن تجد في المعارضة الديمقراطية ملاذاً لها.
الفئة الثالثة، أو الشريحة المتدنية / الفقيرة، من أسر البورجوازية الصغيرة، التي تملك دخلاً يبدأ من خط الفقر الوطني البالغ 2375 شيكل (580 دولار)[8] شهريا للأسرة ولا يتجاوز ألف دولار وتمثل هذه الشريحة 92.5% ( حوالي (2.16) مليون نسمة) من مجموع هذه الطبقة، وهي شريحة أقرب – من ناحية موضوعية- إلى المعارضة اليسارية الديمقراطية، ومن الممكن أن تشكل وعاءا هاما لها إلى جانب "الطبقة" العاملة والفلاحين الفقراء، لكن عجز وضعف احزاب اليسار عزز مساحة الفراغ السياسي من ناحية وأسهم في تكريس يأس الجماهير الفقيرة ولجوئها إلى قوى التيار الديني والاسلام السياسي من ناحية ثانية.
وفي هذا السياق، من المفيد أن نشير هنا إلى أنه "إذا كانت الأرقام الخاصة بفروقات معدل الدخل للفئات الاجتماعية المختلفة، تساعد على اثبات واقع وجود مجموعات ذات مصالح متشابهة فيما بين الواحدة منها، ومختلفة مع مصالح مجموعات أخرى بدرجات متفاوتة، وتتواجد على مستويات مختلفة من حيث علاقتها بالنظام الاجتماعي الاقتصادي وحصتها من توزيع الدخل، فإن هذا وحده لا يكفي لتلمس الدور الاجتماعي الذي تضطلع به كل فئة أو طبقة منها، والسياسة التي تدعو لها، والظروف والعوامل العائدة لطبيعة تركيبها ونشاتها، والمؤثرات الداخلية والخارجية التي تسهم في نهاية المطاف بمقادير متفاوتة الاهمية في تحديد السمات ومعالم التركيب الطبقي للمجتمع والمواقف العامة لمختلف الفئات والطبقات[9]".
 
3- الطبقة العاملة:
من حيث التعريف الكلاسيكي، فالطبقة العاملة هي التي تنتج القيمة الزائدة أو فائض القيمة وينطبق عليها بصورة مباشرة كافة معايير الاستغلال، فهي تتكون من العمال في المنشآت والورش الصناعية والمحاجر والعمال الاجراء في المحلات التجارية والشركات والفنادق والمطاعم وعمال الزراعة الاجراء والعمال الاجراء في مراكب الصيادين والباعة المتجولين وجامعي القمامة والعاطلين عن العمل في المدينة أو الريف.
فالكدح، والبؤس والشقاء والمعاناة والتشتت أو التبعثر في تجمعات أو ورش صغيرة وشبه عائلية، وغياب حالة الاستقرار أو الثبات في العمل، وعدم التحاق معظمهم في الأطر النقابية،هي الصفات التي اتسمت بها أوضاع عمالنا الفلسطينيين، إذ طالما عانوا من الفقر والبطالة ومن تدني الأجور وغياب التشريعات المنصفة لحقوقهم. الأمر الآخر الواجب الإشارة إليه، هو عدم تبلور طبقة عاملة فلسطينية بالمعنى الموضوعي الذي يحمل في طياته وعيها لمصالحها كطبقة ومن ثم وعيها لدورها الطليعي المحدد في سياق النضال الوطني الديمقراطي، رغم أنها كانت – ومازالت- مع فقراء الفلاحين، الوقود الحقيقي للنضال الثوري التحرري الفلسطيني الحديث والمعاصر.
وبالنظر إلى هذه الحالة من عدم تبلور الطبقة العاملة الفلسطينية، فإن أي باحث جاد سيواجه إشكالية تتعلق بتطور بنية هذه الطبقة حتى عام النكبة 1948، وما جرى لها من تفكك إكراهي بفعل التشرد والتطهير العرقي من المكان/الوطن الفلسطيني، طوال الفترة ما بعد النكبة والاحتلال عام 1967 وصولا إلى سلطة الحكم الذاتي والانقسام الحالي إلى بنيه اقتصادية سياسية في الضفة، وبنيه اقتصادية سياسية في قطاع غزة، وتكريس التمايز الاجتماعي بينهما، الأمر الذي يجعل الحديث عن الطبقة العاملة الفلسطينية في ظل هذا الواقع، وكأننا نتحدث عن جسم طبقي مفكك وهلامي في آن واحد، يفتقر للوحدة الداخلية أو ما يسمى بوحدة الطبقة العاملة في التكوين الاجتماعي الفلسطيني، ويفتقر أيضا إلى التجانس، ما يجعل من الطبقة العاملة الفلسطينية ظاهرة غير مكتملة النمو، وبالتالي يصعب الحديث عنها كقوة اجتماعية مستقلة يمكن أن تلعب دورا مؤثرا في اللحظة الراهنة –على الأقل- من الصراع القائم.
أما عن اتجاهات وتغيرات "الطبقة العاملة" فإننا نرى أن تشابك الصعوبات النظرية مع الصعوبات الواقعية (الإجرائية) تجعل من دراسة أوضاع هذه "الطبقة" أو المواقع العمالية في الضفة والقطاع أمراً تكتنفه الكثير من العقبات (خاصة عدم توفر المصادر الكافية وعدم وضوح الخارطة الطبقة للعمال سواء بالنسبة لتوزيعهم في المصانع والورش والمنشآت المختلفة أو بالنسبة لتوزيعهم أو تسجيلهم في النقابات)، إلى جانب قصور وعجز قوى اليسار الفلسطيني عن متابعة ورصد البيانات والمعلومات الخاصة بحكومات الطبقة العاملة الفلسطينية وواقعها وهمومها ومعاناتها وسبل الخروج من واقعها الراهن صوب تحررها وانعتاقها.
