الأصل السكاني الموحد للعراقيين التعبير الجذري عن وحدتهم السياسية الممكنة

كامل الدلفي
2016 / 6 / 4

أثبتت مناهج التاريخ العلمي المعاصر بشكل لا يقبل الشك ، أصالة العراقيين المعاصرين وارتباطهم بماضيهم الحضاري العريق الذي ابتدأ في الألف السادس قبل الميلاد، وان سكان الجنوب، والوسط، والشمال ( نينوى و حدياب والجزيرة الفراتية)، جميعاً هم أحفاد أولئك الذين أنتجوا حضارة حسونة و حلف قبل 10 آلاف سنة ق .م، وامتدوا جنوبا إلى جرمو وسامراء، وشهدت لهم آثار حضارية مهمة في (تل الصوان) بسامراء في حوالي 6000ق.م، وتزامن ذلك مع حضارة العبيد في الجنوب، والتي أنتج سكانها (الفراتيون الأوائل) جميع مرتكزات الحضارة في عشر مدن قبل الطوفان، كان أهمها أريدو، وقد زامنهم أيضا صيادو نقائع دجلة و الحوا ف اليابسة للأهوار الذين بنوا فيما بعد دولتهم في الجزء المسمى بالقطر البحري الممتد شمالا إلى سفوح حمرين، وجنوبا إلى دلمون ( البحرين)، و قطرايا ( قطر) . وقد بنى العراقيون الشكل الأول للدولة في أور حوالي الألف الثالث ق.م في إقليم سومر، و أخذ السومريون القادمون من حضارة سامراء من مواطني أريدو (الفراتيين الأوائل) ممكنات التحول الحضاري وأسسه، فأحدثوا ثورتهم العظمى : في الكتابة والدين والمدينة والدولة والقضاء والعدل والصناعة،وامتدوا من أور إلى الجهات الأربعة، فامتد العراق الحضاري ليوائم العراق الطبيعي، عبر أطوار الحضارة طيلة 30 قرنا من الزمان، فأسس السومريون المدن على طول النهرين وسكنوها وأشادوا فيها العمران والتنوير، فضلا عن مدن الجنوب واقليم سومر، شيدوا عانه وهيت و الانبار ونينوى و اورفا وحران وكركميش وكركوك واشنونا في ديالى والدير وبدرايا وميشان وكراخكس وسوسه ، وكثير غيرهن، واستمر بهذا النهج من بعدهم الأكاديون والبابليون والآشوريون. هذه خريطة بلاد الرافدين الطبيعية التي شيد عليها الإنسان العراقي صروح الحضارة الأولى التي امتدت لأكثر من ثلاثين قرنا لتكون الأساس المادي والروحي لثقافة الإنسان العالمي. فلا عجب أن يتعرض بلاد الرافدين إلى عوامل الغزو وهو بلد الوفرة والعطاء ويتعرض إنسانه إلى التشويه والتهميش والعزل و إلى اقتراف جرائم الإبادة ضده ، فداعش ما هي إلا آخر أساليب الإرهاب التي أنتجتها عقيرة الغزاة ضد سكان بلاد الرافدين.

إن التفكير بالنهضة السومرية الجديدة قدر لا فكاك منه للتحرر الرافديني وتحقيق سيادة الإنسان الأصلي على أرضه .
أرض السواد هي أرضنا التي أدهشت بخيراتها الغزاة المتعطشين من سكان الصحراء وعيلام والجبال،الذين شرعوا منذ القدم لمخططات التغلغل والسيطرة والاستيطان الفوقي و إشاعة الدمار والتخريب في مدن العراق العامرة في الإلف الثالث ق.م .
فشرعوا لحرمان أهل الأرض من خيراتها، وظل هذا المفهوم قانوناً ساري المفعول إلى اليوم و يستمر إلى غدٍ، إذا لم تنهض حركة وطنية تبطل مفعوله وتوقف العمل بموجبه.
لقد طور الغزاة من خلال التربص الطويل بالبلاد، والتعرف على الخصائص الدقيقة للسكان، أساليب حاذقة في السيطرة عليهم وتسيير برامج تفتيت مسبقة كالتحالف مع هذا الطرف ضد ذاك ، مع البابليين ضد الأشوريين أو بالعكس ، كنموذج سالف ضارب في القدم للطائفية في العراق.
اخذ ت صيرورته إشكالا تاريخية مختلفة، كان أخطرها الفصل النوعي لهوية السكان، عن الحضارة الرافدينية ، ومنحهم هويات منفصلة عن بعض حتى يصعب على السكان تحقيق الوحدة ، ويتعمق التباعد بينهم وتتسع دائرة الخلاف والحروب، فاخترعوا لهم فكرة الهجرة من الجزيرة واليمن وألحقوها بقبائل سميت بالقبائل العربية الأصيلة، ووزعوا تلك الترنيمة على السكان في مساحات آشور والقسم الغربي من أكد ، وقسم من وادي دجلة الأوسط وفي أشنونا، أما سومر و الأهوار وبابل، مصادر الحضارة الأصلية فقد شككوا بهم وسيّروا المزيد من حملات التنكيل بحقهم، انتقاما من عملية إنتاج الحضارة ، على قاعدة ( الموهوب والثري محسودان)، ولضمان التباعد النهائي بين الجنوب والشمال الرافديني. الغريب إن الفكر السياسي العربي قد تبنى هذه الأطروحات ويغذ المسير في تعميقها ما استطاع. والأغرب ، انه تمكن من أن يعبأ هذه الشوفينية الاستعلائية ضد سكان الجنوب والوسط في دهاليز الفكر السياسي العراقي، وفي المنهج الأكاديمي والتدريسي، فلا مندوحة لنا من الدعوة بجرأة لإصلاح هذين المستويين المهمين في العقل العراقي.