كارل ماركس في العراق الجزء الثالث عشر

فرات المحسن
2016 / 6 / 6





شعر ماركس بالضيق وفضل الحوار الداخلي دون الاستمرار في الحديث مع هذا الشاب الضجر المسكين، الذي من الجائز أن وضعه النفسي متوتر جدًا، ومشاكله لا حدود لها. فكر ماركس بأن من المناسب ألا يشغل نفسه بعيدًا عما هو فيه الآن، فمن الجائز أن يكون هؤلاء عصابة أخرى اختطفته من جماعة أبو بشير وهو الآن بضاعة متداولة بين أوباش لا أخلاق ولا ضمائر لديهم.
كان ماركس في وضع شعر معه وكأن حبالاً غليظة تحيط به وتطوّقه وتدفعه نحو هوة عميقة. فهاهو وبعد أن تخلص من وضع الاختطاف عند مجموعة أبو بشير، لم يجد في ذلك مخرجًا لحالة الحزن التي خيمت على قلبه وكيانه، وكانت في حقيقتها امتدادًا لسلسلة من أحداث ربما يستطيع وضعها في إطارها العام ومسبباتها، فقد سيطرت عليه منذ تلك الساعة، عندما كانوا يهمون الدخول إلى مدينة الناصرية وعند بوابتها الخارجية بالتحديد، حين أكتشف وضع رفيق جبار المخادع. كانت الصور والأفكار تترى في خاطره مثل ومضات عجولة. فليس هو الشخص الذي يستطيع بعد كل تلك الهزات التخلص من التوتر. ربما كان ذلك يحدث معه سابقا، أما الآن فذلك يبدو عصيًا عليه. لا يستطيع إسقاط المسببات على الآخرين أو رميها على القدر ليتم تصريف انفعالاته وتشنجه، وما محاولته الفاشلة للحديث مع هذا الجندي غير واحدة من تلك. فقد أراد تشتيت توتره وانفعالاته رغبة في تمضية الوقت وبعثرة مشاعر القلق والتوتر. يتذكر الآن وهو يحاول جسديًا التشبث بمقعده مع ارتجاجات السيارة المؤذية.
دائما ما كان يضع لنفسه خطة تقف في وجه طغيان الانفعالات لكي لا يلغي الواقع ومن ثم تنحسر لديه رؤية أفاق المستقبل. ما صادفه مع الرفيق جبار وصحبه وكذلك عند عصابة أبو بشير لم يكن غير مأزق في عقلانية الحياة، وما شاهده وتلمسه، كان عطلاً في ممكنات المنطق السوي وضربًا من الواقع المأزوم، حيث بدت الخيارات الإنسانية فيه خرافية وغبية حد اللعنة. حتى مع هذا العسكري المتطير المتشنج الجالس هنا ولكن روحه ذاهبة بعيدًا، فالواقع معه لا يمكن أن يكون عقلانيًا. ترى لماذا تجشم هذا العسكري عناء الدراسة وأجتهد وتخرج ثم رمي هو ومستقبله مثل تلك الرمية الغبية بعيدًا عن خياراته واختصاصه العلمي، ليس هناك تبرير عقلي لهذا الذي حصل، وفي بحثنا عن مسببات هذه الوقائع غير المنطقية سوف نصطدم بقيم وأعراف كثيرة ومؤذية، وأولى تلك الملامح هو التخلف الذهني السائد والمسبب لكل تلك الإخفاقات والنكوص المجتمعي، أيضا ثمة أيادٍ أخرى تلعب أدوارًا فاعلة في هذا المضمار منها قهر السلطة والعشيرة والعائلة والأعراف والتقاليد وغير ذلك، جميعها يقف كموانع أمام أي رغبة في التغيير أو وضع الأمور في نصابها الصحيح. ومن نتائج ذلك زعزعة القيم والأخلاق والسلوك العام لتنعدم معها الحلول الايجابية، فيلجأ المرء حتى للخيارات غير المرغوبة عنده أو حتى المفروضة عليه ليواصل التزامه بوجوده كبشر، وهذا ما فعله هذا الجندي البائس في خيار انتمائه للسلك العسكري. ولكن هذا المنحى وكحدث جماعي يدفع للتغرب والانسلاخ والخيبة والسير في طرق وعرة وتسيد اللاعقلانية، وتظهر سوءة هذا في دورة الإنتاج المجتمعية ليعدم نضجها وتكاملها، ومن ثم يفضي لطغيان طابع أنتاج محدد مقصيًا قطاعات الإنتاج الأخرى عندها لن نجد غير اقتصاديات زائفة لا تجلب الرخاء للبلد وأهله ولا تستطيع تقديم أصلاح أو رقي وهذا ما يحدث في العراق اليوم.
ــ ها قد وصلنا تهيأ للنزول.
قالها العسكري منبها ماركس الذي كان سارحًا في البعيد يحادث نفسه.
ــ ألا تفك قيودي؟
ــ ما أكدر.. واجبي يتحدد ببقائك بهذا الشكل حتى يتم تسليمك لمركز الشرطة.
ــ وأين مركز الشرطة هذا؟
ــ أحنه كدامه الآن... هسه يجي السيد الضابط وهو يأخذك.
لم يكن في حوض السيارة غير نور خافت يضيء المكان، ولكن فتحة شباك صغير أعلى الباب الخلفي كان يخترقها الضياء، عرف ماركس من خلالها انبلاج نور الصباح. نهض من مكانه ولكن العسكري صرخ به أن لا يتحرك لحين مجيء الضابط. مضت دقائق ثقيلة من زمن لم يعد هناك من يستطيع حسابه، فبوصلته أضاعها ماركس منذ لحظة دخوله مطار العاصمة العراقية بغداد، وما كان ليعنيه أن يكون هدفًا لتوقيتات فرضت أو لم تفرض عليه، فقد بات يتجنب فكرة مراقبة الوقت، فليس ثمة اجتماع مستعجل أو حاجة ملحة في هذا الزمن والمكان العجائبي وغير المنضبط. ما الذي يمكن أن يفعله بعد أن اقترفت بحقه كل تلك القسوة. بشفاه يابسة تبسم ثم زمها وهز رأسه.
كان حارسًا لبقرتين كانتا ترتجفان رعبًا حتى من نباح الكلاب، تأكد أنهما كانتا مسروقتين. حلم مرة بأنه أقتادهما نحو حقل واسع وعافهما ترعيان هناك، وجلس هو عند جذع شجرة يرقبهما ثم أخذته غفوة، فمضت البقرتان بعيدًا دون أن يلحظ ذلك، فكان عقابه على غفلته تلك حفلة تعذيب بالعصي الموجعة، رافقتها بهجة وفرح غامر من أبو بشير ومرتزقته الحقراء الموبوئين، وكأن ذلك يمنحهم انتعاشًا غريبًا بعد غنيمة دسمة، فأستيقظ فزعًا من حلمه. هذه اللحظة تذكر عصي أبو بشير فأقشعر بدنه وبعفوية صدر عنه صوت توجع.

