في الحياة ..من الحياة ..الى الحياة!

حمزة رستناوي
2016 / 5 / 31



أوّلا- هل ثمّة منطق للحياة أو قانون للكون ؟ عندما نزرع بذرة القمح في الارض لماذا لا تنتش نبات الفاصولياء ؟! عندما نذبح البقرة لن نتوقّع عودتها الى الحياة بعد ثبوتِ موتها ؟! عندما نترك تفاحة معلّقة في الهواء لماذا لا تطير بجناحين! هذه أمثلة بسيطة لإقناع بعض البشر- من العدميّين و الخوارقيّين - بوجود منطق للحياة و قانون للكون, و لا نقصد الحياة بدلالتها البيولوجية فقط أو الكون بدلالته الفلكية خاصّة. في الحقيقة إنّ مشروعيّة وجود منطق و قانون هي نفسها مشروعيّة وجود العلم الذي هو بحث لاكتشاف منطق و قانون ناظم في شرطهِ العامّ و الخاصّ, مع التذكير بكون المنطق هو مناطق , و القانون هو قوانين.
‏ثانيا- هل ثمّة حياة خارج الحياة؟ هل ثمّة كون خارج الكون؟ إذا كان ما نعرفه عن الحياة هو حياة و في الحياة , و ما نعرفهُ عن الكون هو كون و في الكون, ما نتصوّر وجوده قبل أو بعد الحياة هو مُستلهَمٌ من خبرتنا في هذه الحياة, و هو بدوره حياة و لكن بطريقة أخرى! وما نتصوّر وجوده خارج الكون هو كون بطريقة أو بأخرى مشروط بالزمان و المكان , صحيح أنّ ما نعرفه وما نتصوّره عن حياة أو كون هو ليس بالضرورة واقعا, ولكنّه يحدّد المعرفة و التصوّر. إنّ قوانين المنطق والطبيعة- وفقا لهيجل - شيء واحد, حيث أنّ مبادئ العلم و قوانينه ضرورية لأنها هي نفسها قوانين الفكر. قوانين العلم بأل التعريف هي السمات القانونية المشتركة ما بين العلوم كمبدأ السببية.. و مبدأ القابلية للتحقق أو القابلية للتكذيب مثلا.. فهي بهذا المعنى قوانين للفكر و التفكير العلمي , و هي ليستْ نفسها قوانين علم معيّن من العلوم. بهذا المعنى يمكن الحديث عن شكل أو صيغ قانونية للفكر و التفكير تساعد على تمييز الصحيح منها و المقبول تجريبيا.. وهذا هو عين المنطق, الذي يبحث " عن القواعد العامة للتفكير الصحيح "
ثالثا- أتى صديقي" اللاهوتيّ" معترضا قائلا : و لكنّ ماذا عن العقائد و الدين؟! ج- في الاجابة .. إنّ العقيدة - أيّ عقيدة - هي أحد أبعاد الحياة أو الكينونة الاجتماعية , و العقائد تعبّر عن نفسها بتصوّرات و نصوص و طقوس و سلوك... في الحياة و ليس خارج الحياة , و العقائد التي تؤمن بحياة أخرى هي تظهر و تستمر و تتنوع و تختفي في الحياة ..و أقلُّه تخضع لفعل الزمن, وهي تعتمد كلّية على الانسان الذي يولد و يعيش و يؤمن و يكفر و يموت في الحياة ليس خارجها ! و إنّ تصوراتنا عن الله والألوهيّة مستمّدة و بشكل كليّ من واقع الحياة و شكل خبراتنا الحياتية, فقد ورد في القرآن الكريم ( يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) الفتح الآية 10, ( وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ ) الرحمن الآية 27 , ( الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى) طه الآية 5, و ورد في العهد القديم (كان الرب يسير أمامهم نهارا في عمود سحاب ليهديهم في الطريق) سفر الخروج الإصحاح 13 : 20-20, و كثيرا ما يستخدم الناطقين بالعربية تعابير من قبيل عين الله ترعاكم, رحمة الله, غضب الله حلّ عليكم ..الخ, و قد جاء وصف الحياة الأخرة في كتب العقائد التي تؤمن بها مستمدّا من خبرات الحياة و ربطا بطبيعة المجتمع و التاريخ , ففي رواية منسوبة الى النبي محمد يبين فيها عرض باب الجنة , في حديث الشفاعة مرويا عن ابي هريرة ( والذي نفس محمد بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة لكما بين مكة وهجر أو كما بين مكة وبصرى) صحيح مسلم ح 194 , و من ألقاب خالد بن الوليد " سيف الله المسلول" و لم يقل مثلا رشاش الله أو صاروخ الله ! لكونها أسلحة لم تكن مكتشفة في عصرهم و بعيدة واقع حياتهم.
