هل خمسة دراهم تغذيك أم لا؟؟؟

لطيفة الحياة
2016 / 6 / 8

في يوم بارد من أيام الشتاء ولجت محطة القطار بمدينة الرباط، اشتريت تذكرة العودة إلى مدينة الدار البيضاء. وأنا مسرعة لألحق موعد الرحلة متجهة نحو السكة، لمحت في طريقي شابا في الأربعينات من عمره، طويل القامة، أنيق اللباس، يقف حيث السلالم الكهربائية التي تنزل المسافرين إلى أسفل. كان يحمل عكازا في يده اليمنى بينما يلوح باليسرى غاضبا متجهما. وما أن اقتربت منه حتى فهمت سبب غضبه وانزعاجه، حينها وبدون تفكير مددت إليه يدي قائلة: تفضل أمسك بي وسننزل معا.
فعلا أمسك الشاب بيدي وبدأنا ننزل السلالم الأسمنتية ببطء شديد، متجاوزين مشكلة تعطل نظيرتها الكهربائية. وما أن نزلنا حتى جاء القطار فركبنا ثم جلسنا في مقعدين متجاورين. بدأ يشكرني على مساعدته وتفهمي لظرفه وحاجته، مما فسح المجال للتعارف عبر نقاش تخلله استياءه من بعض السلوكيات اللإنسانية للمغاربة وشركات الخدمات مستنكرا عدم اصلاح السلالم الكهربائية.
أطلق صاحبنا العنان لنقده مسهبا في الكلام بطريقة أبرز من خلالها أنه يعرف شخصيات مهمة في البلاد -الله يعمر لهم الدار- غير مقصرين في خدمتهم وتفانيهم. وبين الفينة والأخرى كان يذكرني بأنه تجول العالم بأسره وأنه خلص إلى أن المغرب أحــــــــسن بلد، قائلا: بلادنا زيـــــــنة الحمد لله، وكل الناس تحسدنا عليها. نظرت إليه نظرة متأملة فأضاف متسائلا: واش خمسة دراهم يا اختي تغذيك في المغرب أم لا؟
جاريته في مساره مختصرة الجواب بقولي: أجل، تغذيني. فرد علي منتشيا بجوابي عليه: شفت الخير والبركة، الحمد لله بلادنا أفضل من بلاد الغرب التي يقهرك فيها الغلاء الشديد. في المغرب يا اختي لا أحد يموت بالجوع، الخبز موجود في كل مكان حتى أنه مرمي جنب الجدار. والناس مستمتعة (مفجة مع راسها وناشطة) في مقابل أن اخوتنا التوانسة والليبيين والسوريين والعراقيين يتقاتلون فيما بينهم ويذبحون بعضهم بعضا.
انتظرته حتى أكمل سرد تجليات خير بلادنا ثم سألته: لقد قلت لي قبل قليل أنك أجريت العملية لقدمك في فرنسا، أليس كذلك؟ رد علي: بلى. تابعت كلامي متسائلة: لماذا إذا لم تجرها في المغرب أحسن بلد في العالم؟ أجابني بوثوقية تامة: أبدا.. أبدا. أبدا يا أخــــــتي. أعود بالله لن أخطأ هذا الخـــــطأ. واش الصــــحة في بــــلادنا هي الصحة في فرنـسا؟ هناك، في فرنسا عاملوني معاملة جيدة. لو ترين كيف تتعامل الممرضات مع المرضى؟ إنسانية عالية وتعامل راقي تقول عنهن ملائكة، يضحكن في وجهي ويرفعن معنوياتي ويهدأن من روعي بلطفهن. أما الطبيب فقد جاءني مبتسما، يحدثني عن المغرب بفرح ويشكر في جمال تضاريسه وتنوع طقسه وثقافته، فما شعرت بشيء إلا وأنا مستيقظ من العملية تحيط بي الممرضات ويهنئني على نجاحها. هؤلاء يا اختي هم المسلــــــــمين الحقيقين، للأسف لا تنقصهم سوى الشـــــــــــهادة. أنا متيقن أنهم إن شهدوا (أن لا اله إلا الله وأن محمدا رسول الله) سوف يدخلون الجنة مباشرة (ديريكت) وبدون حساب ههه، لأن عزرائيل ما عندو علاش يحاسبهم.
ضحكت قائلة: إذن، لماذا تكـــــذب على نفسك وعلي حينما تقول: بلادنا أحـــسن بلد في العالم؟ ماذا ستفيدنا الشـــهادة بدون تعامل جيد وصحة جيدة وتعليم جيد وبنية تحتية جيدة؟ كيف تكون بلادنا هي أحسن بلد في العالم ومؤسساتها الصحية ضعيفة الخدمات وسيئة التعامل مع المرضى؟ كيف تكون هي أحسن بلد ومؤسساتها التعليمية ضعيفة المردودية بشهادة تقارير التنمية البشرية؟ كيف تكون أحسن بلد وســــــــــــلالم محطات قطاراتها معطلة؟ كيف تكون أحسن بلد وغالبية ناسها فاقدين للحس الإنساني تجاه بعضم بعضا كما سبق وقلت؟
أجابني بلكنته المغربية قائلا: ايوى نقول حنا المغاربة، الله يهدينا حتى يدينا. المشكل يا اختي ليس في الإسلام، بل في المسلمين (كحل الراس). وبلادنا زينة. والحمد لله عندنا الخير الكثير، الطبيعة زوينة ومتنوعة والطقس زوين وملكــــنا (الله ينصروا) متواضع وجايب لنا الأمن والإستقرار. يحب شعبه وشعبه يحبه.
نظرت إليه كما أنظر إليك الآن أيها القارئ، فتساءلت: في نظرك خـــمسة دراهـــم، ماذا ستشتري لي من أجل الغـــذاء ؟