كارل ماركس في العراق/ الجزء الثاني عشر

فرات المحسن
2016 / 5 / 30





نهض كارل ماركس من نومه فزعًا على أزيز إطلاق نار كثيف دون توقف ودوي انفجارات شديدة قريبة من الدار. بدا كأن هناك اقتتال دامٍ بين جبهتي خصوم. كان صدى الاطلاقات والقذائف يتردد وسط الغرفة تكتمه جدرانها الكونكريتية فيضغط الصدى على أذني ماركس ويؤذيهما. كانت الظلمة حالكة لم يستطع معها أن يميز بسهولة شيئًا في الغرفة، وفجأة شعر باقتراب جسد أحدى البقرات منه وكأنها تريد أن يحميها من هجوم يستهدفها بالذات. اشتدت أصوات أطلاق الرصاص والانفجارات واقتربت من جدران الغرفة واختلطت أصوات بشرية عديدة ببعضها تصرخ بحدة، شتائم وسباب ونداءات وتهديد. لم يستطع ماركس أن يميز كل ذلك ولم يكن ليعلم شيئًا عما يحدث في الجوار. خمن وهو في عزلته الداكنة السواد بأن ما يحدث هو اقتتال شرس بين فريقين. قد يكون اقتتال بين هؤلاء الأوغاد، فالسلوك الجانح والعدوانية وبدائية التفكير والتناقض الظاهر في شخصياتهم ورغباتهم، كل ذلك يرجح اقتتالهم الداخلي. حالة التوتر الوجودي واضحة لديهم جميعًا. علاقاتهم مع أبو بشير وأيضًا فيما بينهم تبدو علاقات اضطهادية متوترة، ودائما تراهم في حالة نفسية تظهر على تصرفاتهم وفي عيونهم القلقة، وكأنهم على استعداد لخلق صراع أو معركة مع الأخر.
اشتدت وطأة الاقتتال وتزايدت معها أصوات أطلاقات الرصاص والانفجارات والضجيج والصراخ المبهم. فجأة شعر كارل ماركس بقوة اهتزاز باب الغرفة الحديدي. كانت هناك محاولات لفتحة أو خلعه دون جدوى. ثم فجأة دوى صوت رشقة رصاص باتجاه السلسلة الحديدية ليفتح الباب. سطعت حزمة أنوار سقطت عند جدار الغرفة المواجه للباب، بعد ذلك راحت أضواء مصابيح تتراقص داخل الغرفة رافقتها أطلاقات اخترقت الظلام فنثر اصطدامها شظايا من حجر الجدران وقع بعض منه فوق رأس ماركس وقريبة منه. دخل رجال مدججون بالسلاح شاهرين أسلحتهم ووقفوا جوار ماركس وكان أحدهم يصرخ بصوت عال.
ــ أبق مكانك لا تتحرك .. أرفع يديك.
رفع ماركس يديه المكبلتين وأشار بهما نحو الرجال.
ــ منو أنت وشتسوي هنا.. ومن قيدك؟
ــ أنا مخطوف منذ أسابيع ..
ــ لا تتحرك من مكانك.
ــ ولكن من أنتم؟
ــ أحنه من الجيش العراقي ونبحث عن عصابات الخطف والجريمة في هذه البساتين. تعرف واحد منهم؟
ــ لا علم لي . أنا لست عراقيًا أنا ألماني.
ــ ألماني ...؟
ــ نعم ألماني الجنسية.
ــ ما أسمك؟
ــ كارل هاينريش ماركس.
ــ هل لديك أوراق ثبوتية؟
ــ أنها في حقيبتي التي أخذها مني أبو بشير.
ــ منو هذا أبو بشير؟
ــ هو رأس المجموعة التي خطفتني. وهو من يمتلك هذا البيت ويدير مجموعة الشباب التي ترتكب الجرائم.
ــ وفي أي شركة أو مؤسسة ألمانية كنت تعمل.. وكيف اختطفت؟
ــ أنا عالم آثار وأعمل لحسابي الخاص؟
ــ بيا منطقة خطفوك؟
ــ لا أعرف المنطقة.. كنت مع شخص أخر أسمه جبار خرجنا من الناصرية باتجاه بغداد حين أعترضتنا سيطرة عسكرية وهم من اختطفنا.
ــ ملازم سامي، هذا مو وكت تحقيق.. حتما هناك أشخاص آخرين سوف نعثر عليهم داخل هذه المناطق من البساتين.