لكن هذا الوضع لا يمنع انطلاقنا من المحددات النظرية الكلاسيكية لمفهوم الطبقة العاملة، التي تؤكد على ان العامل هو من لا يملك إلا قوة عمله، ويعمل بأجر نقدي، وينتج فائض قيمة بشكل مباشر، إلا أن هذه المحددات الصارمة من شأنها – كما يقول د.عبد الباسط عبد المعطي- ان تقلص حجم الطبقة العاملة في تكوين اجتماعي ملموس وتحصرهم في أولئك العمال المهرة في النشاط الصناعي على وجه التحديد، وهو استنتاج نظري كلاسيكي صحيح، لكنه لا يعني بالضرورة تجاهل العاملين في مجالات التجارة والخدمات والزراعة ... إلخ، لان عملهم أيضاً هو عمل ضروري اجتماعياً لتحقيق فائض قيمة، لكن الإشكالية حول هذا الفائض ان هؤلاء العمال لا يشعرون بالظلم أو الاستغلال الواقع عليهم في سياق علاقتهم مع رب العمل في بلادنا، نتيجة عدم التبلور الطبقي وضعف العمل النقابي والسياسي في أوساطهم، وغياب الوعي بالحقوق العمالية وغيرها لديهم، ومن ثم بقاءهم محكومين أو أسرى للتفسيرات الغيبية والقدرية، وهي سمة عامة في المجتمع عموماً، إلى جانب تعايش مجموعة من الأنماط القديمة مع النمط الرأسمالي المشوه والتابع، واختلاطها معا، الأمر الذي يؤدي إلى مزيد من عدم وضوح علاقة الاستغلال، خاصة مع استمرار حالة التخلف في أوساط العمال والكادحين، التي تحول دون إحساسهم المباشر بحجم الظلم الطبقي الواقع عليهم من رب العمل الرأسمالي الصناعي او التاجر أو المقاول أو المالك في المشاريع الزراعية.
إن "الطبقة" العاملة، كما هو حال كل الفقراء والكادحين في بلادنا، لا يمكلون سوى بيع قوة عملهم في سوق العمل (المحلي أو الإسرائيلي أو المستوطنات!!) في مختلف القطاعات الانتاجية وغير الانتاجية، فهي مضطرة إلى بيع قوتها بعض النظر عن المشتري، رأسمالي إسرائيلي، أو رأسمالي فلسطيني، صاحب معمل أو منشأة، أو تاجر، او مقاول، أو مهرب أو طفيلي ... إلخ وما يفرضه هذا التنوع في تشويه ملامح هذه الطبقة ومكوناتها من ناحية خضوعها الاضطراري من أجل تأمين لقمة عيشها، وهو خضوع –مرتبط بهذه الدرجة أو تلك – بغياب وعيها لذاتها، أو لمصالحها، وبالتالي غياب وعيها بحجم الظلم الواقع عليها، نظراً لخصائص هذه الطبقة وسماتها التاريخية والراهنة، في اطار التخلف العام للعلاقات الرأسمالية الانتاجية التي تلغي حالة الاستقرار في عمل ثابت، كما في اطار تخلف المجتمع وسيادة العقلية الريفية والقدرية والجهل ومخاطر البطالة وتزايد العاطلين عن العمل بنسبة عالية في أوساط الشرائح الفقيرة، إلى جانب غياب الدور الفعال لأحزاب اليسار في أوساطها، مما انعكس على أدوارها ووعيها السياسي والنقابي ومن ثم تفككها وتشرذمها دون أي رابط بين أعضائها، ومن ثم توزع ولاءاتها بصورة عفوية بين حكومة حماس في غزة وحكومة فتح في رام الله ارتباطاً بحجم الدعم أو الإغاثة أو الكوبونة أو تأمين مصدر الرزق والمعيشة.
وفي هذا السياق يتوجب الإشارة إلى أن الفقر لا يتوقف عند نقص الدخل، وانخفاض مستوى المعيشة فحسب، بل يشمل غياب الإمكانات لدى العامل وأسرته، للوصول إلى الفرص الحياتية الضرورية لحياة مقبولة مثل تعليم الأبناء والرعاية الصحية وتأمين المشاركة النشطة في الحياة المجتمعية، خاصة، وأننا نعرف جيدا أن الحديث عن الطبقة العاملة ومعاناتها وفقرها، هو حديث عن مكان إقامة هؤلاء الفقراء في المخيمات والمناطق الفقيرة من مدن وقرى الضفة والقطاع، وهو أيضا وقبل كل شئ حديث عن القاعدة الاساسية المؤهلة للصمود وللنضال الوطني التحرري، بمثل ما هي مؤهلة للتغيير الديمقراطي المنشود، ونقصد بذلك الطبقة العاملة، والفقراء والكادحين عموما الذين كانوا – وما زالوا - في طليعة نضال شعبنا في تاريخه القديم والحديث والمعاصر.
