البعد التاريخي للصراع الطائفي بين السُنَّة والشيعة 5/5

غازي الصوراني
2016 / 5 / 30

استنتاجات في ضوء الصراع بين السنة والشيعة :
ماذا يمكن أن نستنتج من هذا العرض المطول؟ إن الأمر لا يحتاج إلى كبير اجتهاد: فما يجري اليوم في بلدان الوطن العربي عموماً، وفي العراق وسوريا واليمن خصوصاً، لا يدع مجالاً للشك في ان الطائفية في الإسلام ليست حدثاً طارئاً ولا مصطنعاً بعامل خارجي: فهي قديمة قدم الإسلام نفسه، دون أن نتجاوز الدور الاستعماري في إحياء وتشجيع الصراعات الطائفية، وصياغة بعض الأنظمة العربية وفق المحاصصة الطائفية كما هو الحال في لبنان والعراق وسوريا .. إلخ .
وحتى لا يبدو وكأننا نُحَمِّل المسؤولية للدين بما هو كذلك، فلنقل إنها ثابتة من ثوابت الإسلام التاريخي، بل هي الثابتة الأكثر استمرارية فيه ، وإن خمدت جذورها أو اتقدت تبعاً لتقلب موازين القوى الممسكة بمقاليد السلطة والدولة.
والسؤال، كيف السبيل إلى تسوية العلاقات المتوترة دوماً ، وإن الكامنة في ظاهرها تحت الرماد ، بين طوائف الإسلام؟ هل يمكن تسوية وإطفاء وتجاوز الصراعات الطائفية من خلال الديمقراطية؟ أم لا بد من الجمع بين الديمقراطية والعلمانية كشرط رئيسي لذلك التجاوز خاصة وأن عماد الديمقراطية الأول هو صندوق الاقتراع. ولكن في وضعية طائفية لن يصوت الناخبون إلا لممثليهم الطائفيين، ما يعني إعادة إنتاج وتكريس الطائفية، الأمر الذي يؤكد على ضرورة الجمع بين الديمقراطية والعلمانية، والسؤال الأهم هنا، هل بالإمكان تطبيق الديمقراطية والعلمانية في مجتمع تابع ومتخلف؟ الجواب، نعم بشرط استنهاض الأحزاب والقوى الديمقراطية التقدمية العربية، من خلال رؤى وبرامج تغييريه (سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية) تلبي احتياجات التطور المجتمعي في كل بلد عربي في إطار الصراع السياسي الديمقراطي والطبقي ضد أنظمة التخلف وشرائحها الطبقية الحاكمة، وهنا يتجلى مفهوم الثورة الوطنية الديمقراطية كمدخل رئيسي لعملية التغيير الاقتصادي (الصناعي خصوصاً) والاجتماعي والثقافي، وصولاً إلى ضمان التطبيق التدرجي لمفاهيم وآليات الديمقراطية والعلمانية معاً جنباً إلى جنب مع مفهوم العدالة الاجتماعية، بما يضمن تقدم وتطور التجربة الديمقراطية العلمانية وتعميقها في أذهان الجماهير الشعبية وممارسة حقهم الانتخابي بعيداً عن تأثير التعصب الطائفي ، بما يؤدي إلى تمكين المجتمع من القبول بشرعية التعدد والاختلاف وتكريس حرية الرأي والمعتقد على قاعدة الاحترام المتبادل بين جميع الطوائف والمتدينين وغير المتدينين والاعتراف المتبادل من موقع المساواة بحق الاختلاف بعيداً عن رفض الآخر.
وبهذا المعنى الحواري، فإن عملية تطبيق الديمقراطية والعلمانية لن تكون مطالبة فقط بتوفير الحماية للتعددية الدينية والطوائفية في المجال العام، بل ستكون مطالبة أيضاً بإنجاز عملية إعادة تربية في المجال الخاص، كيما يغدو طلب ضمان الدولة لهذه التعددية صادراً عن المجتمع نفسه.
