إللي بنى أشهر مساجد مصر كان في الأصل ( طلياني )

محيي الدين ابراهيم
2016 / 6 / 5

بقلم محيي الدين إبراهيم
بعد ثورة 1919 استدعت فريال هانم أبنها الملك فؤاد لقصر خوشيار هانم بالعباسية ( مبنى شئون الطلاب بجامعة عين شمس حالياً ) للحديث معه في أمر غاية في الخطورة على مستقبله كملك، فما هو ذلك الأمر؟.
لم تكن في مصر " طبقة متوسطة " قبل 1919، كانت مصر عبارة عن طبقتين فقط، طبقة الحكام الغنية وطبقة الشعب المعدم، وكانت ترى فريال هانم أن عدم وجود طبقة متوسطة في مصر هي السبب الرئيس في ضياع اسماعيل باشا والد الملك فؤاد وعباس حلمي وحسين كامل، فقد كان اسماعيل باشا إبن إبراهيم باشا من أنجب أبناء محمد علي، وبرغم انجازاته العظمى لتحويل مصر لدولة كبرى إلا أنه أخطأ بعدم خلق طبقة متوسطة في الشعب المصري تحميه من غدر الإنجليز والأتراك وأعتمد في حكمه فقط على طبقة الأجانب والباشوات فغدر به الجميع، كانت نصيحة فريال هانم لإبنها هي ضرورة خلق طبقة متوسطة يستطيع من خلالها حماية ملكه من تكرار سيناريو أسلافه، وهنا قرر الملك فؤاد فوراً العمل بالنصيحة، فأسس البنوك الوطنية وشركة مصر للطيران وغزل المحلة ومصر للسياحة وتعلية خزان اسوان وتطوير مصانع السكر والسكة الحديد والمدارس العليا والمتخصصة والفنية وإلحاق ابناء المصريين للجيش المصري، وكثير من المنافذ الكفيلة بخلق الطبقة المتوسطة، ولعل من أبرز ما شرع في تنفيذه الملك فؤاد استكمال مدفن العائلة بجامع الرفاعي، فاستدعى المهندس الإيطالى "إرنست فيروجى باى" الذى كان يعمل مشرفا على القصور الملكية والذي بدوره عهد العمل في مسجد الرفاعي للمهندس الإيطالي الشاب "ماريو روسي" الذي جاء إلى مصر فى مستهل شبابه ضمن مجموعة من المهندسين الأوروبيين الذين استقدمهم الملك فؤاد عام 1921، والمدهش أن " روسي " قبل أن يشرف على مسجد الرفاعي كان يعمل ( نقاشاً ) ببكالوريوس الفنون الجميلة في قصور الأسرة الحاكمة تحت اشراف ( بلدياته ) المهندس "إرنست فيروجى باى" ولكن بمسابقة أجرتها وزارة الأشغال المصرية للمهندسين في مصر تفوق " ماريو روسي " على الجميع ونال شرف أن يكون مهندساً بوزارة الأشغال حيث رشحه "إرنست فيروجى باى" للإشراف على انهاء مسجد الرفاعي.
عشق " ماريو روسي " الفن الإسلامي، قرر بعشقه ودراسته أن يضع نظريات جديدة في بناء المساجد بعيداً عن الطرز الغربية ليكون لمصر طرازها المعماري الخاص بها في بناء المساجد، فجاءت عمارته منسجمة مع النسيج الثقافى المصرى الإسلامى، ونجح فى تمرير أفكار فرعونية، وشرق أسيوية إلى عين المشاهد، ففتح الباب لكى يتمكن العقل المصرى من الانفتاح على ثقافة الآخر دون نفور أو تعصب، وحين اصبح القائم على اعمال القصور والمساجد قام بتصميم مسجد "المرسى أبى العباس" فى الاسكندرية على نحو يعد مفاجأة فى تاريخ العمارة الاسلامية، وكان هذا المسجد أول مسجد يقوم "روسى" باستيراد اعمدته من ايطاليا، وما أن انتهى "روسى" 1946 من بناء مسجد "المرسى ابو العباس" حتى شرع 1948م فى تشييد مسجد "القائد ابراهيم"، الذي ابتكر مئذنته حينما واجهته مشكلة وجود هذا المسجد وسط مبانٍ عالية ، ووجد أنه من الممكن أن يختفي المسجد عن العيون ولو قليلاً ،فجعل من منتصف جدار القبلة مئذنة تطفو نحيلة أنيقة لتمضي نحو السماء حيث تشرف وتعلو مئذنتها علي المباني المجاورة ، وبعد انتهائه من بناء مسجد القائد إبراهيم استطاع أن يفتح باباً واسعاً في مجال تجديد وبناء المساجد وتجلي ذلك واضحاً عندما قام علي إنشاء مسجد السيد محمد كريم ثالث المساجد التي بناها في ثغر الإسكندرية حيث استخدم فيه عند بنائه مهارته في الاستفادة من المساحة المتاحة له أما مئذنة المسجد فهي ابتكار جديد في شكلها ، حيث أنشأ جوسقاً مغطي أشبه بالخميلة فوق شرفة الأذان مقتبساً هيئته من العمارة الهندية ، وكان هذا الحل ابتكاراً فريداً بأن يجعل هذه المئذنة علماً من أعلام عمارة المآذن في مصر وقد استعان مهندسي الحرم المكي في مكة المكرمة باستعارة هذا النموذج في تصميم مآذن الحرم الذي هو عليه الآن.
استمر " ماريو روسي " في ابداع أشهر مساجد مصر وأروع مبانيها فقام بتصميم وبناء مسجد عمر مكرم بالقاهرة، مسجد الزمالك بالقرب من كوبرى الزمالك، مسجد أحمد يحي باشا بزيزنيا بالإسكندرية، فيلا عاصم بالزمالك، المركز الإسلامى في واشنطون، فيلا عطا عفيفي بالجيزة، فيلا بهي الدين بركات باشا بالجيزة، عمارة الجبلايه (جانج) ( 1920) بشارع حسن صبري بالزمالك، عمارة جاستون وايزر بشارع سوق التوفيقيه، فيلا جورج ويصا (1920) بحى جاردن سيتى.
اعتنق " ماريو روسي" الإسلام عام 1946م وأشهره في مسجد المرسي أبى العباس الذي بناه ، وتوفى عام 1961م بمكة المكرمة التي عاش بها في أواخر أيامه بينما لا تزال ذريته تعيش في مصر حتى يومنا هذا.