ــ أوكي سيدي.. شباب.. أخذوه لسيارة الطوارئ، لا تفكوا قيوده وخلوه تحت المراقبة لحين تسليمه إلى الشرطة الاتحادية، خلي نائب ضابط طارق يدرج المعلومات عنه في تقرير المعركة مع باقي الموجودات.
لم يكن كارل ماركس مصدقًا ما حدث، ففجأة تغير كل شيء وبدت الأمور تأخذ منحىً جديدًا لا يدري ما الذي يخفيه له القدر في المرحلة المقبلة. قبل صعوده إلى جوف العربة طلب من الضابط أن يجلبوا له حقيبته الجلدية الموجودة في غرفة أبو بشير كونها تحتوي على جميع وثائقه، جواز سفره وما يثبت شخصيته. دفع العسكري جسد ماركس داخل السيارة بعد ذلك أشار الضابط لأحد الجنود بالدخول إلى الغرفة والبحث عن الحقيبة، بعد قليل جاء العسكري بحقيبة صغيرة كالحة السواد.
ــ هاي هيه حقيبتك؟
ــ نعم هذه.
تحت نور المصباح اليدوي فتحها الضابط بحذر ومد يده وأخرج بضعة أوراق كتب فيها بخط مرتبك وبلغة غير العربية.
ــ هذه الأوراق كل محتويات الحقيبة... ماكو شي لاخ.
ــ جواز سفري هوياتي التعريفية.
ــ ما كو أي شي.
ــ أرجوك لعلهم وضعوها في مكان ما من الغرفة أو في المنضدة؟
ــ أوكي .. أبني جواد روح دور بالغرفة زين لتخلي مكان ما أدور بي.
لم تنقطع لعلعة الرصاص والانفلاقات وضجيج الأصوات والنداءات ولكنها ابتعدت في عمق البستان المجاور. كان ماركس يطالع المكان وكأنه يراه للمرة الأولى. ليس مثل المرات السابقة، فقد حاول هذه المرة التعرف على المكان بدقة فراح يجول بناظريه. ورغم ضوء القمر الشحيح وشبه الظلمة التي تلف المكان، يبدو منظر البستان القريب جميلا. نخيل وأشجار وبيت بعدة غرف، كانت الغرفة التي وضعوه فيها تأخذ الطرف الخلفي منه. أمام البيت ساقية ماء صغيرة تذهب إلى ما خلف الدار، يعلوها جسر خشبي صغير وهناك طريق ترابي يمتد بعيدًا نحو عمق البستان. لم يكن ضوء القمر الباهت بكاف لرؤية الكتل الصغيرة المرمية هنا وهناك ولكن فضوله كان يدفعه للتمعن بدقة بما حوله.
ــ سيدي ما لكيت كلشي.
ــ بكل مكان؟ بالجرارات بغيره؟
ــ والله سيدي بحوشت كلشي.
تنبه كارل ماركس لكلام العسكري فطلب معرفة ما دار بينهم فأخبره الضابط بأن الجندي لم يجد أي متعلقات له في الغرفة قائلا.
ــ يمكن أخذوها وياهم أو تلفوها.
ــ لقد أخبروني بأنهم أرسلوا صورة من جوازي إلى السفارة الألمانية لطلب الفدية.
ــ كلش زين تستطيع مراجعة السفارة الألمانية وتحصل على نسخة جديدة.
ــ نعم .. عسى أن ينفع ذلك.. هذا يحتاج إلى جهد ومثابرة وضربة حظ سحرية.
ــ ماذا؟
ــ لا شيء ..متى نذهب؟
ــ ننتظر انتهاء العملية وعودة الجميع، بعدها نحصي الموجود ونتائج العملية.. أعتقد أن هذا لا يستغرق وقتًا طويلا ربما بضع ساعات أخرى.

***
في هذا الموقف الذي وقع فيه ماركس وبعد أن شعر بالحرج والضيق والخيبة من الذي حدث لأوراقه الشخصية ، وجد أن ليس أمامه غير خيار التوازن، التوازن بين الانفعال والعاطفة بين المنطق والعقل، فرغم القلق ومشاعر انعدام الأمن، فان المرء يحتاج الركون إلى العقلانية في التعامل مع الوقائع رغم الخسارة، فالإفراط بالانفعال وتأجيج العواطف في مثل هذه المواقف لن يجدي نفعا، وحتما سوف يؤدي إلى انهيار القدرة على التركيز، عندها تفلت من الإنسان الكثير من القوة والحقائق.