"والحال أن التربية العلمانية ، لابد أن تبدأ في احزاب وفصائل اليسار وكافة القوى الديمقراطية والقوى الدينية المستنيرة العقلانية المؤمنة بفصل الدين عن الدولة بصورة عاجلة حاسمة، إلى جانب مواصلة النضال الديمقراطي السياسي من اجل التوعية بمفاهيم العلمانية والديمقراطية والمواطنة، على طريق تكريس التربية الديمقراطية العلمانية في مجتمعاتنا – بصورة تدرجيه- ضمن عملية تحديث شاملة، من المدرسة الابتدائية –الخلية الأولى للمجتمع الحديث- وترجمتها، أو بموازاة هذه الترجمة، إلى مادة أساسية في دستور الدولة، مع كل ما يترتب على ذلك من تعديل لمواد القانون المتعارضة والمبدأ العلماني، بل أكثر من ذلك بعد : "إن العلمانية لن يكتب لها النجاح في العالم العربي – وفي العالم الإسلامي بشكل أعم – ما لم تقترن بثورة في العقليات". ففي صندوق الرأس، وليس فقط في صندوق الاقتراع، يمكن أن نشق الطريق إلى الحداثة بركيزتيها الأخريين: الديمقراطية والعقلانية" .
ونحن نعلم، -كما يؤكد جورج طرابيشي- بعد كل التجارب الخائبة للإيديولوجيات الداعية إلى حرق المراحل، أن هذا مسار مستقبلي سيستغرق عشرات السنين في حال النجاح ، وربما مئاتها في حال الفشل، ولكنه مسار لا مناص منه، وقد بات يفرض نفسه بمزيد من الإلحاح في زمن الارتداد العربي والإسلامي هذا إلى قرون وسطى جديدة"، تعيد انتاج التخلف والصراع الطائفي الدموي ، كما هو حالنا في اللحظة الراهنة، في العراق وسوريا واليمن، إلى جانب عمليات الإرهاب الوحشية في مصر وليبيا وتونس والجزائر.
ولذلك فإن تفسيرنا لهذه الممارسات وأسبابها، لا يعود بصورة مباشرة على الإمبريالية فحسب، بقدر ما يعود أيضاً -وبشكل رئيسي- إلى عوامل داخلية ترتبط بطبيعة التطور الاجتماعي المشوه تاريخياً وراهناً من جهة، إلى جانب دور "الطبقات" الحاكمة في النظام العربي، التي تعمل على تكريس مظاهر التخلف حفاظاً على مصالحها، وذلك عبر نشر التدين السلفي الشكلي وتعليمه في مدارس وجامعات الدول العربية من جهة ثانية، حيث نلاحظ انه ليس هناك من دولة عربية واحدة لا تجعل من التعليم الديني تعليماً إلزامياً في جميع المدارس العامة وفي جميع المراحل التعليمية بلا استثناء، إلى جانب فرض الزي المدرسي المتخلف (الجلباب والحجاب) على الطالبات في المدارس الجامعات، مع كل ما يترتب على ذلك من اجحاف تمييز أو إذلال بحق المرأة، والأنكى من ذلك إن الدول العربية، توكل التعليم لا إلى مدرسين "متعلمنين" أو ديمقراطيين متخرجين من كليات الفلسفة والعلوم الإنسانية والاجتماعية، بل إلى خريجي المعاهد الدينية وكليات الشريعة والجامعات الدينية ذات المنزع الرجعي أو التقليدي الخالص التي ترفع لواء المحافظة والسلفية، وتتنكر حتى لحركات الإصلاح والتنوير الديني.
وفي هذا الجانب، نلاحظ أن المناهج الدينية ، "تتخطى مجال التعليم الديني الصرف لتحتل مكانة الصدارة حتى في الكتب المدرسية "الدنيوية" مثل كتب القراءة واللغة والأدب والتاريخ والتربية الوطنية، وعلى هذا النحو يمكن القول إن المدرسة العربية هي الخلية الأولى اليوم، في الدول العربية، لإنتاج وإعادة إنتاج الأصولية الدينية، وإن بتفاوت ملحوظ تبعاً للدول ولدرجة "تعلمنها" .