أخيرا، وفي سياق الحديث عن الطبقة العاملة، فإننا لا نستطيع إغفال أن الكثير من المصاعب والمصائب الاقتصادية والاجتماعية بسبب الحصار والانقسام والبطالة، تكبل شرائح واسعة من عمالنا، الذين يعيشون تحت خط الفقر بالذات، وتحكم عليهم بتجرع المعاناة اليومية، بحيث يمكن تحولهم –بصورة تدريجية واكراهية- إلى مجموعات اجتماعية معدمة، يسود في اوساطها ما يمكن تسميته بظاهرة الانفصال الطبقي وما يرافقها من مشاعر ومواقف عفوية سالبة تجاه مجتمعهم المحيط،، لذلك لا غرابة – إذا استمرت حالات الفقر والإفقار عندنا - بوتائرها الراهنة، من تشكل كتلة ثابتة من السكان – خاصة في قطاع غزة والمناطق الأكثر فقرا في الضفة- لا يتميزون بمعاناتهم وبؤسهم فحسب،وإنما قد يتراكم في وعيهم العفوي البسيط، بحكم شدة البؤس، حالة من الشعور بالانفصام عن المجتمع المحيط، بسبب استمرار وتفاقم "الوضع المعيشي الصعب وانعدام اليقين حول المستقبل الوطني يدفع بقطاعات واسعة من الجمهور الفلسطيني، وتحديدا الفئات العمالية العاطلة عن العمل والمهمشة، الى منح الأولوية للقضايا المعيشية – بأي ثمن - على حساب القضايا الديمقراطية"[10]، وعلى حساب القضايا الوطنية أيضا، بما يشير إلى إمكانية تحولهم إلى "بروليتاريا" رثة، أو شرائح من المعدمين الذين يسهل استغلالهم في كل أشكال الجرائم والاعمال غير المشروعة المنظمة وغير المنظمة، الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأمنية، بما في ذلك تحولهم إلى مادة للتخريب من قبل العدو، إذا لم يجدوا – خاصة في ظروف الحصار والانقسام الراهنة- من يأخذ بيدهم ويدافع عن قضاياهم من أجل تحسين أوضاعهم، عبر اطر التكامل الاجتماعي والمعايشة والتنظيم في الأطر النقابية، والجماهيرية، والحزبية.
فإذا كانت الجماهير الشعبية كلها تتعرض لهذه الحالة، فإنها مضاعفة لدى الطبقة العاملة ولدى الفلاحين الفقراء - كما يقول سلامة كيلة- مما يؤهلها لأن تلعب دوراً أكثر فاعلية، وما يساعدها على ذلك، إن إمكانيات تأسيس وعي مطابق لمصالحها، وانطلاقاً من المنهجية الماركسية، إمكانيات كبيرة، ويكون ممكناً تنظيمها، وتنظيم نشاطها وفاعليتها، ومن ثم توحيد كتلة الجماهير الشعبية، وتأسيس التحالف الطبقي، الذي يصبح قوة هامة كبيرة، في الصراع الوطني، التحرري والديمقراطي معاً، فإذا كانت الجماهير الفقيرة تتوحد حول أهداف محددة على الصعيد السياسي (الاستقلال وإنهاء الاحتلال والتبعية، التوحيد القومي) فإنها تتوحد أيضاً حول أهداف محددة على الصعيد الاقتصادي الاجتماعي، وهنا بالضبط تتبدى الحاجة إلى تطور وتفعيل أحزاب اليسار الماركسي وانتقالها من حالة القصور والعجز الراهنة إلى حالة التفاعل والتوسع في أوساط الجماهير الشعبية الفقيرة عموماً والعمال خصوصاً.
إذن يمكن القول أن الطبقة العاملة وفقراء الفلاحين وكل الفقراء والكادحين في بلادنا الذين كانوا – وما زالوا – وقود النضال التحرري تحت قيادة كبار الملاك قبل نكبة 1948 ثم في ظل القيادة البرجوازية التي أودت بهم وبشعبنا وقضيته الوطنية إلى الحالة الراهنة أو المأزق المسدود، حيث هبطت تلك القيادة بالأهداف الوطنية والديمقراطية إلى أوضاع كارثية أشد خطراً وعمقاً من نكبة 1948 رغم التضحيات الهائلة التي قدمها فقراء بلادنا من العمال والفلاحين خصوصاً - طوال (68) عاماً بعد النكبة -، الأمر الذي يفرض على قوى اليسار تحمل مسئولياتهم في الاستنهاض الثوري الديمقراطي لجموع الفقراء والكادحين، بما يمكنهم فعلاً من أن يكون لهم الدور الطليعي والرئيسي في قيادة النضال الوطني التحرري والديمقراطي بأفقه القومي والأممي، من خلال امتلاكهم الرؤية الواعية للظروف الواقعية والثورية من جهة، ومن خلال القدرة على التلاحم والتنظيم لكتلة اجتماعية تمثل الأغلبية السكانية، بحيث يمكن الحديث عن تحالف طبقي وسياسي واسع، في مرحلة تتزايد فيها عملية "تكديح" وإملاق فئات واسعة من الجماهير الشعبية. وهذا هو طريق كسر "الحلقة المفرغة" التي رسمها التحالف الصهيوني/الامبريالي، لهذا يصبح طريق التقدم، منوطاً بشكل أساسي بالطبقة العاملة، والفلاحين الفقراء، وبالماركسية كمنهجية في البحث والدراسة والتحليل، وبالتالي كمنهجية في تأسيس الأيديولوجيا المطابقة لمصلحة هؤلاء.
 
ما يمكن ان نقوله أخيراً، أن الحديث عن التقدم، في إطار النضال التحرري والاجتماعي الديمقراطي، مرتبط بالدور الذي يمكن أن تلعبه الطبقة العاملة، وأية مراهنات على أدوار أخرى، ستبدو أنها خارج سياق حركة التقدم الواقعية.