ــ دفتحو الباب نعله على خيركم.
صرخ العسكري وهو يسحب رشفة قوية من سيجارته، فقد شعر بأن الوقت قد طال عليهم ولم يعد يحتمل الانتظار. أبواب حوض السيارة مغلقة ومفتاح أقفالها لدى الضابط وهنا تكمن المشكلة. ثم راح يتمتم بصوت خافت.
ــ حتمًا الضابط أبن المشعول تلكاه كاعد هسه داخل مركز الشرطة يكمل أوراق الاستلام والتسليم، بس كاعد برهاوته يشرب استكان جاي، ويمكن يتريك مع ضابط المركز وعلى كيفه ويه المعاملة، وأنعل أبو الموجود بالسيارة ويضربهم طحيل.. شنو والله ضابط بالجيش العراقي يعني ملك أبن ملك أبن المهلوس.
ــ ما الذي تقوله؟
ــ متعوفني أنته بقهري.. تره والله أكوم وأبيس بيك وأطلع كل حر البقلبي.
ــ ماذا؟
صمت العسكري وراح في حواره مع سجائره التي يجد فيها خير رفيق ينقذه مما هو فيه.
مضى أكثر من نصف ساعة حين شعر ماركس بحركة مصراع باب السيارة الخارجي أعقبه فتح الباب وبزوغ نور نهار يحمل نسائم صباح مشرق. فتساءل ماركس هل حقيقة أنه قد تحرر أم تراها مرحلة أخرى من المرارة والعذاب سوف يواجهها هنا مع جماعة أخرى أشد قسوة وعنف. نظر إلى مجموعة العسكر الذين تجمعوا أمام باب حوض السيارة وشعر بالتوجس والخوف وهو يراقب نظراتهم القاسية. وأحس بالإرباك وهو يسمع قهقهات يطلقها البعض من هؤلاء الواقفون أمام باب السيارة.
ــ لك هذا شنو الطويرني المهلوس؟
ــ خطية هذا شصاير بيه!!
ــ لا ياظلام.. شلاعبين بالرجال لعب.
ــ تعال خالي.. تعال أنزل.
رفع ماركس عجيزته بتثاقل فبدا وكأنه غير راغب بترك مكانه، فقد توجس شرًا من هؤلاء ووجد في طريقة استقبالهم له ما يوحي بكونهم من ذات طينة مجموعة أبو بشير وتوقع مستقبلاً زاخرًا بحفلات تعذيب لا نهاية لها.
ــ تعال خالي لتخاف، تعال.
تقدم ماركس إلى الأمام فتلقفته يد ساعدته على الهبوط من حوض السيارة وبعد وقوفه بين مجموعة العسكر التي أحاطته راح يتفحص وجوههم وفي داخله قرار بأن لن يستسلم بسهولة هذه المرة وعليه أن يرد لهم الصاع صاعين إن فكروا بإيذائه. تقدم أحدهم وأخذ بفك الحبل الذي كان يحيط بمعصمي ماركس. ثم سمعهم يتبادلون جمل التحايا والتوديع بعد أن أخذه أحدهم وأدخله بناية مركز الشرطة.