على أي حال ، إن حرية العقل – التي هي المدماك الأول في بناء الحداثة – لا تزال في جميع البلدان العربية محدودة السقف بعدم الجهر بعدم الإيمان، ومع أن كثرة من الدساتير العربية تنص على حرية الرأي، فإن القوانين السارية المفعول لا تزال تعتبر جريمة الرأي واحدة من أفدح الجرائم.
لكن المفارقة، أو الإشكالية الكبرى تتجلى في مطالبنا – كأحزاب وفصائل يسارية - تطبيق الديمقراطية والعلمانية في دولنا ومجتمعاتنا، بدون أن نجسد هذين المفهومين على صعيد الوعي الذاتي بهما، أو على صعيد الممارسة داخل تنظيماتنا وأسرنا ومجتمعاتنا، ولا نبالغ في القول، ما من حزب أو فصيل يساري عربي هو علماني وديموقراطي بصورة صريحة وواضحة نظرياً أو بالممارسة، بل إن عدوى التخلف الديني الشكلي أو المظهري الانتهازي انتقلت إلى صفوف العديد من كوادر وقيادات هذه الأحزاب، الأمر الذي عزز من تراجعها وفقدان دورها الطليعي لأسباب عديدة بالطبع، من بينها الارتداد الفكري باتجاه اليمين الديني وممارسة طقوسه بما يتناقض جوهرياً مع عنوان أو اسم الحزب أو الفصيل وهويته الفكرية!!
لكن، على الرغم من كل ما تقدم، فإن العلمانية -ولو في مستقبل غير منظور بعد– باتت ضرورة مصيرية في بلادنا العربية، إذ أننا -كعرب- في عالم أقلعت جميع قاراته صوب الديمقراطية والعلمانية، بقينا نراوح في أوضاع الجمود والتخلف ، فما لم يتقدم فإنه مهدد بالانكفاء نحو قرون وسطى جديدة، وتلك بالطبع مهمة قوى التغيير الديمقراطية اليسارية، شرط أن تطرد من داخلها كافة مظاهر التخلف الفكري، لكي تبدأ باستنهاض ذاتها، وانتاج ثقافتها من خلال الممارسة، في مواجهة عملية إعادة التديين الشكلية المستشريه اليوم في مجتمعاتنا العربية، التي تتخذ شكل اغراق المكتبات بملايين النسخ الرخيصة الثمن أو حتى المجانية من الكتب "التراثية" ذات المنزع السلفي والحنبلي المتشدد، إلى جانب توظيف المساجد –بصورة غير مسبوقة- في خدمة الصراعات المذهبية والطائفية والسياسية والطبقية، بمنطق وأساليب رجعيه صريحة ومكشوفة في عدائها للقوى الوطنية الديمقراطية عموماً وللقوى اليسارية خصوصاً.
أخيراً عشرات الفضائيات "الدينية" التي تخاطب الملايين، بمن فيهم الأميين الذين يتجاوز تعدادهم في العالم العربي المئة مليون نسمة، إلى جانب الفضائيات السياسية، الجزيرة والعربية وغيرها، وتأثيرها الهائل من خلال استراتيجية ذكيه تقوم على احتضان التعددية السياسية الشكلية التي تضع السم في الدسم، ونبث سمومها في أذهان وعواطف الجماهير العربية البسيطة والمضطهدة من استبداد انظمتها، فتجد في تلك الفضائيات متنفساً لها.
لقد كانت الحاضنة المادية لإعادة التديين هذه، هي الدولارات النفطية التي وظفت مليارات في خدمة استراتيجية الانقضاض على عصر النهضة وموروثه الثقافي، وتحويل قيادة الفكر العربي المعار من الأفغاني والكواكبي ومحمد عبده وقاسم أمين وسلامة موسى وفرح أنطون وطه حسين وأحمد لطفي السيد وسائر النهضويين إلى ابن تيمية وتلامذته من النيو-وهابيين، وإلى سائر مجددي السلفية المتزمتة في القرن العشرين بدءاً بسيد قطب وانتهاء بيوسف القرضاوي"، وعشرات ما يسمى بـ"الفقهاء والعلماء" السلفيين المتزمتين من السُّنة والشيعه، يبثون أفكارهم ومنشوراتهم وكتبهم التي تحمل سموم التعصب الطائفي في أوساط الجماهير العفوية البسيطة ، التي لا تدرك الأبعاد الطبقية والمصالح السياسية الانتهازية المغرضة من "علماء وفقهاء " هذه الطائفة أو تلك، الذين يجدون في تلك الجماهير العفوية الفقيرة، وعاءً صالحاً يستقبل أفكارهم الرجعية السوداء لاشعال الصراع الدموي الطائفي البشع في ظل عجز وغياب تأثير القوى اليسارية على الجماهير الشعبية.