 
4- الفلاحون:  
إذا كنا نتفق على أنه ليس بالإمكان الحديث عن طبقات قائمة بذاتها أو متبلورة، في المجتمع الفلسطيني، بسبب استمرار هذا التداخل والتقاطع للأشكال الحديثة للتقسيم الاجتماعي للعمل، مع الأشكال القديمة المتوارثة –كما أشرنا من قبل- فإن الحديث عن "طبقة الفلاحين" في بلادنا لا يبتعد عن هذا التوصيف، أي غياب وعي الفلاحين الفلسطينيين لوجودهم كطبقة لذاتها، وفي هذا السياق يقول ماركس[11] "طالما تعيش ملايين العائلات في ظروف اقتصادية تميز نمط حياتها ومصالحها ومستوى تعليمها وتضعها في مواجهة نمط حياة ومصالح ومستوى تعليم الطبقات الأخرى –فهي تشكل طبقة، وطالما لا توجد بين الفلاحين غير رابطة محلية، وطالما لا يخلق تجانس مصالحهم أية وحدة فيما بينهم وأية علاقة قومية ولا أي تنظيم سياسي –فهم لا يشكلون طبقة" رغم انتشارهم الكمي عبر أكثر من ألف قرية على الأرض الفلسطينية، إلا أن هذا التحليل لا ينفي الدور النضالي التاريخي للفلاحين الفلسطينيين بصورة عفوية كما جرى في انتفاضة البراق 1929 على أثر بيع أكثر من 200 ألف دونم في شمال فلسطين، للوكالة اليهودية وطرد الفلاحين منها، إلى جانب حرص كبار الملاك أو ما يسمى بـ"القيادة الوطنية" آنذاك على امتصاص نقمة الفلاحين وثورتهم، عبر التلويح بحرمانهم من مصدر رزقهم. فالزراعة –تاريخيا- احتلت المكانة الأولى في الاقتصاد الفلسطيني الذي كان - قبل 1948 - ككل اقتصاد زراعي – في بدايته بصورة أساسية - اقتصادا طبيعيا حيث تعيش كل قرية داخل اقتصاد شبه مغلق داخل الرابطة المحلية للقرية، يقابله انفتاح في العلاقات الاجتماعية مع القرى المجاورة، ففي مرحلة ما قبل نكبة 48 بلغ عدد العاملين في الزراعة من الفلاحين والأجراء، حوالي 550 ألف يمثلون 55% من مجموع السكان، كان 29% منهم لا يمتلك أرضا. وفي حين أن مجموع ملكية 71% من هؤلاء الفلاحين (حوالي 55 ألف أسرة) لم تتجاوز (3) مليون دونم موزعة عبر ملكيات/حيازات صغيرة من خمس دونمات – 55 دونم، فإن 250 مالك فقط، استحوذوا – بطرق ووسائل غير مشروعة - على حوالي أربعة ملايين ومائة وخمسون ألف دونم، أي ما يزيد عن كل ما امتلكه الفلاحون الفلسطينيون آنذاك، وفي هذا الجانب، يكفي أن نشير إلى أن "28 مالكا في قضاء بئر السبع وغزة كانوا يمتلكون حوالي (2) مليون دونم، وكانت ملكية (11) شخصا منهم تزيد عن (100) ألف دونم لكل فرد"[12]، وفي القدس والخليل كان 26 مالكا، يملكون 240 ألف دونم، وفي نابلس-طولكرم خمسة ملاكين، كانوا يملكون 121 ألف دونم، وفي منطقة جنين ستة ملاك، امتلكوا 114 ألف دونم. وفي هذا السياق تقول تمار غوجانسكي[13] "كان تطور القرية العربية زمن الانتداب تعبيراً عن تفاقم التقاطب الاجتماعي: خراب الفلاحين من ناحية، وإثراء ملاكي الأراضي وأصحاب الأموال من ناحية أخرى، حيث ارتكز تراكم الأموال (بصورته التمويلية أو على شكل وسائل إنتاج وأرض وممتلكات) في القرية العربية، على استمرار الاستغلال التقليدي بواسطة رسوم الإيجار وجباية الضرائب والربا الفاحش وفرض الأسعار". وإلى جانب هذا، ظهرت مصادر أخرى بما فيها المدخولات من بيع الأراضي لمؤسسات صهيونية ولشركات مالية ومن استغلال العمل المأجور، وكانت الشريحة الاجتماعية التي ركزت في أيديها معظم الأموال المتراكمة من المصادر المذكورة أعلاه- في ظروف فلسطين الانتدابية – شريحة ملاكي الأرض الكبار، التي شملت أيضاً تجاراً ومتمولين أثرياء يسكنون المدن أو البلدان المجاورة. لقد كان الأمر الخاص في تطور علاقات الإنتاج في القرية العربية الفلسطينية -كما يقول غوجانسكي- هو أن الطبقة المسيطرة القديمة التي تبلورت في ظروف أسلوب الإنتاج التقليدي حافظت أيضاً على العلاقات الزراعية القديمة (حيثما كان ذلك ممكناً) واندمجت أيضاً في العلاقات الرأسمالية بإقامة مزارع (بساتين وما أشبه) قائمة على العمل المأجور، إذ أن التناقض الطبقي الأساسي في القرية العربية أيام الانتداب كان لا يزال هو التناقض بين الشريحة المسيطرة القديمة التي كانت مؤلفة من ملاكي الأراضي (الساكنين في المدينة) ومن التجار والمرابين، وبين جماهير الفلاحين ذوي المزارع الصغيرة سواء المزارعين أو الحراثين، وقد كان لهذا الوضع أبعاد كثيرة في المجالين الاجتماعي والسياسي. وبالتالي فإن استمرار بقاء التناقض الطبقي الأساسي القديم مثل تخلف القرية العربية الاقتصادي – الاجتماعي بالنسبة للمدن وللزراعة اليهودية القائمة على الإنتاج الكبير باستعمال الآلات والأساليب العصرية، هذا التخلف أدى إلى أن تظل القيادة السياسية- الشعبية في وسط المواطنين العرب بأيدي الأسر المتميزة ذوات الأراضي والأموال. ويفسر هذا البناء الاجتماعي أيضاً لماذا أثار شراء الأراضي من قبل المؤسسات الصهيونية وشركات الاستثمار الخاصة والعامة غضباً عارماً في أوساط الفلاحين العرب، ولماذا كان هؤلاء الفلاحون على استعداد للكفاح ضد بيع الملاكين للأراضي.