رابعا- أتى صديقي " العاقل " معترضا قائلا: الانسان هو حيوان عاقل – وفقا لأرسطو- والعقل من صفة الانسان , وهو الفارق الوحيد الذي يميز الانسان عن بقية الحيوانات, فالمنطق هو فهم الانسان للمنطق, و القانون هو فهم الانسان للقانون, وليس ثمّة منطق أو قانون خارج المعرفة البشرية, ما هو عقل السمكة أو عقل حبّة الفاصولياء أو عقل السيارة يا هذا؟! ج- في الاجابة ليستْ كل المعارف والخبرات تعتمد على البشر أو مرتبطة لزوما بالعقل البشري , فمثلا الأرض تدور حول الشمس بقانون من قبل أن يوجد الجنس البشري .. وكذلك إنّ وجود قانون معيّن للذّرة و كذلك وجود قانون معيّن للخلية هو ما جعل ظهور الكائنات الحيّة و من ثمّ الجنس البشري ممكنا و مُتاحا. ثمّ إنّ أي عقل هو عقل جزئي و نسبي , و العقل ليس صفة خاصّة بالإنسان ..فلكلّ كائن عقله.. نعم يوجد عقل للسمكة يتيح لها الحياة و العيش بطريقة و ظروف معينة تناسبها و ما يصلح في عقل السمكة قد لا يصلح في عقل الانسان ! العقل هنا يأتي بمعنى الصيغة القانونية الناظمة لوجود وحياة الكائن....نعم يوجد عقل للسيارة فلكي تمشي هي تحتاج للبترول و عقلها يتيح لها امكانية السير بسرعة كذا في ظروف كذا و اذا اشتغل الضوء الفلاني فهذا يعني كذا , و اذا صدر الصوت الفلاني منها فكذا يعني كذا.. الخ.
خامسا- أتي صديقي "عالم اللسانيات" معترضا قائلا: الانسان حيوان ناطق , فاللغة هي خاصّية انسانية حصرا, و بدونها لا يوجد علم ...اللغة ليستْ مجرد اناء للفكر كما تظنُّ يا هذا! بل هي التفكير ذاته, و بدونها ليس ثمّة تفكير أو عقل ؟! ج- في الاجابة إذا لم تكن كل الحوادث والمعارف تعتمد على البشر أو مرتبطة لزوما بالعقل البشري, فمن باب أولى أنّها ليستْ بخبرات لغوية ..فاللغة البشرية مثلا معرفة تعتمد على البشر ..و لكن ليس كلّ معرفة كذلك, فدوران الارض حول الشمس -على سبيل المثال لا الحصر- لا يتوقّف على المعرفة البشرية , و هو حادث بغض النظر عن علم الانسان أو جهله به , و هو حادث قبل ظهور الانسان و قد يستمرّ بعدهُ. إنّ التواصل والتخاطب و التعلم ليس حصرا بالبشر .. فالآلات تتعلم , وكل حقول الذكاء الاصطناعي تعمل في هذا المجال , الكائنات كلها تستخدم لغات للتواصل مع نفسها ومحيطها ,بدأ من اللغات الفيزيائية إلى الكيميائية إلى العضوية إلى المنطقية ..الخ هنا قال لي صديقي يا هذا أتنكر اللغة البشرية و اختصاص الانسان بها دون الكائنات! ألستَ الذي يكلّمني بلسان عربيّ مبين! تفضّل كلّم الشجرة؟! في الاجابة نقول: للإنسان لغة انسانية ذات خصوصية و تناسب الانسان ,و للقرود لغة قرديّة ذات خصوصية و تناسب القردة .. و للكومبيوترات كذلك لغة كمبيوترية.. الخ دون أن يعني ذلك وجود فرق جوهريّة ما بين لغة و لغة, و بين كائن و كائن. صحيح أن التعبير عن قوانين الكينونة الاجتماعية البشرية يكون عبر/ و في شكل لغوي ( رمزي ) و لكن لنتساءل كيف يعبّر الطفل الرضيع عن جوعهِ و اضطراب قانون توازن السوائل في جسمهِ؟ هل يعبّر عن ذلك باللغة التي لم يكتسبها بعد! أم أنّه يعبّر بالبكاء , بجفاف اللسان أو حتّى بتسارع النبض أو ربّما الموتْ ؟! إنّ اللغة كفعالية تواصلية مشمولة السيميائية التي موضوعها دراسة الاشارات اللغوية و غير اللغوية, و كذلك إنّ اللغة كفعالية رمزية مشمولة بالبعد العلمي الثقافي للكينونة الاجتماعية البشرية , و لكنها على سبيل المثال ليست بعدا في كينونة الجمادات.. على النقيض مثلا من ابعاد الزمان و المكان فهي مشتركة ما بين كينونة الجمادات والكينونة الاجتماعية البشرية , والكينونة الاجتماعية للسلحفاة ! سادسا- بعد ذلك جاء صديقي رائق النقري- مؤسس مدرسة دمشق للمنطق الحيوي- مُعقّبا " الحيوية مفهوم يرمي إلى رؤية الكون بمختلف تشكيلاته رؤية كلية , شاملة , موحدة , على أساس صفات كونية عامة , شاملة , هي الحركية , و التجديدية , و الإبداعية , و هذه الرؤية تعني وحدة الكائنات , وفق هذه الصفات .. فأول صفة مشتركة للكائنات هو أنها ليست جوهرية , و المفهوم الحيوي يقوم على دحض و رفض كل المفاهيم الجوهرانية , سواء المادية أم الروحية التي تؤدي بالنتيجة إلى الثنائية , و لذلك فإن المفهوم الحيوي , يؤكد وحدة الكون من خلال ضرب مفهوم الجوهر الثابت , الدائم , و يمكن إيجاد جذور للمفهوم الحيوي , في كل الإرهاصات الفكرية التي أرادت إثبات وحدانية الكون , سواء في ذلك مفاهيم كالمادة أم الروح أم الوجود أم الذات أم المطلق أم المادة أم النار أم الإله أم الطوطم أم الجنس ..الخ , فكل هذه المفاهيم و غيرها تتضمن نزوعا ً لإثبات الوحدانية إلا أنها جميعا ً تسقط في شرك الثنائيات , لأنها تأكيد على منطق أحادي جوهري ثابت [ كتاب المنطق الحيوي :عقل العقل -ص 57]