تنبه ماركس لحركة السيارة البطيئة ووجود العسكري الجالس بجانبه الذي يدخن سيجارته بشراهة دون أن يلاحظ عليه أي اهتمام لوجودهم جوار بعض، فالعسكري يبدو في عالم أخر، بعيد عن هذا المكان بل بعيد كليا حتى عن سلاحه. كان كمن يهيم في فضاء ويحلق مع دخان سيجارته ، وهذا ما يظهر عليه من خلال استنشاقه ونفثه لدخان سيجارته. كان يريد أن يلتهم من الدخان أكثر مما تستطيع أن تمنحه تلك السيجارة الصغيرة الضائعة بين أصابع كفه الغليظة الخشنة، ولذا يحاول إبقاء الدخان في صدره أطول وقت ممكن، ثم ينفثه بحدة يصاحبها صوت صفير غريب يأتي من صدر موجوع منخور.
ــ كم من الزمن وأنت في الخدمة العسكرية؟
تنبه العسكري واستدار لرؤية وجه ماركس القريب، فالضوء الشحيح في حوض السيارة لا يساعد على وضوح الصورة.
ــ وأنته شيخصك؟
ــ مجرد سؤال .. أراك ضجرًا.
ــ وأنت شعليك ضايج مشتعل سلفه سلفاي.. شنو راح ينفعك؟
ــ العفو مجرد سؤال إن كان ذلك يزعجك فأرجو المعذرة.
ــ قبل تلث تيام كملت عامي الخامس. وليش بالضبط تسأل مثل هذا السؤال؟
ــ شيء من الفضول فأنا أراك قلقًا مكتئبًا وربما أنت بعيد عن طبيعة مهنتك أو تعاني من مشاكل عائلية.. هل تحصل على راتب جيد؟
ــ الحمد لله، أطيك هويتي حتى ترتاح.
ــ هل أزعجك بأسئلتي.. أريد فقط أن نقضي الوقت وأنت شاب عراقي وأنا مهتم بأوضاع الشباب.
ــ يا شباب يمعود خليه سكته.. وحضرتك تريد هسه أتكضي وقتك براسي مو.... صحيح أنته إلماني؟
ــ نعم إلماني.
ــ لعد يحظي شجابك لهذا المهجوم؟
ــ ماذا تقصد؟
ــ يعني لماذا جئت إلى العراق؟
ــ أردت دراسة الآثار والأحداث.
ــ وبدل ما تدرس آثارنا خطفوك مو؟ يجوز جانو عصابة تبيع آثار ورادو يستفادون من خدماتك.
ــ نعم... ماذا تقول؟.
ــ ما كو شي.. وشنو راح تسوي بعد ذلك؟
ــ سوف أحاول العودة إلى بلادي.
ــ أي نعم هذا المنطق الصحيح.. مو جاي أتضيع وقتك وعمرك ويانه... كلي هذا منو زينك؟
ــ ماذا تقول؟
ــ منو حلق شعرك؟.. أملخك تملخ.
ــ أبو بشير وعصابته هم من فعل ذلك.
ــ الله يطيح حظهم على هذي الدكة العوجة.
ــ هل لديك تحصيل دراسي؟
ــ أنا خريج جامعة.
ــ خريج جامعة!
ــ نعم خريج كلية الإدارة واقتصاد.
ــ وهل من الموجب على خريجي الكليات الخدمة في الجيش.
ــ هذا كان قبل على عهد صدام .. أما الآن فلا.. لا تكليف وأنا من تطوع للخدمة في الجيش.
ــ ولمّ لم تعمل باختصاصك؟
ــ حاولت ألف مرة ودورت على وظيفة ودفعت فلوس لأجل ذلك، ولكن باءت محاولاتي جميعها بالفشل.. أو وصلتني محاولاتي لحالة من اليأس وحاولت بعدها الانتحار.
ــ الانتحار؟!
ــ نعم.. بعد ما كدرت أوفر الطعام لعائلتي.
سحب سيجارة أخرى وأشعلها من بقايا الأولى وراح ينفذ الدخان بعجالة وظهر عليه الحنق والضيق فاستدار معطيا ظهره لماركس.
ــ متخليني بقهري.. هسه أنته متكلي منين الله جابك عليه؟ من أحترك أبو الخلفني على هذي القسمة الكشرة بهذي الليلة السودة.