والمعروف أن عائلات كبار الملاك عبر هيمنتها على الاقتصاد تمكنت من قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية قبل 1948، وفق رؤى وبرامج وآليات سياسية مهادنة أو رخوة، في حين أن الفلاحين الفلسطينيين كانوا وقودا للثورة قبل عام 1948، ولم يكن غريبا أن ينجب الريف الفلسطيني خيرة المقاتلين والمناضلين الذين كانوا بحق هم المحرك اليومي والفعلي والمباشر للعمل الثوري ضد الانتداب والحركة الصهيونية، في حين لم يكن كبار الملاك (الأفندية) سوى واجهة هشَّه تصدرت قيادة الحركة الوطنية ضمن آفاق محددة لم تكن تلتقي مع آفاق وتطلعات الجماهير الثورية العفوية، وكان دورها – على الأغلب – هو امتصاص وتهدئة الحالة الثورية لدى فقراء بلادنا، وكان هذا الدور منسجما مع وضعها الطبقي ومصالحها وعلاقاتها مع القوى الرجعية العربية وغيرها، فهل نحن اليوم أمام مشهد "جديد" يعيد إنتاج المعادلة ذاتها رغم اختلاف شكل المصالح الاقتصادية والطبقية وسبل الحصول على الثروة ؟ الجواب نعم، ولكن بصورة رثة، أو ممسوخة، عبر رموز واداوت "طبقية" أقرب إلى الصيغة الطفيلية في تطورها، لكنها في الجوهر لديها – او لمعظم أطرافها- الاستعداد للتراجع عن الثوابت والمهادنة لحساب ضمان مصالحها الجديدة على حساب مصالح وتطلبات وتضحيات الأغلبية الساحقة من أبناء الشرائح والطبقات الفقيرة الذين يعيشون اليوم حالة غير مسبوقة من الإحباط واليأس بسبب هذا الحصار المر لمسار طويل من النضال الوطني الذي تفرع بدوره إلى مسارين بعد الانقسام في حزيران2007، الأمر الذي فاقم من مشاعر الإحباط والسخط في ظل انسداد الأفق أو المآزق الراهن، مقابل حصر الثروات والمغانم الشخصية لدى الفئات المهيمنة – وإن بدرجات متفاوتة – في الضفة والقطاع.
إن تراكم العوامل التاريخية (الانقسام الجغرافي والسياسي والمجتمعي بعد النكبة)، التي كرسها الاحتلال فيما بعد وحرص على إدامتها، إلى جانب العوامل والممارسات السلبية الداخلية الفلسطينية في سلطة الحكم الذاتي وصولاً إلى حالة الفوضى والفلتان والصراع الدموي بين فتح وحماس ومن ثم الانقسام إلى حكومتين، كل ذلك عمق التباين في العلاقات الاجتماعية السائدة بين الضفة والقطاع دون إغفال عوامل التباين الموضوعي بينهما التي تتبدى اليوم في عدد من المظاهر، سواء من حيث الكثافة السكانية (في الضفة 433 فرد في الكيلو متر المربع الواحد، ترتفع هذه الكثافة في قطاع غزة إلى 4073 فرد/كم2) أو من حيث توزيع السكان المدنيين الذين يعيشون في المدن، ونسبة هؤلاء في قطاع غزة تصل إلى 90% (1.35 مليون نسمة)، تنخفض في الضفة إلى 80% (حوالي 1.92 مليون نسمة) سكان مدن ومخيمات الضفة في مقابل 20% (حوالي 480 ألف نسمة) سكان الريف، إذ يوجد في الضفة حوالي 430 قرية، في حين أن القرى الفلاحية في قطاع غزة لا تتجاوز (12) قرية صغيرة، وهذه المظاهر، وان كانت تؤكد على الطابع الريفي للضفة، والطابع المديني لقطاع غزة، إلا أن هناك مفارقة لا بد من الإشارة إليها في هذه الدراسة، فبالرغم من وجود هذا العدد الكبير من القرى في ريف الضفة الغربية، إلا أن العلاقات الاجتماعية السائدة فيها يغلب عليها الطابع المديني المتطور والأكثر تقدما بالمعنى النسبي من قطاع غزة، الذي – وان كنا نقر – بأن 90% من سكانه يقيمون في المدن، إلا أن العلاقات الاجتماعية السائدة فيه هي علاقات "مدنية" متخلفه ومهمشه ورثه بصورة عامة، نلحظ هذه المفارقة عبر هذا التباين الواضح في كثير من الجوانب الحياتية بينهما، أهمها تلك المرتبطة بالتطور الاجتماعي والحضاري والثقافي العام، إلى جانب التمايز في الأوضاع الريفية – الزراعية – الفلاحية، علاوة على أن استمرار الانقسام السياسي بين حكومتي رام الله وغزة، سيولد موشرات الانقسام الاجتماعي بينهما، بحيث يمكن الحديث عن مجتمع في الضفة ومجتمع أخر مختلف في غزة!!؟
إن الحديث عن طبقة الفلاحين في الضفة والقطاع، هو حديث يتناول قطاع هام وواسع من المجتمع الفلسطيني يتجاوز النسب المئوية – المشار إليها (20% - من سكان الريف – في الضفة،10% في القطاع)- ويحتاج إلى مزيد من التعمق والتحليل والرؤية الموضوعية، ذلك لأن طبيعة المسار التطوري الاجتماعي – الاقتصادي الراهن، هي طبيعة غير مستقرة أو مؤطرة، بحكم هذا التداخل في الأنماط التقليدية القديمة والحديثة والمعاصرة، الذي لا تتحدد حركته بفعل عوامل فلسطينية داخلية، تراثية أو تقليدية أو حديثة، وإنما أيضاً بفعل عوامل خارجية مهيمنة، الاحتلال والمخطط العدواني الصهيوني الذي يستهدف تعميق كل مظاهر التخلف القديمة بدعم صريح أمريكي وأوربي، عبر استمرار هذه