هذا المسار الصراعي الدموي تقوده اليوم، الداعشيات السنية والشيعية معاً، وخلفهما تلهث شعوب ونُخب وحكومات واحزاب سياسية، حيث نلحظ "في فضاء كل من "المعسكر السني" و"المعكسر الشيعي" في المنطقة، نفس الخطاب والتجييش والاقصاء والتكفير والاتهام بالعمالة لـ "المعسكر الآخر"، ذلك إن تحليل الخطاب الديني والسياسي والاعلامي السائد، يقود إلى نفس النتائج تماماً مع تغيير مفردة "سني" أو "شيعي" وحسب، فالمعمل الاساسي لخطاب التصفية والإقصاء يشرف عليه داعشيو السُّنة وداعشيو الشيعة، ثم يُصَدِّرون منتجهم القاتل إلى بقية المعسكر بمتطرفيه ومعتدليه وحتى علمانييه، ويعيد هؤلاء استنساخه وانتاجه بسذاجة قاتلة، وفي مناخ كهذا "لا يحق لك حتى لو كنت علمانيا صافيا لا يؤمن بخلط الدين في السياسة ان تأخذ الحياد أو رفض الانجرار إلى مستنقع الطائفية وعفونة خطابه وتصنيفاته" .
نستنتج من كل ما تقدم، تطلعنا إلى تطبيق الديمقراطية والعلمانية في مجتمعاتنا العربية، هو اكثر ضرورة ملحة تستجيب لتطلعات شعوبنا العربي ونهوضها والخروج من أوضاعها المتخلفة والمأزومة الراهنة، لكننا أيضاً ندرك أن هدف تحقيق الديمقراطية والعلمانية في مجتمعاتنا العربية، ليس ثمرة ناضجة برسم القطف بل هي بذرة برسم الزرع، والتربة الأولى التي يمكن أن تزرع فيها هي التربية العلمانية في المدارس والجامعات.
فأصل الانقسام الطائفي في الإسلام سياسي وليس ديني، وقد كان مداره –ولا يزال- على مسألتي الخلافة والإمامة، ولذلك علينا ان نتوخى المنهجية الموضوعية بالنسبة لمقولة الإسلام السياسي، وعدم تحديدها أو ربطها بالمسلمين السُّنة فقط، إذ أنه إلى جانب "الإسلام السياسي السُّني"، هناك أيضاً حركات "اسلام سياسي شيعي" في العراق واليمن ولبنان وإيران... إلخ. لابد من التعاطي مع كل منهما بصورة موضوعية على أساس مساحة الاتفاق في قضايا النضال التحرري الوطني، وقضايا النضال الديمقراطي وحرية الرأي والاختلاف في إطار الاحترام المتبادل، آخذين بعين الاعتبار ، أن تحقيق مبدأ فصل الدين عن الدولة، في إطار النظام الديمقراطي العلماني، سيضمن اجراء متغيرات نوعية، حضارية وتقدمية، في مجتمعاتنا، بما في ذلك تجاوز ودفن مقولتي الروافض والنواصب، وكافة أشكال التعصب الديني الطائفي، وإحالة ملف الصراع بين السُّنة والشيعه إلى متحف التاريخ، وفتح الطريق امام الإسلام السني والإسلام الشيعي إلى إعادة تأسيس نفسهما في علاقة احترام متبادل ضمن رؤية مستقبلية واحدة تنطلق من مقولات الوطن والوطنية والمواطنة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.