التبعية والهيمنة على الاقتصاد والبنية الاجتماعية معاً، المسألة الثانية في هذا الجانب، تتعلق باستمرار – بل وثبات – العلاقات الفلاحية في أوساط اللاجئين الفلسطينيين الذين ينحدر 70% منهم على الأقل من أصول فلاحية، وقد نفوا عن كونهم فلاحين، لكنهم يتميزون حتى اللحظة بتمسكهم بالإنتماء للقرية بكل المعاني السياسية والروابط الاجتماعية حتى اللحظة، وفي هذا السياق فليس من المبالغة في شيء أن نقول أن المجتمع الفلسطيني عموماً هو تختلط فيه العلاقات الاجتماعية والفلاحية القديمة والتقليدية والرأسمالية الرثة، رغم تزايد عدد المدن ونسبة التطور المديني الكمي الذي لم يؤثر بصورة ملموسة بعد في جوهر العلاقات المجتمعية – الفلاحية التي تشكل جزءاً هاماً من مكونات البنية المجتمعية الفلسطينية في المرحلة الراهنة، مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذه العلاقات الاجتماعية الريفية في أوساط الفلاحين الفلسطينيين، لم تعد محكومة – كما كانت في السابق – بقوة الملكيات الكبيرة أو أشباه الإقطاعيين التي لم يعد لها دوراً مسيطراً على هذه العلاقات من جهة، إلى جانب تفتت الأراضي الزراعية إلى قطع صغيرة (أقل من 50 دونم) بحيث تقدر نسبة الحيازات الصغيرة (من 1-10 دونم) بما يزيد عن 50% من إجمالي الملكيات في الأراضي الزراعية، ومن 10-20 دونم في حدود 20%، ومن 20-50 دونم 20%، ومن 50-100 دونم 7% ومن 100 – فما فوق 3% من مجموع الأراضي الزراعية البالغ 1.85 مليون دونم ، منها 1.67 مليون دونم في الضفة، و(180) ألف دونم في قطاع غزة – حسب الإحصاءات الزراعية الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني لعام 2008، وبالتالي يمكن الاجتهاد في تحديد مكونات البنية الطبقية في الريف كما يلي:
(أ) أغنياء الفلاحين والرأسمالية الزراعية (كبار الملاك 50 دونم فأكثر) وموقفهم صريح في العداء للثورة والإصلاح أو العمل التعاوني أو العدالة الاجتماعية.
(ب) متوسطو الفلاحين – أقل من 50 دونم.
(ج) الشرائح الوسطى من الإداريين والفنيين.
(د) صغار الحائزين – اقل من 20 دونم.
(هـ) العمال الاجراء: لا يملكون سوى بيع قوة عملهم للغير ويخضعون لشروط سوق العمل الزراعي
(و) فقراء الفلاحين.
لقد أدى تطور العلاقات الرأسمالية المشوهة – في سياق الارتباط بالاقتصاد الإسرائيلي إلى نمو العلاقات الرأسمالية – أو العلاقات السلعية والنقدية – في الزراعة والريف الفلسطيني التي ترافقت مع التراجع التدريجي – بحكم عوامل الوراثة وعوامل أخرى – في حجم الملكيات الكبيرة، بحيث تراجع دور طبقة كبار الملاك بوصفها الشكل الرئيسي للاستغلال في أوساط الفلاحين، ليحل مكانها استغلال العمل المأجور في إطار العلاقات الرأسمالية المشوهة في الريف التي تقوم على تخصيص القسم الأكبر من الإنتاج الزراعي من اجل السوق، وفي هذه الظروف تزايدت نسبة التمايز الطبقي بين الفلاحين الذين يشكلون حتى اللحظة وجودا طبقيا موضوعيا وقاعدة اجتماعية – فلاحية في الضفة بشكل خاص، وتزايد تسارع نمو الفئات الفقيرة والمعدمة، "البروليتاريا" "والبروليتاريا الرثة" في القرية أو في أوساط العمال الزراعيين الأجراء في المخيمات والمناطق الفقيرة الأخرى، دون أن يعني ذلك تبلور حالة من التمايز الطبقي البورجوازي الكلاسيكي الذي يمكن أن يحقق تراكماً رأسمالياً ملموساً يؤثر في تطوير أو تنمية العلاقات الرأسمالية في الريف الفلسطيني، إذ أن العلاقات الرأسمالية الجديدة القائمة على استغلال العمل المأجور، هي علاقة مشوهة وكومبرادورية في نفس الوقت وبالتالي فقد بقي المصدر الأساسي للتراكم، هو ما تحصل عليه فئة الكومبرادور من أرباح، وهو أشبه من حيث طبيعته بعلاقة الريع أو الربح الذي كانت تستحوذ عليه طبقة أشباه الإقطاعيين في مراحل سابقة.
إذ إنه في ظل استمرار سيطرة سياسة السوق أو الاقتصاد الحر في إطار التبعية والبحث عن المصالح الخاصة عبر سيطرة العلاقات الرأسمالية الطفيلية والمشوهة في السلطة، لم يكن من الممكن تطبيق سياسات زراعية لتطوير قطاع الزراعة في الضفة والقطاع بحيث نلاحظ تراجع مساهمة هذا القطاع في الناتج المحلي من حوالي 40% قبل أوسلو إلى أقل من 10% عام 2007، ويعود السبب في ذلك إلى إهمال السلطة لهذا القطاع، إلى جانب زيادة التفتت في مساحة الأراضي الزراعية، خاصة في قطاع غزة، وغياب دور البنوك في تشجيع وتطوير المشاريع الزراعية، إلى جانب غياب أي شكل من أشكال الجمعيات التعاونية وارتفاع القيمة الاجارية للأراضي الزراعية، وكلها عوامل ادت إلى المزيد من التراجع والتهمش لبنية هذه الطبقة من ناحية ولانتاجتها من ناحية ثانية.
إن هذه الأوضاع التي تعيشها جماهير الفلاحين الفلسطينيين بما يمثلونه من كتله اجتماعية / إنتاجية فقيرة لها مصلحة في النضال الوطني والطبقي، تدفع قوى اليسار الفلسطيني، إلى مزيد من الاهتمام بقضاياهم ووعي تفاصيل أوضاعهم الحياتية عبر تنظيمهم ومعايشتهم، بهدف مواجهة كل أشكال المعاناة التي يتعرضون لها من الاحتلال والمستوطنين من جهة، أو أشكال الاستغلال الطبقي الداخلي من جهة أخرى، وهذا يفرض على هذه القوى، القيام بالمبادرات المدروسة، لتشجيع قيام التعاونيات لدعم الفلاحين الأجراء، والعمل على رفع مستوى الملكيات الزراعية – المفتتة – إلى مستوى معين من الملكيات التعاونية، والمطالبة بإيجاد قطاع حكومي في الزراعة، في أراضي الضفة بصورة خاصة، إلى جانب ذلك فان المطالبة بتقديم مختلف التسهيلات للفلاحين والمزارع الصغيرة، كالقروض والأسمدة والأدوية والإرشاد والتخطيط أو التنميط الزراعي، والاهتمام بالمنتوجات من حيث التسويق وحماية الأسعار، أمور لا بد من العمل على تفعيلها، تعميقا للعلاقة بين هذه القوى، وبين جماهيرنا الشعبية في الريف الفلسطيني من الفلاحين الذين تصدروا دوما حركة النضال الوطني والتضحية والنهوض الثوري منذ فجر تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية.
إن هذه الدراسة من شأنها أن تثير التساؤلات لدى رفاقنا وأصدقائنا حول التغيير الاجتماعي / السياسي / الاقتصادي المستقبلي من ناحية وحول سيناريوهات البديل المحتمل للأوضاع الراهنة من ناحية ثانية، واقصد بذلك سيناريو (الإمارة) الإسلامية في غزة، والحكم الذاتي الموسع في الضفة أو سيناريو "حل الدولتين" أو الدولة الشكلية في إطار التبعية الإسرائيلية عبر توافق فتح وحماس أو سيناريو النضال من أجل فلسطين الديمقراطية في إطار الدولة العربية والمجتمع العربي الاشتراكي.
وبناء عليه فإننا، ندرك بكل موضوعية ووعي، أن استمرار تطور العلاقات الاجتماعية في بلادنا على صورتها المشوهه الراهنة، هو أمر بقدر ما يتعارض مع قوانين الحياة ومتغيراتها وتراكماتها الدافعة صوب الارتقاء والتقدم، يتعارض أيضا مع نضال شعبنا وتضحياته الغالية في صراعه الطويل مع العدو الصهيوني، من أجل تحقيق أهدافه في التحرر والعدالة الاجتماعية والديمقراطية، الأمر الذي يستوجب استنهاض قوى اليسار الفلسطيني والعربي، كضرورة موضوعية ملحة، حتى لا يصبح المستقبل كأنه "قدر محتوم" نساق إليه من نظام العولمة الامريكي الصهيوني الذي نجح الى حد كبير في السيطرة على مقدرات شعوبنا، وما العراق وفلسطين سوى مؤشر صارخ على تلك الهيمنة التي ستتسع لتشمل كل مساحة النظام العربي، لذلك فإن عملية استيعاب الحاضر واستشراف المستقبل ستظل رهاننا الدائم والمستمر، للإسهام في تعبئة طاقات مجتمعنا بارتباطه العضوي مع محيطه العربي في ظل عالم يموج بالمتغيرات لا مكان للضعفاء فيه.
فبالرغم من المتغيرات التي أصابت البنية الاقتصادية الاجتماعية الفلسطينية طوال الفترة الممتدة منذ عام 1967 حتى اليوم، إلا أن هذه التحولات لم تستطع تجاوز أو إلغاء علاقات الإنتاج ما قبل الرأسمالية وشبه الرأسمالية القائمة بل عززتها وأبقت عليها، بفعل عوامل خارجية تتمثل في السياسات الإسرائيلية تجاه الاقتصاد الفلسطيني من ناحية وعوامل داخلية فلسطينية تتمثل في مجموعات المصالح الطبقية التقليدية والمستحدثة الطفيلية الحريصة على إبقاء العلاقات القديمة وعدم تجاوزها (في المنشآت الصناعية شبه العائلية عموماً، والإنتاج العائلي في الزراعة ونمط الإنتاج السلعي الصغير المنتشر بكثرة في الضفة والقطاع عموماً وفي المناطق الريفية خصوصاً ... إلخ) وبالتالي فإن النمط السائد غالباً هو نمط رأسمالي تابع ومشوه تتداخل فيه الأنماط القديمة ضمن صيغة من التعايش والتعاون والصراع، وفي هذا الجانب نشير إلى أن تعدد أنماط الإنتاج قد يتجسد في بعض القطاعات الاقتصادية أكثر من غيرها، وفي هذا السياق يمكن أن يوصف النمط السائد عندنا بأنه نمط محكوم بآليات "رأسمالية المحاسيب" ارتباطاً بالتحالف بين الصفوة السياسية والبيروقراطية ورجال الأعمال والمال والكومبرادور في الضفة والقطاع، وفي ضوء هذا التحليل يمكن أن نطلق على هذا النمط انه نمط رأسمالي طفيلي، لكنه في كل الأحوال ومهما كانت التسمية، فهو نمط تابع ومتخلف، ما يعني بقاء التطور الاقتصادي والاجتماعي/الطبقي محتجزاً بسبب هذه العوامل الخارجية والداخلية ذات المصلحة المشتركة في إبقاء حالة التطور المحتجز في بلادنا ودور هذا التحالف الطبقي في تفكيك المجتمع السياسي الفلسطيني وإعاقة توليد آليات المجتمع المدني الديمقراطي، الأمر الذي يقتضي العمل على كسر هذا التحالف وإزاحة كل هذه العوامل ورموزها وشخوصها صوب إعادة الوحدة السياسية المجتمعية بين الضفة والقطاع وفق الأسس والثوابت الوطنية والديمقراطية، وفق أسس اقتصادية تنموية تستهدف تحقيق مقدمات الصمود الوطني والمقاومة والنضال بكل أشكاله على طريق التحرر والاستقلال والعدالة الاجتماعية.  


[1] رسالة الصديق جلبير الأشقر ، المشار إليها سابقاً. بتاريخ 20-10-2009.
[2] د.محمود عبد الفضيل – التشكيلات الاجتماعية والتكوينات الطبقية في الوطن العربي – مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت– ط1– 1988-ص143.
[3]  المصدر السابق – ص 149.
[4]  رغم أن مجموع الموظفين الذين يتقاضون راتباً شهرياً من حكومتي فتح وحماس الذي يبلغ (173) ألف موظف يعيلون ما لا يقل عن 1.1 مليون نسمة (منهم 51% فوق سن 18سنة)، ما يعادل (561) ألف نسمة، إلا أن ذلك لا يعني ضمان ولاءهم الكامل في ظل الظروف الراهنة لحكومة رام الله أو حكومة حماس، إلى جانب حوالي 1.4 مليون نسمة فوق سن 18، ممن لا يتقاضون راتباً من الحكومتين، ويتعرض أكثر من 80% منهم للعديد من مظاهر المعاناة والحرمان علاوة على تزايد انتشار القلق والإحباط واليأس في صفوف أغلبية هذه الشريحة، الأمر الذي يشير إلى تشتت ولاءهم – بنسب ليست قليلة- بعيداً عن حركتي فتح وحماس، حيث ستتوزع أصواتهم فيما لو جرت الانتخابات التشريعية أو غيرها، لحساب ما يسمى بـ " التيار الثالث" أو تيار البورجوازية البيروقراطية في السلطة، إلى جانب تيار البرجوازية الكومبرادورية التي بدأت في تأسيس أحزابها مستغلة تراجع كل من فتح وحماس من ناحية وغياب فاعلية وانتشار الأحزاب والقوى اليسارية من ناحية ثانية، نستنتج من كل ذلك إن كل من حركتي فتح وحماس لن تحصلا على نفس الأصوات التي حصلتا عليها في انتخابات يناير 2006 حيث شكلت تلك الانتخابات آنذاك ذروة ما يمكن أن تحصل عليه كل منهما خاصة حركة حماس، لكن الإشكالية الكبرى أن أصوات الناخبين ستتجه وفق طبيعة الظرف الراهن إلى البدائل البيروقراطية والأمنية والكومبرادوية في إطار سياسة الهبوط بالأهداف الوطنية باسم " التيار الثالث " أو "المنتدى الديمقراطي" أو غير ذلك من الأسماء، طالما ظلت قوى اليسار على حالها الراهن من الضعف والتراجع.
[5] الكسي ليفكوفسكي – البرجوازية الصغيرة وخصائصها– دار التقدم – فرع طشقند – 1997.
[6] المصدر السابق.
[7] المصدر السابق.
[8]  قد يبدو هذا المبلغ مرتفعا قياسا ببعض الدول العربية، ودول العالم الثالث، ولكن عند مقارنة أسعار المواد الأساسية في الأراضي الفلسطينية المحتلة بمثيلها من المواد في البلدان العربية المجاورة نلاحظ ارتفاع الأسعار بنسبة تزيد عن 200% في بعض السلع مثل الغاز المنزلي الذي تبلغ ثمن الاسطوانة الواحدة منه 15 دولار تقريبا، أما اللحوم البلدية فتتراوح أسعارها بين 14-18 دولار للكيلو، فيما يبلغ سعر السمك في غزة كمعدل متوسط أكثر من 10 دولار، أما كيلو الخبز فيصل إلى دولار في حين ارتفع سعر الأرز إلى 2.5 دولار وكذلك الأمر بالنسبة للزيوت والمواد الغذائية الأساسية علاوة على كل أنواع الملابس والأدوات المنزلية والمدرسية التي ارتفعت بنسبة تزيد عن 100% بسبب استمرار الحصار من ناحية وجشع تجار السوق السوداء والانفاق من ناحية ثانية.
[9] المصدر: بعض قضايا الصراع الاجتماعي في الاردن – من منشورات الحزب الشيوعي الأردني – اصدار دار الاتحاد – حيفا – 1972 – ص65.
[10] جميل هلال – النظام السياسي الفلسطيني بعد أوسلو- مواطن للدراسات - رام الله – الطبعة الأولى- تموز 1998- ص169.
[11]  الكسي ليفكوفسكي – البرجوازية الصغيرة وخصائصها – دار التقدم – فرع طشقند – 1979.
[12] د.عادل غنيم-القوى الاجتماعية في فلسطين-ص30 (سنة الطبع، ودار النشر غير واضحة).
[13] تمار غوجانسكي-تطور الرأسمالية في فلسطين-ترجمة حنا ابراهيم-اصدار دائرة الثقافة في م.ت.ف-ط2-1987-ص188/191.